فبينما يرى البعض أنها بوابة مستقبلية للتفاعل المباشر مع الذكاء الاصطناعي، تكشف الحوادث الأخيرة عن الوجه المظلم لهذه التقنية حين تتحول إلى أداة للتجسس وانتهاك الخصوصية.
هذا التناقض بين النمو السريع في المبيعات والمخاوف الحقوقية يضع المجتمع أمام سؤال جوهري: هل نحن بصدد ثورة تقنية ستعيد تشكيل علاقتنا بالأجهزة، أم أمام انحراف جديد يفرضه عمالقة التكنولوجيا قبل أن يستوعب العالم تبعاته؟
فقد أثارت نظارات الذكاء الاصطناعي التي تصنعها شركة ميتا الأميركية Meta جدلا واسعا في الأسابيع الأخيرة، بعد انتشار مقطع فيديو صُوّر خفية لشابة كانت تقف في متجر أميركي تابع لسلسلة تارغت بينما حاول أحد المتسوقين التعرف عليها من دون علمها، لتكتشف لاحقا أن اللحظة كاملة سُجلت عبر نظارات راي بان RayBan المزودة بكاميرا من إنتاج ميتا.
وتعرّفت المذيعة المتخصصة في ألعاب الفيديو إليس هيريرا Elyse Herrera، المعروفة باسم هيركوليس، على نفسها في مقطع فيديو نُشر على حسابها من دون علمها، بعد أن صادفت نفسها في أحد ما يوصف بمقاطع "الغزل" التي يتبادلها بعض الشبان عبر الإنترنت، وفق فيناشال تايمز.
وكتبت هيريرا عبر منصة إكس X معلقة إن مثل هذه النظارات "لا ينبغي أن توجد بأي نسخة"، ووصفت الواقعة بأنها مقلقة وتنتهك خصوصيتها بشكل صريح.
وأظهرت المعطيات المتاحة أن الحساب على إنستغرام الذي نشر الفيديو ضمن سلسلة مقاطع يطلق عليها مستخدموها اسم فيديوهات الغزل أصبح غير متاح حاليا، في إشارة إلى أن ميتا قد تكون أوقفته ضمن حملتها لحظر الحسابات التي تسيء استخدام النظارات لتصوير النساء خفية.
وسلطت الواقعة الضوء على معضلة أكبر تواجه شركات التكنولوجيا في مواجهة إساءة استخدام مستخدميها، حيث تحولت النظارات الذكية إلى أداة تجسس دقيقة يصعب رصدها، الأمر الذي دفع بعض الحانات والمحاكم البريطانية إلى حظر استخدامها داخل مبانيها.
وتنظر شركات كبرى مثل ميتا وغوغل Google وأوبن إيه آي OpenAI إلى النظارات الذكية، رغم موجة الانتقادات هذا الصيف، بوصفها بداية فقط، وسط رهان على أن تحل هذه الأجهزة محل الهاتف الذكي بوصفها البوابة الأساسية للتفاعل مع الذكاء الاصطناعي.
وتقوم الفكرة الجوهرية على أن تمكين المساعدات الافتراضية من الرؤية والسماع بشكل مباشر لما يفعله المستخدم سيجعل هذه الأنظمة أكثر ذكاء وقدرة على تعزيز الذاكرة وتنظيم الحياة اليومية، ويتوقع كثيرون في قطاع التكنولوجيا أن يصبح التحدث مع وكلاء الذكاء الاصطناعي عبر النظارات أثناء المشي في الشارع أمرا عاديا كالتحدث في سماعات الأذن اللاسلكية.
وقال نائب رئيس قسم الأجهزة القابلة للارتداء في ميتا، أليكس هايمل Alex Himel، إن الشركة "تعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيكون مصدر تمكين حقيقي للناس"، مضيفا أن مليارات الأشخاص يرتدون النظارات فعليا، وأن التحدث إلى الذكاء الاصطناعي عبرها أسهل من إخراج الهاتف وفتح أحد التطبيقات.
وترى رئيسة مؤسسة سيغنال Signal Foundation التي تطور تطبيق المراسلة الآمن الحامل نفس الاسم، ميريديث ويتاكر Meredith Whittaker، أن هذه النظارات تمثل انتهاكا جديدا يفرضه عمالقة التكنولوجيا للعقد الاجتماعي، ووصفتها بأنها "مطاردة مقززة"، وفق فينانشال تايمز.
وسجلت مبيعات النظارات الذكية نموا سريعا على الرغم من الجدل المستمر حول الخصوصية، حيث يقدر محللو مؤسسة كاونتربوينت ريسيرش Counterpoint Research أن يصل إنفاق المستهلكين على الأجهزة القابلة للارتداء إلى أكثر من تريليون دولار بين عامي 2026 و2032، مع توجه شركات التكنولوجيا نحو تزويد سماعات الأذن والقلادات الذكية بالكاميرات والمايكروفونات وميزات الذكاء الاصطناعي.
وتوقعت المؤسسة نفسها أن تحقق مبيعات النظارات الذكية وحدها نحو 44 مليار دولار بحلول عام 2032، في وقت تستعد شركات كبرى من غوغل وسامسونغ Samsung إلى أبل Apple لإطلاق نظاراتها الرقمية الخاصة.
وأوضح هايمل أن كل مرة يمد فيها المستخدم يده إلى جيبه أو حقيبته لإخراج الهاتف، فإنه يخرج نفسه من اللحظة التي يعيشها، مؤكدا أن الأجهزة القابلة للارتداء تكسب تفضيل المستخدمين لأنها ملازمة لهم دائما وسهلة الاستخدام.
وتمنح النظارات الذكية تطبيقات الذكاء الاصطناعي مثل جيميناي Gemini وسيري Siri وتشات جي بي تي ChatGPT ما كانت تفتقر إليه أثناء حبسها داخل الهاتف، وهو القدرة على الرؤية والسماع مباشرة، في حين تعمل ميتا على تطوير نظارات الاستشعار الفائق التي تسجل العالم المحيط بالمستخدم باستمرار، وهو ما زاد من مخاوف المدافعين عن الخصوصية من أن تتحول هذه النظارات إلى أداة أكثر تطفلا من مقاطع الغزل التي أثارت الجدل مؤخرا.
ويخشى بعض الخبراء أن تتحول هذه الأجهزة إلى وسيلة للتعرف الفوري على الوجوه، أو حتى أدوات مراقبة أوسع مدعومة بالذكاء الاصطناعي يجري توزيعها على ملايين المستخدمين.
ويرى أستاذ القانون في جامعة بوسطن، وودرو هارتزوغ Woodrow Hartzog، أن شركات التكنولوجيا تملك قدرة مذهلة على طرح أدواتها في السوق أسرع من قدرة المجتمع على استيعاب مخاطرها، مضيفا أن التطبيع يحدث غالبا قبل أن يتمكن المجتمع من ملاحقة التطور.
نظارات الانحراف؟
وحاولت مجموعة إيفريوان هيتس إيلون Everyone Hates Elon، التي استهدفت في السابق مؤسس شركة تسلا Tesla، إيلون ماسك، مواجهة تطبيع النظارات عبر إعلانات لوحات طرق محرّفة تحاكي إعلانات ميتا نفسها.
وحملت إحدى اللوحات وصفا للنظارات بأنها أكبر تطور في تقنية الانحراف منذ المعطف الطويل، بينما أظهرت لوحة أخرى صورة لمرتكب جرائم الاعتداء الجنسي الراحل جيفري إبستين Jeffrey Epstein وهو يرتدي نظارات ميتا راي بان، في إشارة انتقادية لغياب مبدأ الموافقة في استخدامها.
وأوضح أحد مؤسسي المجموعة، الذي رفض الكشف عن اسمه، أن حملتهم لن تملك يوما مالا يوازي ثروات أصحاب المليارات، لكنها ستظل أكثر طرافة وتأثيرا، مشيرا إلى أن معارضتهم للنظارات ترتبط بمخاوف مجتمعية أوسع من تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف والثقافة.
ولفت إلى أن انتشار الذكاء الاصطناعي أمر لا مفر منه، وأن المجموعة لا تدعو لرفض استخدامه، بل تدعو إلى استخدامه لتحقيق منفعة حقيقية للناس بدلا من استغلالهم أو الإساءة إليهم.
نمو المبيعات رغم الجدل
ولم تؤثر حملات الانتقاد بشكل كبير في مبيعات ما يوصف بنظارات المنحرفين، حيث تشير تقديرات المحللين إلى أن ميتا وشريكتها إيسيلور لوكسوتيكا EssilorLuxottica باعتا أكثر من 10 ملايين نظارة منذ إطلاق أول نسخة من نظارات راي بان المزودة بكاميرا في عام 2021، من بينها أكثر من 7 ملايين وحدة في العام الماضي وحده.
وأعلنت إيسيلور لوكسوتيكا الشهر الماضي أن عائدات النظارات المزودة بالذكاء الاصطناعي تضاعفت تقريبا على أساس سنوي خلال أحدث ربع مالي لها، في حين استعانت ميتا في يونيو/حزيران بالمؤثرة الشهيرة كايلي جينر Kylie Jenner لتصميم أحدث طرازاتها والترويج لها.
وأكدت إيسيلور لوكسوتيكا أن شراكتها مع ميتا ما تزال "قوية" على الرغم من المخاوف من أن يؤثر جدل الخصوصية على مبيعات نظاراتها التقليدية غير الذكية، مشيرة إلى أنها لم تلحظ أي تأثير فعلي على المبيعات حتى الآن، وأنها تأخذ مخاوف الخصوصية على محمل الجد منذ مرحلة التصميم الأولى، معتبرة أن أي تقنية ناشئة تحتاج فترة من التكيف.
وتبقى مبيعات النظارات الذكية محدودة مقارنة بالهواتف الذكية التي يتجاوز حجم مبيعاتها العالمية مليار هاتف سنويا، إلا أنها تمثل نقطة نمو لافتة في سوق الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية الذي تأثر بارتفاع التكاليف نتيجة توجيه مكونات التصنيع نحو مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
وتستحوذ ميتا على النصيب الأكبر من سوق النظارات الذكية بنسبة تقارب %85 من إجمالي المبيعات العالمية، بحسب المحلل في مؤسسة أومديا Omdia، جورج جيجياشفيلي George Jijiashvili.
وأشار جيجياشفيلي إلى أن معظم مستخدمي هذه الأجهزة حاليا يستخدمونها للاستماع إلى الموسيقى أو تصوير الصور دون استخدام اليدين أثناء ممارسة الرياضة أو رعاية الأطفال، أكثر من محادثة الذكاء الاصطناعي، متوقعا أن ترتفع مبيعات النظارات الذكية بسرعة من 15 مليون وحدة هذا العام إلى 45 مليون وحدة بحلول عام 2030.
ويرى جيجياشفيلي أن ميتا استفادت من شهرة علامة راي بان وجاذبيتها التي تعاني منها أي شركة تكنولوجيا غير أبل، إضافة إلى الشبكة التجارية الضخمة لشريكتها إيسيلور لوكسوتيكا التي منحت الأجهزة دفعة قوية لم تكن ميتا لتحققها بمفردها.
غوغل وأبل يدخلان المنافسة
ودفع نجاح ميتا شركات تكنولوجيا أخرى مثل غوغل وسناب شات إلى محاولة تكرار التجربة بعد سنوات من السعي الفاشل لتحويل نظارات الكاميرا إلى منتج رائج.
وفشلت غوغل قبل عقد من الزمن في تحقيق ذلك عبر نظارة غوغل غلاس Google Glass الأكثر تكلفة والأقل قدرة مقارنة بنظارات ميتا الحالية، في واحدة من أبرز الإخفاقات التي شهدتها الشركة العملاقة التي تتجاوز قيمتها 4 تريليونات دولار.
وأوضح هايمل أن نجاح نظارات ميتا يعود إلى سلسلة من التحسينات في التصميم وجودة الكاميرا والمكبرات الصوتية، إضافة إلى عامل الحظ المتمثل في أن الجيل الأول من النظارات أُطلق قبل عام واحد فقط من ظهور تطبيق تشات جي بي تي.
ويقول أحد المسؤولين التنفيذيين السابقين في ميتا، الذين شاركوا في تطوير المنتج، إن الرئيس التنفيذي مارك زوكربيرغ أدرك أن نجاح النظارات مرهون بمظهرها الجذاب، ولذلك توجه إلى إيسيلور لوكسوتيكا التي اشترطت ألا يزيد الوزن الناتج عن إضافة الإلكترونيات، رغم ضغوط مهندسي ميتا لحشو مزيد من التقنية داخل الإطار.
ويصف المسؤول التنفيذي الأمر بأنه "صراع بين مصممي الطراز الفرنسي الإيطالي ومهندسي وادي السيليكون"، مضيفا أن الطرف الأول انتصر في النهاية.
شراكات جديدة
ودفعت شعبية نظارات راي بان شركات تكنولوجيا أخرى للبحث عن شراكات مع علامات نظارات بارزة، كما يقول مؤسس شركة ديجيتال آي وير لابز Digital Eyewear Labs الناشئة، مايكل ميلر Michael Miller، الذي أشار إلى أن غوغل وسامسونغ تتعاونان مع علامتي واربي باركر Warby Parker وجينتل مونستر Gentle Monster في أول طرازاتهما من النظارات الذكية المقرر إطلاقها هذا العام.
ولفت ميلر إلى أن إحدى المعضلات التي لم تُحل بعد تتعلق بتنوع الأشكال والطرز التي يطلبها المستهلكون، مؤكدا أن عددا محدودا فقط من الأشخاص يمكن أن تناسبهم نظارات راي بان.
وتعمل أبل من جهتها على تصميم نظاراتها الذكية الخاصة التي قد تُطرح للبيع في وقت مبكر من العام المقبل، بحسب أشخاص مطلعين على المشروع، وسط تسريبات تشير إلى أنها تدرس أيضا وضع كاميرات داخل سماعات إير بودز AirPodsن وفق فينانشال تايمز.
وتفضل أبل، حرصا على سمعتها الراسخة في حماية الخصوصية، أن تسمح فقط لمساعدها الصوتي سيري بالوصول إلى كاميرات النظارات لدعم استجابات الذكاء الاصطناعي، دون السماح للمستخدمين بتصوير صور عادية بها.
وجاء تلميح آخر إلى خطط أبل في يناير/كانون الثاني الماضي عندما استحوذت على الشركة الناشئة الإسرائيلية Q.AI، التي تكشف براءات اختراعها عن تقنية تُستخدم في السماعات أو النظارات، تعتمد على رصد الحركات الدقيقة لجلد الوجه لتحديد ما يقوله المستخدم حتى دون خروج صوت من فمه، وهي تقنية قد تتيح للمستخدمين مخاطبة سيري بصوت خفيض في الأماكن العامة، كبديل أكثر خصوصية عن الحديث بصوت مرتفع مع تزايد عدد مستخدمي الذكاء الاصطناعي الذين يتحولون من الكتابة إلى الإدخال الصوتي.
نظارات لمطورين وأصحاب مهن
وأشار الرئيس التنفيذي لشركة إيفن ريالتيز Even Realities الصينية الناشئة، ويل وانغ Will Wang، التي تصنع نظارات ذكية بشاشة عرض بصرية صغيرة، إلى أن أجهزتها أصبحت رائجة بين مطوري البرمجيات الذين يستخدمونها للبرمجة دون الحاجة لليدين، قائلا إنه يمكن للمطور أن يضع أمامه واجهة برمجة ويتحدث إليها مباشرة دون أن يكون مقيدا بمكتبه.
ويستطيع المطورون التحدث إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي عبر هذه النظارات، بينما تكتب الوكلاء ردودها على الشاشة الصغيرة المدمجة في النظارة.
واستثمرت ميتا وأبل لأكثر من عقد في سماعات الواقع الافتراضي والمعزز الأكثر تطورا من حيث جودة العرض، والقادرة على فرض محتوى رقمي على ما يراه المستخدم، إلا أن التكلفة والعوائق التقنية تجعل هذه المنتجات، رغم بقائها على خارطة الطريق، بعيدة عن الوصول إلى السوق الواسع لعدة سنوات مقبلة.
ويقول الرئيس التنفيذي والمدير الإبداعي لشركة أتلانتيك برودكشنز Atlantic Productions، أنتوني غيفن Anthony Geffen، التي عملت مع عدة شركات تكنولوجيا كبرى على إنتاج محتوى لأجهزة الواقع الافتراضي والمعزز، إن النظارات ستكون "المنصة الكبرى المقبلة" بلا شك، لكنه يرى أن الوصول إلى هذه المرحلة يحتاج عامين أو ثلاثة أعوام أخرى.
من يدفع الفاتورة؟
وتحتاج ميتا إلى تحقيق عائدات كبيرة من نظاراتها لتمويل استثماراتها في الجيل المقبل من الأجهزة، إلا أن الجزء الأكبر من عائدات راي بان الحالية يذهب إلى شريكتها إيسيلور لوكسوتيكا بموجب اتفاق يمنح كل شركة العائدات المحققة عبر قنوات البيع الخاصة بها، وبما أن شبكة توزيع الشركة الإيطالية الفرنسية أكبر بكثير، فإنها تحصل على حصة الأسد من عائدات المبيعات.
ويعني ذلك أن ميتا مضطرة لإقناع مشتري نظارات راي بان بالاشتراك المدفوع في خدماتها المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وقد أعلنت الشركة أن بعض ميزات النظارات ستتطلب اشتراكا مدفوعا بعد تجاوز حد معين من الاستخدام المجاني، إلا أنها أوقفت خطة لفرض رسوم على ميزة تركيز المحادثة التي تعزز صوت المتحدثين في الأماكن الصاخبة، بعد موجة انتقادات من عملاء اعتبروا الخطوة فرضا لرسوم على ميزة كانت مجانية في السابق.
وبدأت ميتا أيضا في فتح النظارات لمطوري البرمجيات من جهات خارجية، سعيا لتكرار نموذج متجر التطبيقات الذي حوّلته أبل إلى مصدر أرباح ضخم.
ويرى هايمل أن الذكاء الاصطناعي سيصبح تدريجيا أكثر فائدة وتخصيصا واستقلالية، وأن أفضل مساعد افتراضي ليس الأكثر ذكاء بل الأكثر معرفة بمستخدمه، متوقعا أن يتزايد الاتجاه نحو دمج هذه القدرات في الأجهزة القابلة للارتداء.
التعرف على الوجوه
وتختبر ميتا حاليا نظارات الاستشعار الفائق التي تجمع الصوت وتلتقط صورا كل بضع ثوان بشكل مستمر، لتعمل كأداة مساعدة لتعزيز الذاكرة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، بحسب أشخاص مطلعين على الأمر.
وقد تُفعَّل هذه الميزة على النظارات الحالية عبر تحديث برمجي، دون إضاءة مؤشر التسجيل الذي يُطلع الآخرين حاليا على أن الجهاز يقوم بالتصوير، بحسب هؤلاء الأشخاص، في حين رفضت ميتا التعليق على ما وصفته بنماذج تجريبية داخلية.
وأثارت ميزة أخرى لم تُطرح بعد جدلا واسعا، تتعلق بإمكانية استخدام النظارات الذكية للتعرف على هوية الشخص الذي ينظر إليه المستخدم، بعد أن كشفت مجلة وايرد Wired في يونيو/حزيران عن أكواد برمجية لنظام تعرف على الوجوه كان مدمجا في منصة نظارات ميتا الذكية دون طرحه فعليا، وهو النظام الذي أزالته الشركة لاحقا.
وحذرت منظمات حقوقية من بينها الاتحاد الأميركي للحريات المدنية ACLU ومؤسسة الحدود الإلكترونية EFF من إمكانية استخدامها لتحديد هوية الضحايا ومطاردتهن أو توظيفها في أعمال المراقبة الشرطية.
ويرى هايمل أن ميزات من هذا النوع قد تكون مفيدة في سياقات محددة، كمساعدة الأشخاص المكفوفين على التعرف على أصدقائهم داخل المطعم.
ويضيف هايمل أنه يمكن التفكير لاحقا في سوء استخدام تقنيات مشابهة، مؤكدا أن الشركة تعمل بجهد على تحديد كيفية تقديم هذه التقنية للمجتمعات المستهدفة بشكل مفيد مع منع إساءة استخدامها في الوقت ذاته.
وحدّثت ميتا نظاراتها ضمن حملتها لمكافحة إساءة الاستخدام، لتعطيل الكاميرا في حال رصدت محاولة للتلاعب بمؤشر الإضاءة الذي يضيء عند تصوير نظارات راي بان.
ويشدد هايمل على أن قدرة أي جهاز قابل للارتداء أو هاتف أو حتى حاسوب محمول على التعرف على أي شخص في العالم ميزة لا يريدها أحد بحسب وصفه، وأن الشركة لا مصلحة لها في تقديم هذه الإمكانية.
بين الترقب والتردد
ويعتقد جيجياشفيلي، الذي يملك بنفسه زوجا من نظارات راي بان الذكية من ميتا، أن واقع هذه الأجهزة أقرب إلى كونها "غير عملية، مضيفا أنها تظل بطيئة وغير متسقة بما يكفي ليعود المستخدمون في النهاية إلى هواتفهم.
ولا يبدو أن جميع العاملين في قطاع التكنولوجيا مقتنعون بأن النظارات هي أفضل وسيلة للوصول إلى الذكاء الاصطناعي، فقد قال الرئيس التنفيذي لشركة الإلكترونيات الاستهلاكية البريطانية ناثينغ Nothing، كارل باي Carl Pei، إن النظارات الذكية الحالية تسجل معدلات إرجاع مرتفعة جدا ومعدلات احتفاظ منخفضة جدا، ولا يرى أن هذا الأمر سيتغير قريبا.
وتخلت شركة ناثينغ، المعروفة بتصنيع الهواتف الذكية وسماعات الرأس، عن مشروع كانت تطوره لصناعة نظارات ذكية خاصة بها، بحسب باي، مع استمرارها في العمل على أجهزة أخرى مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
ويوضح باي أن الشركة لم تتمكن من إيجاد عرض قيمة قوي فعلا للنظارات الذكية، معتبرا أن ميزات الذكاء الاصطناعي بها لا تكاد تُستخدم حاليا، لكن ذلك قد يتغير مع تطور قدرة الوكلاء الصوتيين، وإن كانت هذه المرحلة لم تُبلغ بعد.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي