فى مواجهة الصين.. أميركا ترفع شعار النصر لكنها تخشى المواجهة المباشرة

نشر
آخر تحديث
AFP

استمع للمقال
Play

 

تتصاعد الحرب التجارية بين أميركا والصين في مشهد يبدو أقرب إلى لعبة شد الحبل، حيث ترفع واشنطن شعار النصر بعد تراجع الواردات المباشرة من بكين بنسبة 40%، لكنها في الواقع تواجه تدفقاً مستمراً للسلع الصينية عبر دول وسيطة مثل المكسيك وفيتنام والهند.

وبينما تبتكر الإدارة الأميركية أدوات ذكاء اصطناعي لملاحقة الشحنات وإعادة توجيهها، يبقى السؤال الأهم: هل تملك واشنطن الجرأة لمواجهة أصل المشكلة المتمثل في ضعف اليوان الذي يمنح الصين فائضاً تجارياً ضخماً ويزيد من هيمنتها على الأسواق العالمية؟ 

أوقفت أميركا التصعيد في حربها التجارية مع الصين منذ أكتوبر الماضي بعد تهديد بكين بحرمانها من المعادن النادرة، لتكتفي الإدارة الأميركية بإعلان النصر رغم تراجع الواردات المباشرة من الصين بنسبة 40% حتى يونيو مقارنة بالفترة نفسها من 2024. 

 



 

تدفق السلع الصينية عبر دول وسيطة  

واعترفت البيت الأبيض الأسبوع الماضي بأن انخفاض الواردات المباشرة لا يعني توقف دخول المنتجات الصينية، إذ خلصت وزارة التجارة إلى أن ما قيمته 67 مليار دولار من السلع الصينية أعيد شحنها عبر المكسيك والهند وفيتنام عام 2025.

وأصدر البيت الأبيض تقريراً بعنوان "خدعة إعادة الشحن الكبرى" محذراً من أن مكونات مثل الألمنيوم والبلاستيك والصمامات تدخل عبر دول وسيطة لتقويض الوظائف في مدن أميركية صناعية.  

 



 

ذكاء اصطناعي لمراقبة الحدود  

وأطلقت الإدارة أداة ذكاء اصطناعي توصف بأنها "لا تنام ولا تتعب" لمراقبة بيانات الشحن وكشف السلع المعاد توجيهها ومعاقبة المخالفين.

لكن هذه الأداة لن تعيد الوظائف إلى مدن مثل توليدو أو فينيكس، إذ لم تنجح سياسات عشر سنوات في رفع التوظيف الصناعي.  

عجز السياسات 

ولم تؤد الرسوم الجمركية إلى خفض فاتورة الواردات الأميركية، بل ارتفعت مقارنة بعام 2024، فيما واصلت صادرات الصين النمو.

ويرى محللون أن الحل يكمن في معالجة العامل الأساسي وهو ضعف اليوان الذي يمنح بكين فائضاً تجارياً ضخماً.  

اليوان بين السياسة والاقتصاد  

ويؤكد اقتصاديون أن ضعف العملة يعكس اختلالات هيكلية مثل ضعف الاستهلاك المحلي في الصين وعجز الموازنة الأميركية الكبير.

لكن التدخل في سعر الصرف قد يفرض ضغوطاً على بكين لزيادة الإنفاق المحلي، ويحفز واشنطن على ضبط عجزها المالي.  


 


دروس من التاريخ  

ويشير خبراء مثل براد سيتسر Brad Setser من مجلس العلاقات الخارجية إلى أن اتفاق بلازا في الثمانينيات ساعد على تقليص العجز الأميركي مع اليابان، وأن ارتفاع اليوان بعد الأزمة المالية العالمية قلص الفائض الصيني، وفق شبكة CNBC.

أما تراجع العملة منذ 2023 فدعم فائضاً متزايداً.  

دعوات لتنسيق دولي  

ويدعو محللون إلى تنسيق أميركي أوروبي لإعادة تقييم اليوان والعملات الآسيوية الأخرى مثل الوون الكوري والدولار التايواني والين الياباني، لتخفيف الضغط التنافسي.

ويملك البيت الأبيض صلاحيات بموجب المادة 301 من قانون التجارة لفرض رسوم على الدول التي تتعمد خفض عملتها، فيما يمكن لأوروبا استخدام أدوات منظمة التجارة العالمية.  

اختبار الإرادة السياسية  

كما يرى جين فريدا Gene Frieda من كلية لندن للاقتصاد أن العقبة ليست في تصميم السياسات بل في تفضيلها، إذ تواصل الصين التدخل لخفض قيمة عملتها.

ويعتبر مراقبون أن واشنطن تفتقر إلى الجرأة لمواجهة بكين مباشرة بعد أزمة المعادن النادرة، لتكتفي بملاحقة دول أضعف مثل المكسيك وفيتنام.  

 



 

العلامات الأميركية في الصين

ولم تعد الصين السوق الذهبية التي اعتادت عليها العلامات الأميركية الكبرى.

فبعد سنوات من النمو السريع، بدأت شركات مثل نايكي Nike، ستاربكس Starbucks، وجنرال موتورز General Motors تفقد نفوذها هناك، نتيجة تزايد المنافسة المحلية، تصاعد التوترات الجيوسياسية، وعدم قدرة هذه العلامات على التكيف مع الثقافة الاستهلاكية الصينية.  

تراجع العلامات الأميركية  

نايكي فقدت 30% من أعمالها في الصين منذ 2021، لتسجل أدنى إيرادات لها في ثماني سنوات.

فشركة ستاربكس، التي دخلت السوق عام 1999، تواجه منافسة شرسة من "لوكين كوفي" Luckin Coffee الذي يملك ثلاثة أضعاف عدد فروعها ويبيع بأسعار أقل، وفق شبكة CNBC.

أما جنرال موتورز، فقد تحولت من أرباح سنوية قاربت 2 مليار دولار في 2018 إلى خسائر متتالية في 2024 و2025، مع صعود شركات محلية مثل BYD وGeely.  

وبات المستهلك الصيني أكثر ميلاً للمنتجات المحلية، مدفوعاً بالفخر الوطني وبقدرة الشركات الصينية على الابتكار السريع وإطلاق منتجات بأسعار أقل.

هذا التوجه أدى إلى إعادة تشكيل قطاعات مثل الملابس الرياضية، مستحضرات التجميل، والسيارات.  

 



 

ميادين المنافسة

وتبدو المنافسة الصينية‑الأميركية اليوم وكأنها انتقلت من ساحات السياسة إلى قلب الأسواق الاستهلاكية. فبينما كانت العلامات الأميركية الكبرى تراهن على الصين كسوق نمو لا ينضب، وجدت نفسها أمام واقع جديد تفرضه شركات محلية أكثر سرعة في الابتكار وأقرب إلى المستهلك الصيني.

هذا التحول يعكس بوضوح أن المواجهة بين واشنطن وبكين لم تعد مجرد حرب رسوم جمركية أو خلافات دبلوماسية، بل أصبحت معركة على العقول والذوق الاستهلاكي، حيث يختبر كل طرف قدرته على فرض نفوذه الاقتصادي في أكبر سوق استهلاكي في العالم.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة