مقال رأي | الخليج.. بين نعمة الجيولوجيا و لعنة الجغرافيا

نشر
آخر تحديث

استمع للمقال
Play

معمر عواد

 

مدير مكتب CNBC عربية في الدوحة

من الصعب فهم التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي شهدتها دول الخليج خلال العقود الماضية، من دون التوقف عند عاملين رئيسيين حكما مسيرتها أكثر من غيرهما : جيولوجيا سخيّة وضعت تحت أراضيها وبحارها واحداً من أكبر مخزونات النفط والغاز في العالم، وجغرافيا حسّاسة وضعتها في قلب طرق الطاقة والتجارة والصراعات الدولية.

كانت الجيولوجيا مصدر الثروة الرئيسية التي بنت المدن والطرق والمطارات والموانئ والصناعات، ورفعت مستويات الدخل والمعيشة، ومكّنت دول الخليج من بناء احتياطيات وصناديق سيادية تتجاوز أصولها مجتمعة 5 تريليونات دولار، ما يمثل 30% من اجمالي قيمة الصناديق السيادية العالمية .

تملك دول الخليج مجتمعة احتياطيات هائلة من النفط والغاز؛ فالسعودية والإمارات والكويت وقطر تقع جميعها فوق أو قرب أحد أكبر الأحواض الهيدروكربونية في العالم، فيما جعلت احتياطيات قطر الغازية من حقل الشمال القطري، الممتد جيولوجياً إلى حقل جنوب فارس الإيراني، البلاد واحدة من أكبر مصدري الغاز المسال عالمياً، وبحصة تصل إلى نحو 21% من اجمالي صادرات العالم من الغاز الطبيعي المسال . 

ولم تتوقف نعمة الجيولوجيا عند استخراج النفط والغاز. فقد تحولت الموارد إلى مصافٍ وبتروكيماويات وأسمدة وألمنيوم وصلب وموانئ وشركات طيران ومؤسسات مالية واستثمارات عالمية. وأصبح النفط والغاز، بصورة مباشرة وغير مباشرة، أساساً لنموذج اقتصادي كامل انعكس على دخل المواطن، والخدمات العامة، والبنية التحتية، ومستوى المعيشة.

المشكلة أن كل هذه الثروة تقع في منطقة جغرافية شديدة الحساسية ، يقع في قلبها مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية، أي أكثر من ربع تجارة النفط البحرية العالمية. كما تمر عبره أكثر من 110 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال ،ما يمثل نحو 20% من تجارة الغاز المسال العالمية، معظمها من قطر.

لقد سمح فائض الغاز لقطر ببناء قوة مالية وإعلامية ورياضية ودبلوماسية كبيرة ، فتحولت الدوحة من دولة صغيرة إلى وسيط دولي حاضر في أزمات وملفات تتجاوز حدود الخليج. وفي السعودية والإمارات، اتخذ المسار شكلاً أكثر اتساعاً، عبر الاستثمار في السياحة والرياضة والتكنولوجيا والموانئ والطيران والمشاريع العملاقة، في محاولة لبناء نفوذ اقتصادي وسياسي لا يعتمد على النفط وحده.
غير أن تصاعد القوة الخليجية لم يكن كافياً لإنهاء لعنة الجغرافيا. يمكن شراء السلاح ، والأندية  الرياضية، والموانئ، والشركات، والعقارات، وحتى النفوذ السياسي ؛ لكن لا يمكن شراء مضيق هرمز ونقله إلى مكان أكثر أمناً.

لقد أظهر النزاع الإقليمي أن الخليج يتحمل جزءاً من مسؤولية استمرار تلك " اللعنة" . فقد امتلك خلال العقود الماضية من المال و السلاح و الأدوات والخيارات ما كان يمكن أن يُستخدم بصورة أكبر لتقليل حساسيته الجغرافية، لكنه لم يفعل بما فيه الكفاية. 

الخليج يستطيع إنتاج الطاقة، لكنه لا يستطيع نقلها بمعزل عن الجغرافيا. وهنا تكمن المفارقة. إيران تقع على الضفة الأخرى من المضيق، والصراعات الإقليمية، من إسرائيل إلى اليمن، تجعل أمن طرق التصدير جزءاً من الحساب الاقتصادي الخليجي. أما الولايات المتحدة، القوة الأمنية الأكبر في المنطقة، فترتبط بالخليج بشبكة من المصالح الأمنية والطاقة والتجارة والاستثمار، فيما أصبحت هي نفسها لاعباً رئيسياً في سوق النفط والغاز العالمي يزحم الخليج ذاته.


اقرأ أيضاً:


علينا الاعتراف بأن دول الخليج لم تتمكن من الخلاص من لعنة الجغرافيا بقدر نجاحها في الاستفادة من نعمة الجيولوجيا. بنت خطوط أنابيب وموانئ، ووسعت أساطيلها، ونوّعت اقتصاداتها واستثماراتها، لكنها لم تستطع تغيير حقيقة أن جزءاً كبيراً من ثروتها يمر عبر ممرات بحرية لا يمكن نقلها إلى مكان آخر.

وهنا تحديداً، تبدو مسؤولية الخليج أكبر. فامتلاك الثروة لم يكن المشكلة يوماً، بل ماذا فعل الخليج بهذه الثروة لتحصين نفسه من المخاطر التي تفرضها جغرافيته؟

لقد امتلك المال لبناء بدائل، وامتلك القدرة على الاستثمار في الموانئ وخطوط الأنابيب والأساطيل، وامتلك الأدوات الدبلوماسية لبناء ترتيبات أمنية واقتصادية إقليمية، كما امتلك، بفعل موقعه في سوق الطاقة، أوراقاً لا تملكها كثير من الدول. ومع ذلك، بقيت هشاشته أمام أي اضطراب في هرمز أو في محيطه الإقليمي أكبر مما يفترض أن تكون عليه دول راكمت كل هذه الثروة.

ونحن على أعتاب نهاية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، يظهر السؤال المخيف: كم بقي من النفط والغاز الخليجي؟و هل يستطيع الخليج تحويل الثروة التي صنعتها الجيولوجيا إلى اقتصاد قادر على تحييد مخاطر الجغرافيا؟ وهل يكفي التنويع الاقتصادي لتقليل الاعتماد على الطاقة، أم أن الجغرافيا ستظل قادرة على إعادة تعريف المخاطر، مهما كبرت الصناديق السيادية؟

ولعل السؤال الأهم : هل تستطيع دول الخليج تحويل قوتها المالية والدبلوماسية إلى قوة استراتيجية جماعية؟ وهل يمكنها الانتقال من منطقة تقع في قلب صراعات الآخرين إلى قوة قادرة على التأثير في قواعد اللعبة نفسها؟ و هل ستكون ثروة الخليج المستقبلية في باطن الأرض، أم في رأس المال الذي راكمه، أم في قدرته على تحويل موقعه الجغرافي من عبء استراتيجي إلى ميزة اقتصادية؟  


*المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها.. وللإطلاع على مزيد من المقالات يمكنكم زيادة قسم "مقالات الرأي"

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة