قانونية الصفقة لا تحمي البنك.. التكلفة الخفية لمخاطر السمعة

نشر
آخر تحديث
جيه بي مورغان - AFP

استمع للمقال
Play

دور «جيه بي مورغان تشيس» في خطة تجارية مثيرة للجدل تخص الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» لم يكن مخالفاً للقانون، لكنه وضع أكبر بنك أميركي مجدداً أمام سؤال يصعب على المؤسسات المالية الإجابة عنه، وهو هل تكفي سلامة الصفقة قانونياً ومالياً لقبولها، أم ينبغي للبنك توقع الطريقة التي سيفسرها بها الجمهور؟

تكمن المعضلة في أن التحقق من الحقائق يختلف جذرياً عن قياس رد الفعل المحتمل عليها؛ فالمخاطر الائتمانية يمكن نمذجتها عبر احتمالات التعثر والخسارة، بينما لا توجد معادلة موثوقة تتنبأ بالغضب الشعبي أو التدخل السياسي أو الضرر الذي قد يلحق بعلامة البنك التجارية، وفق فايننشال تايمز.

صفقة «فيفا» تشعل الجدل

اقترح رئيس «فيفا» جياني إنفانتينو تأسيس شركة تابعة باسم «فيفا فوروارد إنتربرايز»، تتولى العمليات التجارية وتنظيم البطولات، على أن يبيع الاتحاد حصة غير مسيطرة تصل إلى 20% لمستثمرين بقيادة شركة «ثرايف إيترنال» (Thrive Eternal)، المرتبطة بالملياردير جوشوا كوشنر.

كانت الخطة ستجمع ما يصل إلى 4.2 مليار دولار، استناداً إلى تقييم قدره 20 مليار دولار، فيما تولى «جيه بي مورغان» تقديم المشورة لجذب المستثمرين، لكن المعارضة الواسعة دفعت «فيفا» إلى سحب المشروع سريعاً.

 



 

واعتبر الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا» اأن الخطة تفرّط في أحد أهم أصول اللعبة، وطالب بتحقيق مستقل، قبل أن يلجأ إلى محكمة أميركية للحصول على وثائق تمهيداً لشكوى جنائية محتملة في سويسرا ضد إنفانتينو، وفق رويترز.

ويرى «يويفا» أن المشروع أُعد من دون المرور بإجراءات الحوكمة اللازمة، وهي ادعاءات لم يصدر حكم قضائي بشأنها حتى الآن، وفق رويترز.

أما وول ستريت جورنال، فقالت إن «جيه بي مورغان» واجه انتقادات بسبب دوره في تقييم المشروع، في وقت هددت فيه اتحادات أوروبية بمقاطعة مسابقات «فيفا». وهكذا تحولت مهمة استشارية قابلة للدفاع عنها مالياً إلى عبء سمعة قبل تنفيذ الصفقة أصلاً.

لجان قوية.. وأدوات قياس محدودة

منذ الأزمة المالية العالمية، شددت البنوك الكبرى مراجعات مخاطر السمعة، بعدما أثبتت الأزمة أن الصفقة قد تكون موثقة وقانونية، لكنها تظل قادرة على إثارة دعاوى قضائية أو ردود سياسية وعقوبات تنظيمية وخسائر تجارية.

ولهذا شكّلت المؤسسات لجاناً إقليمية وعالمية تضم رؤساء الخدمات المصرفية والأسواق، وكبار مسؤولي الشؤون القانونية والامتثال والاتصالات وأعضاء الإدارة التنفيذية.

وتفحص هذه اللجان الصفقات المرتبطة بادعاءات الفساد وغسل الأموال والعمل القسري وانتهاكات حقوق الإنسان والتحايل على العقوبات والأضرار البيئية.

تميل هذه الهياكل بطبيعتها إلى التحفظ. فالموافقة على صفقة مثيرة للجدل لا تمنح عضو اللجنة مكافأة واضحة، بينما قد تلاحقه المسؤولية إذا تحولت لاحقاً إلى أزمة، كما أن معالجة الأخبار السلبية تستنزف وقت الإدارة وتستدعي إنفاقاً قانونياً واتصالياً قد يتجاوز إيرادات التفويض نفسه.

لكن اللجنة لا تستطيع العمل بمعزل عن السياسة الداخلية للبنك. فتمرير صفقة حساسة يتطلب عادة أن يتبناها مسؤول تنفيذي كبير، وأن يتواصل فريق الصفقة مسبقاً مع أصحاب القرار، بدلاً من الاعتماد على مذكرة قانونية تُعرض داخل الاجتماع.

الاسم المصرفي ليس خدمة محايدة

سبق أن واجه «جيه بي مورغان» مأزقاً مماثلاً عام 2021 عندما موّل مشروع الدوري الأوروبي الممتاز. انهار المشروع خلال أيام تحت ضغط الجماهير والحكومات، وأقر البنك لاحقاً بأنه أساء تقدير نظرة المشجعين إلى الصفقة.

ووثقت «ذا غارديان» احتجاجات واسعة ضد الأندية المشاركة، بينها تجمع آلاف من مشجعي أرسنال للمطالبة برحيل مالكي النادي.

تُظهر التجربتان أن البنك الاستثماري لا يعمل وسيطاً محايداً تماماً، فعندما يظهر اسمه في إعلان صفقة، يمنحها قدراً من الشرعية والمصداقية المؤسسية؛ وهذه تحديداً إحدى الخدمات التي يدفع العميل مقابلها.

وبحسب خبراء أسواق المال فأن المشكلة أن البنوك قد تنجح في تحديد المخاطر الكامنة في الوقائع، لكنها تفشل في فهم الرموز المحيطة بها؛ فالحقوق التجارية لكأس العالم ليست مجرد تدفقات نقدية، بل ترتبط لدى الجمهور بالهوية والملكية الجماعية للعبة. وبينما تستطيع النماذج تقدير قيمة البث والتذاكر، لا يمكنها بسهولة تسعير شعور المشجعين بأن أصلاً عاماً يجري بيعه.

وتبقى مخاطر السمعة عصية على الإدارة الكاملة: فقد يمتلك البنك جميع المعلومات الصحيحة، ويطبق كل إجراءات الموافقة، ثم يكتشف بعد اندلاع الأزمة أن الخطأ لم يكن في الحقائق، بل في تفسير ما تعنيه للجمهور.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة