حذّر خبراء هذا الأسبوع من أن الكهوف التي تضم احتياطيات النفط الاستراتيجية الأميركية قد تتعرض للتلف جراء السحب السريع للمخزونات استجابةً لحرب إيران، وذلك في وقت انخفضت فيه مستويات المخزون إلى أدنى مستوياتها منذ أربعة عقود.
وأشار الخبراء إلى أن تضرر هذه الكهوف سيجعل من الصعب التعامل مع حالات طوارئ الطاقة في المستقبل. ويُخزَّن النفط الخاص بـ "احتياطي النفط الاستراتيجي" SPR في 60 كهفاً ملحياً تقع على عمق آلاف الأقدام تحت الأرض، موزعة على أربعة مواقع رئيسية على طول ساحل الخليج في ولايتي لويزيانا وتكساس.
وقد انخفض حجم الاحتياطي الاستراتيجي إلى ما دون 300 مليون برميل للمرة الأولى منذ ملئه في أوائل الثمانينيات، وذلك وفقاً لبيانات وزارة الطاقة الصادرة يوم الاثنين. وتتضاءل المخزونات مع قيام الولايات المتحدة بسحب 172 مليون برميل استجابةً لاضطراب الإمدادات الناجم عن حرب إيران؛ ومن المتوقع أن يستقر حجم الاحتياطي عند حوالي 243 مليون برميل بعد اكتمال عملية السحب.
وكانت وزارة الطاقة قد صرحت بضرورة بقاء ما لا يقل عن 70 مليون برميل في الاحتياطي لضمان إدارة الكهوف بأمان، إلا أن عاموس هوكستين، كبير مستشاري الطاقة للرئيس جو بايدن، شكك في صحة هذا الرقم هذا الأسبوع.
وقال هوكستين في تصريح لبرنامج Squawk Box على شبكة CNBC: "لا تصدقوا من هم خارج الحكومة ممن يقولون إن الاحتياطي الاستراتيجي يمكن أن يصل إلى 70 مليون برميل؛ فهذا كلام فارغ". وأضاف أنه عند هذا المستوى، سيصل الاحتياطي إلى حالة "يستحيل معها إعادته للعمل مجدداً".
وكان المسؤول السابق في إدارة بايدن قد حذّر في شهر يونيو من أن خفض الاحتياطي إلى ما دون 300 مليون برميل ينطوي على مخاطر إلحاق الضرر بالكهوف.
#عاجل|
— CNBC Arabia (@CNBCArabia) May 13, 2026
وكالة الطاقة الدولية تقول إن إمدادات النفط العالمية ستنخفض بنحو 3.9 مليون برميل يومياً خلال عام 2026 بسبب الاضطرابات الناجمة عن حرب إيران، إذ فقدت منطقة الشرق الأوسط أكثر من مليار برميل من إمداداتها pic.twitter.com/hVcNTtkvCl
وقال هوكستين خلال فعالية نظمها المجلس الأطلسي Atlantic Council: "لا أعرف أحداً يعتقد أنه يمكننا النزول عن مستوى 300 مليون برميل. بل أعرف الكثيرين ممن يرون أننا لا نستطيع الاقتراب حتى من هذا الرقم، لأن ذلك سيؤدي فعلياً إلى تضرر الكهوف التي يُخزَّن فيها النفط".
ومن جانبه، صرح المتحدث باسم وزارة الطاقة، بن ديتدريش، بأن المزاعم القائلة بأن كهوف تخزين الاحتياطي الاستراتيجي معرضة لخطر الانهيار أثناء سحب النفط هي مزاعم عارية عن الصحة.
صرح ديتدريش لشبكة CNBC قائلاً: "تظل الكهوف ممتلئة دائماً؛ فكل ما يتغير هو نسبة النفط إلى الماء التي تملؤها". وأضاف أن إدارة ترامب "تدير الاحتياطي الاستراتيجي للنفط بمسؤولية، باعتباره أصلاً حيوياً للأمن القومي كما صُمم ليكون".
وقد أبدى الجانبان في المشهد السياسي مخاوف بشأن سلامة الكهوف الملحية؛ إذ أثار المشرعون الجمهوريون هذه المخاوف عندما أفرجت إدارة بايدن عن كمية قياسية بلغت 180 مليون برميل استجابةً للغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022. وقد انخفض مستوى الاحتياطي الاستراتيجي إلى ما دون 350 مليون برميل في عام 2023 في عهد بايدن، ثم أُعيد ملؤه ليصل إلى نحو 415 مليون برميل قبل اندلاع الحرب مع إيران.
ذكر مكتب مساءلة الحكومة GAO في تقرير صدر في شهر مايو أن "عمليات السحب الجزئي المتكررة التي تليها عمليات إعادة ملء يمكن أن تؤدي إلى تآكل أجزاء محددة من الكهف مراراً وتكراراً، مما ينتج عنه أشكال غير مرغوب فيها".
ووفقاً للمكتب، فقد تبين أن غالبية الكهوف المكونة للاحتياطي البترولي الاستراتيجي كانت في "حالة جيدة جداً" بعد عملية السحب التي تمت عام 2022.
وأضاف المكتب: "ومع ذلك، فإن كل دورة سحب تؤدي إلى زيادة حجم الكهف وتقليل المسافة الفاصلة بين الكهوف داخل القبة الملحية، وهو ما يقلل في نهاية المطاف من جدواها التشغيلية على المدى الطويل".
الحد الأدنى التشغيلي
لإخراج النفط من الاحتياطي الاستراتيجي، يقوم المشغلون بضخ المياه إلى قاع الكهوف لإزاحة النفط الخام ودفعه نحو السطح، ثم ضخه عبر الآبار إلى خطوط الأنابيب.
يقول سيدهارث ميسرا، أستاذ هندسة البترول في جامعة تكساس إيه آند إم Texas A&M، إن هناك حداً أدنى فيزيائياً صارماً يبلغ 70 مليون برميل يجب توفره في الجزء العلوي من الكهوف لضمان بقاء أنابيب الاستخراج مغمورة بأمان في النفط بدلاً من الماء.
لكن ميسرا أوضح في رسالة بالبريد الإلكتروني إلى شبكة CNBC أن "الحد الأدنى التشغيلي العملي لمخزون النفط الخام يتراوح بين 250 و300 مليون برميل". وأشار إلى أنه عند مستويات المخزون الحالية، "تصبح سلامة الكهوف والقدرة التشغيلية الإجمالية عرضة لمخاطر متزايدة".
وذكر ميسرا أنه عندما ينخفض المخزون عن 300 مليون برميل، يفقد الاحتياطي الاستراتيجي قدرته على ضخ النفط بسرعات عالية للتعامل مع حالات الطوارئ. كما أضاف أن أنابيب النظام ومضخاته قد تتعرض للتلف مع ترقق طبقة النفط في الأعلى وارتفاع الرواسب الطينية (الحمأة) نحو فتحة سحب الاستخراج الموجودة في سقف الكهف.
وأشار ميسرا إلى أنه غالباً ما يتم ضخ مياه عذبة إلى الكهوف أثناء عمليات السحب السريع، مما يؤدي إلى إذابة الجدران الملحية. وأوضح أن هذا الأمر "يخلق سقفاً أكثر تسطحاً وأقل استقراراً، ويؤدي إلى ترقق شديد في الأعمدة الملحية الحيوية التي تفصل بين الكهوف المتجاورة، مما يزيد بشكل كبير من المخاطر الجيولوجية لحدوث انهيار هيكلي".
يُذكر أن الاحتياطي البترولي الاستراتيجي صُمم في الأصل ليتحمل خمس عمليات سحب كاملة للمخزون، إلا أنه -بدلاً من ذلك- شهد تنفيذ عشرات عمليات السحب، سواء الكبيرة أو الصغيرة، على مدار الأربعين عاماً الماضية، حسب ما أفاد ميسرا.
قال: "نظراً لأن النظام لم يُصمَّم ليتحمل هذا العدد الكبير من دورات التشغيل، فقد أدت عمليات الحقن المتكرر للمياه واستخراج النفط إلى تشوه حاد في الكهوف، وتسريع وتيرة الانهيارات الملحية الضخمة من الأسقف، وإضعاف كبير للسلامة الهيكلية العامة لهذا المخزون المتقادم".
وأبلغ مسؤولو وزارة الطاقة مكتب مساءلة الحكومة بأنهم "يحاولون الحفاظ على تماسك البنية التحتية لاحتياطي النفط الاستراتيجي باستخدام حلول مؤقتة وبدائية (تشبه استخدام الضمادات اللاصقة)، مع عدم اليقين بشأن المدة التي ستصمد فيها هذه الحلول".
ووجد المكتب أن أكثر من ربع مخزون الاحتياطي الاستراتيجي كان "غير متاح للسحب، اعتباراً من ديسمبر 2025، بسبب مزيج من التوقفات الناجمة عن أعمال الإنشاءات وتلك المتعلقة بحالة الكهوف".
ومن جانبهم، قدّر محللون في شركة رابيدان إنيرجي Rapidan Energy أن الاحتياطي الاستراتيجي يمتلك "حداً أدنى مرناً" يبلغ حوالي 170 مليون برميل؛ إذ تحول اعتبارات تتعلق بسلامة الكهوف وقيود البنية التحتية لعمليات الضخ دون إجراء المزيد من عمليات السحب عند مستويات تقل عن ذلك.
وقال هوكستين إن تعرض ولاية فلوريدا أو لويزيانا لإعصار قد يضع الولايات المتحدة في موقف صعب في ظل المستويات الحالية للاحتياطي الاستراتيجي؛ موضحاً: "عند مستويات تقل عن 300 مليون برميل، وهو الوضع الحالي لنا، فالأمر لا يتعلق باستحالة السحب، بل بأن ذلك يبطئ تدفق النفط ويعرضنا للخطر".
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي