شهدت أسعار الذرة والقمح ارتفاعاً حاداً لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من ثلاث سنوات، إلا أن العوامل المحركة لهذه الارتفاعات الأخيرة في كلا المحصولين تختلف بشكل ملحوظ.
أغلقت العقود الآجلة للقمح مرتفعة بنسبة 3.1% عند 784 سنتاً للبوشل يوم الجمعة، وذلك بعد أن سجلت أعلى مستوى لها عند 790.25 سنتاً، وهو المستوى الأعلى منذ 14 فبراير 2023 حين بلغ السعر 797.5 سنتاً.
وقد قفزت أسعار القمح بنسبة 12.1% خلال الأسبوع، مسجلة أكبر مكسب أسبوعي لها منذ مارس 2022. وبشكل عام، ارتفعت العقود الآجلة للقمح بأكثر من 54.5% منذ بداية العام، وذلك في ظل تصاعد التوترات بين روسيا وأوكرانيا في منطقة البحر الأسود.
وفي المقابل، أغلقت العقود الآجلة للذرة مرتفعة بنسبة 0.6% عند 536.5 سنتاً للبوشل يوم الجمعة، بعد أن لامست مستوى 541.25 سنتاً، وهو أعلى مستوى لها منذ 28 يوليو 2023.

وحققت الذرة مكاسب أسبوعية بنسبة 5.5% وارتفعت بنسبة 15.6% خلال شهر أغسطس، لتسير بذلك نحو تحقيق أفضل أداء شهري لها منذ أبريل 2021 حين ارتفعت بنسبة 19.31%. وقد سجل العقد ارتفاعاً بنسبة 21.8% منذ بداية العام مدفوعاً بتوقعات تقلص الإمدادات الأميركية وقوة الطلب، فضلاً عن الضغوط التي تفرضها محدودية الصادرات الأوكرانية على الإمدادات العالمية.
ويُعزى الارتفاع الأخير في أسعار الذرة بشكل رئيسي إلى تزايد المخاوف بشأن حجم المحصول الأمريكي وتوقعات الإنتاج الضعيفة، في حين تواصل الاضطرابات في الصادرات الأوكرانية فرض ضغوط إضافية على الإمدادات العالمية.
وفي هذا الصدد، قال ويليام أوسناتو، مدير أبحاث وتحليل بيانات السلع في شركة بارتشارت Barchart: "منذ بداية شهر أغسطس وحتى الآن، يسود إجماع في السوق على أن حجم الإمدادات أقل مما كان متوقعاً في بداية الشهر".
ويشير أوسناتو إلى عدة أسباب لذلك؛ فقد خفّض تقرير صادر عن وزارة الزراعة الأميركية USDA، وتحديداً تقرير تقديرات العرض والطلب الزراعي العالمي (WASDE) لشهر أغسطس، تقديرات إنتاجية الذرة بأكثر مما توقعه المتداولون، وذلك على الرغم من توقعات بأن يكون هذا المحصول هو ثاني أكبر محصول مسجل تاريخياً. وقد خفضت الوكالة توقعاتها للإنتاجية بمقدار 2.3 بوشل لكل فدان لتصل إلى 180.7 بوشل.
وذكرت وكالة رويترز أن الهجمات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا في منطقة البحر الأسود قد عطلت شحنات الحبوب و"أوقفت تقريباً جميع شحنات الحبوب عبر موانئ البحر الأسود وبحر آزوف، التي كانت تمثل سابقاً 70% من إجمالي صادرات الحبوب الروسية".
وكانت ارتفعت أسعار الذرة نتيجة لسوء الأحوال الجوية الصيفية في الولايات المتحدة، في حين صعدت أسعار فول الصويا جزئياً بسبب تزايد الطلب الصيني.
صرح جيم ماكورميك، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي للعمليات في شركة AgMarket.Net، لقناة CNBC بأن المخاوف المتعلقة بالمحصول الأميركي قد اكتسبت أهمية متزايدة نظراً لأن الإمدادات العالمية كانت تعاني بالفعل من شحٍّ في المعروض.
وقال: "كنا نعتقد أن الإمدادات الأميركية ستنقذ الموقف العالمي، لكن موثوقية هذه الإمدادات باتت الآن محل شك، وبدأ السوق يتجه نحو مرحلة تقتضي ترشيد الاستهلاك".
وفي حين أنها لا تضاهي أهمية المحصول الأميركي ذاته، أشار أوسناتو إلى أن عوامل أخرى - مثل درجات الحرارة المرتفعة للغاية وموجات الجفاف التي شهدتها أوروبا طوال فصل الصيف - قد أثرت بشكل كبير على إنتاج الذرة هناك. كما أدى الطلب القوي على الصادرات من جانب أوروبا إلى زيادة الضغط على الإمدادات المحدودة أصلاً.
وفي تقريرها، رفعت وزارة الزراعة الأميركية تقديرات الصادرات بمقدار 75 مليون بوشل لتصل إلى 3.3 مليار بوشل، مما يعكس تزايد الطلب العالمي ومحدودية صادرات أوكرانيا، التي تُعد مصدراً رئيسياً للذرة على مستوى العالم. ومع ذلك، أوضح أوسناتو أن هذا التأثير أقل حدة بالنسبة للذرة مقارنة بالقمح، مشيراً إلى أن السوق قد استوعب بالفعل أثر بعض الاضطرابات في صادرات الذرة الأوكرانية ضمن الأسعار الحالية.
وأضاف ماكورميك أن محصول الذرة الأوروبي المتضرر من الجفاف قد يفرض ضغوطاً إضافية على سوق القمح أيضاً؛ إذ إن نقص المعروض من الذرة قد يدفع المنطقة إلى استخدام كميات أكبر من القمح كأعلاف للحيوانات، والاحتفاظ بجزء أكبر من إنتاجها المحلي من القمح بدلاً من تصديره.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي