تراجع مخزون النفط الاستراتيجي الأميركي إلى ما دون 300 مليون برميل للمرة الأولى منذ عام 1983، في تطور تناولته على نطاق واسع تقارير اقتصادية أميركية ودولية هذا الأسبوع، وسط تحذيرات من مخاطر تطال البنية التحتية للمنشأة ذاتها.
تراجع تاريخي إلى ما دون 300 مليون برميل
وأظهرت بيانات وزارة الطاقة الأميركية (Department of Energy) أن الاحتياطي النفطي الاستراتيجي هبط إلى 298.7 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 7 أغسطس/آب 2026، بتراجع قدره 6.1 مليون برميل خلال أسبوع واحد فقط، وهو أدنى مستوى يسجله المخزون منذ 28 يناير/كانون الثاني 1983.
ويمثل هذا المستوى نحو 41.8% من الطاقة التخزينية المصرح بها للمنشأة البالغة 714 مليون برميل، ما يعني أن المخزون يعمل حالياً بأقل من نصف طاقته القصوى.
وتعود جذور هذا التراجع الحاد إلى قرار الرئيس دونالد ترامب في مارس/آذار الإفراج عن 172 مليون برميل من الاحتياطي، بعدما عملت إيران على تعطيل حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، الممر الذي كان يمرّ عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية قبل اندلاع النزاع.
وسبق ذلك القرار هجوم شنّته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، حين كان المخزون يبلغ نحو 415 مليون برميل.
ومع اكتمال عملية السحب البالغة 172 مليون برميل بالكامل، من المتوقع أن يهبط المخزون إلى نحو 243 مليون برميل.
ويبقى المخزون حالياً أعلى من الحد الأدنى القانوني المحدد بموجب قانون سياسة الطاقة والحفظ (Energy Policy and Conservation Act) البالغ 252.4 مليون برميل، فيما أوضح متحدث باسم وزارة الطاقة لشبكة "CNBC" أن الحد الأدنى الآمن لتشغيل المنشأة يقارب 70 مليون برميل فقط.
الكهوف الملحية
وحذّر أموس هوكشتاين (Amos Hochstein)، الذي شغل منصب كبير مستشاري الطاقة في إدارة الرئيس السابق جو بايدن، من أن استنزاف الاحتياطي إلى ما دون 300 مليون برميل يحمل مخاطر فعلية على الكهوف الملحية التي يُخزَّن فيها النفط.
وقال هوكشتاين لشبكة "CNBC" في برنامج "سكواك بوكس" (Squawk Box) إنه لا ينبغي تصديق من يقول إن الاحتياطي يمكن أن ينزل إلى 70 مليون برميل، واصفاً ذلك بأنه كلام غير منطقي، مضيفاً أن المخزون عند هذا المستوى سيصل إلى نقطة يستحيل بعدها إحياؤه من جديد.
,أضاف هوكشتاين أن إعصاراً يضرب فلوريدا أو لويزيانا قد يضع الولايات المتحدة في موقف صعب في ظل المستويات الحالية للاحتياطي، موضحاً أن التراجع دون 300 مليون برميل لا يعني استحالة التعامل مع أزمة طارئة، لكنه يبطئ تدفق الإمدادات ويزيد من درجة الخطورة.
من جانبهم، قدّر محللون في شركة "رابيدان إنرجي" (Rapidan Energy) أن للاحتياطي "أرضية مرنة نسبياً" عند نحو 170 مليون برميل، وهو المستوى الذي تصبح دونه قيود سلامة الكهوف والبنية التحتية لضخ النفط عائقاً أمام أي عمليات سحب إضافية، وفق شبكة CNBC.
ويُخزَّن النفط في الاحتياطي داخل 60 كهفاً ملحياً تحت الأرض على عمق آلاف الأقدام، موزعة على أربعة مواقع رئيسية على ساحل الخليج في ولايتي تكساس ولويزيانا.
وأوضح خبراء أن عمليات السحب المتكررة تزيد من احتمالات تشوّه سقوف الكهوف وتسارع انهيار الأملاح من أسقفها، إضافة إلى تآكل الأعمدة الملحية الفاصلة بين الكهوف المتجاورة، وهو ما يرفع المخاطر الجيولوجية المرتبطة بانهيار هيكلي محتمل.
وقد صُمم الاحتياطي أصلاً لتحمّل خمس عمليات سحب كاملة فقط، بينما نفّذ بالفعل عشرات العمليات الكبيرة والصغيرة على مدى الأربعين عاماً الماضية.
بنية تحتية متهالكة تثير القلق
وأفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" بأن عمليات السحب المتكررة، إلى جانب تقادم البنية التحتية وسنوات من نقص الاستثمار، فرضت ضغوطاً كبيرة على الاحتياطي النفطي الاستراتيجي.
وأوضحت الصحيفة أن أعطال المعدات وتضرر الآبار وتدهور الكهوف الملحية على ساحل الخليج قلّصت قدرة المنظومة على سحب النفط وتعويضه بالمعدل الذي صُممت من أجله أصلاً، ما أثار مخاوف بشأن مدى قدرة الإدارات المقبلة على الاعتماد على الاحتياطي بفعالية خلال أزمات طاقة كبرى مستقبلاً.
كما كشف تقرير لمكتب المساءلة الحكومية الأميركي (GAO) أن المنشأة تسحب النفط بنسبة 61% فقط من المعدل المفترض، وتستقبل النفط المعاد بمعدل لا يتجاوز 56% من الطاقة التصميمية.
وأشار التقرير إلى أن أكثر من 133 مليون برميل جرى إقراضها بدلاً من بيعها لشركات ملزمة بإعادة الكمية ذاتها مع علاوة سداد وصلت إلى 28%. ونقل التقرير عن مسؤولين في وزارة الطاقة قولهم إن شبكة الأنابيب والكهوف وخزانات التخزين باتت متماسكة بفضل "ضمادات" مؤقتة، مع عدم وضوح المدة التي ستصمد فيها.
وتنفّذ وزارة الطاقة حالياً خطة بقيمة 1.4 مليار دولار لإصلاح الاحتياطي، لكنها اضطرت لتقليص نطاق المشروع للبقاء ضمن حدود الميزانية المتاحة.
وقال ديفيد غولدوين (David Goldwyn)، أحد الخبراء الذين استشهد بهم التقرير، إن كل عملية سحب تسرّع من تدهور الآبار وبعض المعدات، مضيفاً أن الأمر أشبه بأي معدة تُستخدم بكثافة، إذ تحتاج إلى صيانة مستمرة.
ونفّذت وزارة الطاقة عملية السحب الأخيرة من دون أعطال كبرى في المعدات أو تسرّبات نفطية كبيرة، لكن ذلك تطلّب عمليات صيانة طارئة متزامنة مع استمرار السحب، شملت إصلاح مضخات مياه متسربة وأعطال في خطوط الأنابيب.
توسع في عمليات السحب
ويعود تأسيس الاحتياطي النفطي الاستراتيجي إلى عام 1975 بموجب قرار من الكونغرس عقب حظر النفط العربي عام 1973، وبدأ تعبئته عام 1977.
وبلغ الاحتياطي ذروته التاريخية عند 726.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في يناير/كانون الثاني 2010، بعدما وصل إلى كامل طاقته التخزينية المصرح بها في 27 ديسمبر/كانون الأول 2009. ويمثل المستوى الحالي تراجعاً بنسبة 58.9% عن تلك الذروة.
وأقدم الرئيس الأسبق جو بايدن (Joe Biden) في مطلع عام 2022 على أكبر عملية سحب في تاريخ الاحتياطي، بلغت 180 مليون برميل، استجابة لصدمات الأسعار التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية.
وجاءت عملية السحب الأخيرة البالغة 172 مليون برميل، المرتبطة بالحرب مع إيران، ضمن سلسلة سحوبات متتالية أدت إلى انخفاض إجمالي بلغ نحو 352 مليون برميل خلال أربع سنوات، في ظل أزمات متعاقبة في الشرق الأوسط وأوروبا.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي