تواجه أوروبا صعوبة في إعادة ملء مخزونات الغاز الطبيعي قبل حلول الشتاء، ما يزيد مخاطر ارتفاع الأسعار إلى أكثر من 100 يورو لكل ميغاواط/ساعة للمرة الأولى منذ أزمة الطاقة التي شهدتها القارة قبل أربعة أعوام، مع اشتداد المنافسة مع آسيا على إمدادات الغاز الطبيعي المسال.
وارتفعت العقود الآجلة للغاز الهولندي «TTF»، المؤشر المرجعي للسوق الأوروبية، إلى أكثر من 68 يورو لكل ميغاواط/ساعة يوم الثلاثاء، مسجلة أعلى مستوياتها منذ أوائل عام 2023، قبل أن تتراجع قليلاً.
وقال تانكريد فولوب، كبير محللي الأسهم لدى مورنينغستار، لـCNBC، إن الشتاء البارد، بالتزامن مع استمرار قيود الإمدادات، قد يدفع أسعار الغاز إلى نطاق يتراوح بين 90 و120 يورو لكل ميغاواط/ساعة.
وفي مذكرة نُشرت الأحد، قال محللو غولدمان ساكس إنه إذا عادت صادرات الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط «إلى مستوياتها الطبيعية تدريجياً فقط حتى عام 2027»، فقد تحتاج أسعار العقود الآجلة للغاز إلى تجاوز 100 يورو لكل ميغاواط/ساعة لخفض الطلب الآسيوي بما يكفي لتمكين أوروبا من الحفاظ على مستويات مخزوناتها خلال الشتاء.
وتكمن المشكلة الرئيسية بالنسبة إلى أوروبا في أن مخزونات الغاز لديها تسجل حالياً مستويات منخفضة تاريخياً.
وأدت اضطرابات حركة الشحن عبر مضيق هرمز إلى خفض صادرات الغاز الطبيعي المسال بشدة من كبار المنتجين في الخليج، مثل قطر، خلال موسم إعادة ملء مخزونات الغاز الأوروبية.
وفي الوقت نفسه، أدى الصيف شديد الحرارة في أوروبا إلى زيادة الطلب على أجهزة التكييف وغيرها من الأجهزة كثيفة استهلاك الطاقة، في وقت يتراجع فيه الطلب على الغاز، المستخدم على نطاق واسع في التدفئة والطهي في القارة. ويمثل الغاز نحو سدس إنتاج الكهرباء في الاتحاد الأوروبي.
كما أثرت الظروف الجوية في مصادر الطاقة البديلة، إذ أدت درجات الحرارة المرتفعة إلى انخفاض إنتاج الطاقة النووية، مع اضطرار محطات كهرباء إلى التوقف أو خفض إنتاجها في أنحاء المنطقة، بينما ظل إنتاج طاقة الرياح ضعيفاً خلال الصيف.
وبلغت نسبة امتلاء مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي نحو 63%، وفقاً لبيانات مؤسسة «غاز إنفراستركتشر يوروب»، وهو أحد أدنى المستويات المسجلة لهذا الوقت من العام، وأقل بنحو 18 نقطة مئوية من متوسط السنوات الخمس الماضية.
وقال مات درينكووتر، رئيس قطاع الغاز الأوروبي لدى «إنرجي أسبكتس»، إن أوروبا تتجه حالياً إلى دخول الشتاء باحتياطي تخزين غير كافٍ لمواجهة موجات البرد في نهاية الموسم، خصوصاً أن قدرة سحب الغاز من المخزونات خلال أيام ذروة الطلب تتراجع كلما انخفضت مستويات التخزين.
وأشار إلى أن احتمال قوة ظاهرة «إل نينيو» قد يؤدي إلى شتاء معتدل في شرق آسيا خلال بدايته، ما يخفض الطلب على الغاز، لكنه قد يزيد في الوقت نفسه خطر أن يكون الطقس أكثر برودة من المعتاد في نهاية الشتاء.
وتظل عودة كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط قبل الشتاء عاملاً حاسماً في تحديد مسار السوق الأوروبية.
وتراجعت أسعار العقود الآجلة للنفط والغاز أمس الأربعاء وسط توقعات بإبرام إيران وعمان اتفاقاً يضمن العبور الآمن عبر مضيق هرمز.
وقال درينكووتر إن التعافي الملحوظ لصادرات الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط سيعني أن أوروبا، رغم دخولها الشتاء بمخزونات «منخفضة بشكل مقلق»، قد تتمكن من الاحتفاظ بجزء أكبر من مخزوناتها لمواجهة ذروة الطلب خلال موجات البرد في يناير كانون الثاني وفبراير شباط.
لكن المشهد لا يزال غير واضح في ظل التوترات الجيوسياسية المتقلبة المحيطة بهذا الممر التجاري الحيوي.
وحذر درينكووتر من أنه إذا لم تعد تدفقات الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط إلى مستويات مرتفعة قبل الشتاء، فستواجه أوروبا أسعار غاز مرتفعة للغاية وفواتير طاقة أعلى للمستهلكين، فضلاً عن احتمال فرض قيود على استهلاك الغاز في القطاع الصناعي في أسوأ السيناريوهات.
وستظل المنافسة مع آسيا على شحنات الغاز الطبيعي المسال قوية، في ظل محدودية نمو الإمدادات العالمية خلال الأشهر الـ12 المقبلة. ومن غير المتوقع أن تصل مشروعات جديدة في قطر إلى طاقتها الكاملة قبل النصف الثاني من عام 2027، وفقاً لشركة وود ماكنزي للاستشارات.
ووصفت الشركة وضع أوروبا بأنه «يقترب من منطقة أزمة الطاقة»، في ظل محدودية البدائل المتاحة لتلبية احتياجاتها من الغاز على المدى القريب، بالتزامن مع اقتراب موعد حظر جميع واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي في بداية عام 2027.
وقال فولوب إن أوروبا لا تزال تتمتع حالياً بميزة طفيفة على آسيا في جذب شحنات الغاز الطبيعي المسال المرنة من الولايات المتحدة، بعد احتساب تكاليف الشحن الأعلى لإرسال تلك الإمدادات إلى آسيا.
لكن أوروبا ستحتاج إلى كميات أكبر بكثير من الغاز الطبيعي المسال الأمريكي إذا استمرت القيود على الإمدادات الأخرى.
وقدّرت مورنينغستار أن أوروبا ستحتاج إلى نحو 64 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال الأمريكي، بما يعادل نحو 77% من إجمالي صادرات الولايات المتحدة.
وقال فولوب إن جذب هذه الحصة المرتفعة بصورة استثنائية سيتطلب من أوروبا تقديم عائد صافٍ أعلى بكثير من آسيا، مشيراً إلى أن ارتفاع الأسعار إلى المستويات القصوى سيبدأ أيضاً في تحقيق توازن بالسوق من خلال خفض الطلب الصناعي والتحول إلى أنواع وقود أخرى.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي