إنفيديا (Nvidia) تحوّل ميزتها التنافسية في الذكاء الاصطناعي من هيمنة الرقائق إلى قوة رأس المال، بعدما وقّعت خلال الأسبوع الماضي اتفاقية مع كبرى المؤسسات المالية في وول ستريت للسعي إلى تمويل بقيمة 500 مليار دولار لمعالجاتها الرسومية، ووافقت على دعم أوبن إيه آي (OpenAI) في مركز بيانات ضخم بولاية أوهايو بمبلغ يصل إلى 105 مليارات دولار.
تراجع الهيمنة التقنية
وتراجعت الفجوة التقنية الكبيرة التي كانت تتمتع بها إنفيديا في الذكاء الاصطناعي، وهي الفجوة التي جعلت منها الشركة الأكثر قيمة في العالم، بعدما تمكّن منافسون مثل أدفانسد مايكرو ديفايسز (AMD) وغوغل (Google) من تقليص الفارق التقني، ما دفع الشركة إلى الاستفادة من ورقتها الرابحة الأخرى وهي رأس المال.
دعم بقيمة 105 مليارات دولار لمشروع أوهايو
وأعلنت إنفيديا الاثنين أنها ستوفر تمويلاً يصل إلى 105 مليارات دولار لمركز بيانات ضخم تابع لأوبن إيه آي في ولاية أوهايو، في خطوة تمثل نوعاً من الضمانة في حال تعثّرت أوضاع الشركة المطوّرة لتشات جي بي تي.
وتعكس هذه الاستراتيجية، بحسب مراقبين، رغبة إنفيديا في تغذية طفرة الذكاء الاصطناعي بأي وسيلة ممكنة، إدراكاً منها أن الطلب على البنية التحتية الحيوية لا يبدو أنه سيتراجع، رغم أن عدداً محدوداً من الشركات الكبرى المشغّلة للحوسبة السحابية يستحوذ على حصة كبيرة من المشتريات.
واستخدمت إنفيديا قوة ميزانيتها وتصنيفها الائتماني لضمان عدم حدوث تباطؤ حاد، بعد اثني عشر ربعاً متتالياً من النمو في الإيرادات بأكثر من 55%، في وقت قفز فيه التدفق النقدي الحر الفصلي للشركة 18 ضعفاً خلال ثلاث سنوات ليصل إلى 48.5 مليار دولار في أحدث فترة مالية.
وقال رام بالا (Ram Bala)، الأستاذ المشارك في الذكاء الاصطناعي والتحليلات بكلية ليفي لإدارة الأعمال في جامعة سانتا كلارا، إن الشركة "لا تزال مهيمنة، لكنها قلقة جداً بشأن ضمان عدم فقدانها لموقعها".
ورفضت إنفيديا التعليق على الأمر، وفق شبكة CNBC.
كما استبعد محللو مؤسسة كانتور (Cantor)، في مذكرة للعملاء الاثنين، أن تكون إنفيديا تشتري نموها من خلال هذه المناورات المالية، وأكدوا تصنيفهم بالشراء، معتبرين أن الاتفاقية الأخيرة "إشارة واضحة إلى أن دورة الاستثمار الحالية في الذكاء الاصطناعي ستكون طويلة الأمد ومستدامة".
وأضافوا أنهم ينظرون إلى الأمر باعتباره تسهيلاً لموجة البناء المقبلة في الذكاء الاصطناعي، مع خلق حواجز تنافسية إضافية تمكّن إنفيديا من البقاء الشركة الرائدة في هذا المجال.
عوائد نقدية ضخمة وتوزيعات أرباح
وتسبح إنفيديا في فائض نقدي كبير، إذ أعلنت في مايو/أيار رفع توزيعات أرباحها الفصلية إلى 25 سنتاً للسهم بدلاً من سنت واحد فقط، إضافة إلى خطة جديدة لإعادة شراء أسهم بقيمة 80 مليار دولار. وتعهدت الشركة بإعادة نحو 50% من تدفقها النقدي الحر إلى المساهمين هذا العام.
استثمارات في النظام البيئي للذكاء الاصطناعي
ووظّفت إنفيديا جزءاً من ثروتها النقدية عبر استثمارات في أسهم شركات ضمن منظومة الذكاء الاصطناعي، بما فيها شركات تطوير النماذج ومزودو الحوسبة السحابية المتخصصة الذين ينفقون بكثافة على رقائق وأنظمة إنفيديا.
وبلغت قيمة ما تحتفظ به إنفيديا من أوراق مالية قابلة للتداول 30.2 مليار دولار في أحدث فترة مالية، مقارنة بـ12.9 مليار دولار قبل عام.
كما استثمرت إنفيديا في فبراير/شباط 30 مليار دولار في أوبن إيه آي، التي تعتمد على قدرات تدريب من نظام فيرا روبين، أحدث أنظمة الشركة.
وتضمنت اتفاقية الاثنين استثماراً بقيمة 1.5 مليار دولار في شركة إس بي إنرجي (SB Energy)، التابعة لمجموعة سوفت بانك (SoftBank)، التي تتولى بناء وإدارة مركز البيانات في مجمع بورتس-بايك التقني بمقاطعة بايك في أوهايو، بموجب عقد إيجار مدته 20 عاماً مع أوبن إيه آي.
وأضافت إنفيديا أنها، إلى جانب استثمارها في إس بي إنرجي، تقدّم دعمها المالي لنحو 4 غيغاوات من التطوير في موقع أوهايو، يشمل أجزاء من عقود الإيجار والطاقة والتزاماً محدداً بالقيمة المتبقية، مع افتتاح مراكز البيانات بين عامي 2028 و2030.
توسيع نطاق الوصول
وأقرّ الرئيس التنفيذي لإنفيديا جينسن هوانغ (Jensen Huang) بأهمية القوة المالية للشركة في منشور على منصة إكس بشأن الاتفاقية، وقال إن مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة لديها طلب استثنائي على حوسبة التدريب والاستدلال، لكن كثيراً منها ينمو بوتيرة أسرع مما تتحمله ميزانياتها وملفاتها الائتمانية طويلة الأجل.
وأضاف أن هذه المختبرات قد يكون لديها طلب قوي من العملاء ونمو سريع في الإيرادات، لكنها تفتقر إلى عقود بنية تحتية طويلة الأمد وقدرة تمويل بتصنيف استثماري تمكّنها من تأمين بنية تحتية لمصانع الذكاء الاصطناعي بشكل مستقل.
وظهر هوانغ قبل أسبوع في مقابلة على شبكة سي إن بي سي (CNBC) إلى جانب ستة من كبار الممولين في وول ستريت للإعلان عن دخول معالجات إنفيديا الرسومية كفئة أصول جديدة.
ووقّع مذكرة تفاهم مع مؤسسات من بينها غولدمان ساكس (Goldman Sachs)، وأبولو غلوبال مانجمنت (Apollo Global Management)، وبلاكستون (Blackstone)، وبلاك روك (BlackRock)، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة من التوسع في الذكاء الاصطناعي ستُموَّل جزئياً عبر جهات خارجية يمكنها الاستثمار في وحدات معالجة الرسومات بالطريقة نفسها التي تستثمر بها في العقارات.
كما وصف هوانغ هذه الوحدات بأنها "أصول مدرّة للدخل الآن"، مضيفاً أنها "منتجة وطويلة الأمد وقابلة للتبادل ومرنة".
منافسة متصاعدة من غوغل وAMD
ويتمثل العامل الأساسي لحصول المقترضين المحتملين على التمويل في الالتزام بأنظمة هوانغ، إذ حصلت إنفيديا على خيار ضمان 25% من كل قرض، في وسيلة أخرى لتوسيع انتشار تقنيتها في السوق، في ظل تصاعد المنافسة من غوغل وAMD وشركات متخصصة في تصنيع الرقائق مثل سيريبراس (Cerebras).
وبدأت غوغل في الربع الثاني تسجيل إيرادات من مبيعات معالجات تنسور (TPU)، ما ساهم في نمو وحدة الحوسبة السحابية لديها بنسبة 82%.
وسجّلت AMD من جهتها نمواً تجاوز 100% في قطاع مراكز البيانات، وتتوقع الشركة أن يبدأ شحن أول نظام لها من فئة الرفوف المتكاملة، المسمى هيليوس (Helios)، لاحقاً هذا العام.
وقال بول ميكس (Paul Meeks)، رئيس أبحاث التكنولوجيا في فريدم كابيتال ماركتس (Freedom Capital Markets)، إن تصاعد المنافسة يقلّص قدرة إنفيديا على تحقيق هوامش ربح استثنائية، ويدفعها إلى تنويع استراتيجيتها.
وأضاف أن جزءاً من تفكير الشركة يقوم على توسيع نطاق عملها، لأنها لا يمكن أن تراهن على حصان واحد فقط هو وحدات معالجة الرسومات.
نمو الطلب يفوق المخاوف
ويرى المتفائلون بقطاع الذكاء الاصطناعي أن إنفيديا تستجيب فقط للطلب، مشيرين إلى أن النقص الحالي في السوق يتركز في جانب القدرة الإنتاجية لا الطلب.
وتدعم هذه الرؤية أرقام عدة، إذ أبلغت أنثروبيك (Anthropic) المستثمرين خلال عطلة نهاية الأسبوع بأن معدل إيراداتها السنوي المُعدّل بلغ 65 مليار دولار في يوليو/تموز، أي بزيادة سبعة أضعاف مقارنة بالعام الماضي، فيما بلغ المعدل ذاته لدى أوبن إيه آي مؤخراً 40 مليار دولار.
وقال ماثيو فيغاري (Matthew Vegari)، رئيس الأبحاث في كليرووتر أناليتيكس (Clearwater Analytics)، في رسالة بريد إلكتروني، إن الرواية القائلة بأن صفقات الذكاء الاصطناعي تشكّل بنية دائرية أشبه بـ"بيت من ورق" تبدو مضلّلة إلى حد ما في ضوء ديناميكيات السوق الحالية.
وأضاف أن السوق قد تشهد يوماً ما فائضاً في القدرة الإنتاجية، لكن ذلك اليوم لم يحن بعد.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي