جورجيا ميلوني تقود أطول حكومة في إيطاليا.. والمطلوب إصلاحات لدعم اقتصاد البلاد المتعثر

نشر
آخر تحديث
جورجيا ميلوني/ AFP

استمع للمقال
Play

أصبحت حكومة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، يوم الجمعة، الأطول بقاءً في السلطة في البلاد منذ الحرب العالمية الثانية.

وقد تفاعلت أسواق السندات إيجابياً مع هذه الفترة من الاستقرار السياسي، التي شهدت انخفاضاً حاداً في العجز الحكومي. غير أن قادة سابقين في البلاد صرحوا لشبكة CNBC بأن إيطاليا لا تزال بحاجة إلى إصلاحات لتعزيز اقتصادها الراكد.

عزز الاستقرار السياسي الأكبر في ظل حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني من جاذبية إيطاليا لدى المستثمرين الدوليين، إلا أن هناك آراء ترى أن هناك حاجة لبذل المزيد من الجهود.



وفي تصريحات لشبكة CNBC أكد اثنان من رؤساء الوزراء الإيطاليين السابقين على ضرورة إجراء إصلاحات لدعم اقتصاد البلاد المتعثر.

وكانت حكومة الائتلاف بقيادة ميلوني، التي تولت مهامها في أكتوبر 2022، قد نظمت مساء الجمعة تجمعاً في مدينة باري الساحلية؛ احتفاءً بكونها الحكومة الأطول بقاءً في السلطة في إيطاليا منذ الحرب العالمية الثانية.

وأمضى الائتلاف اليميني الثلاثي بقيادة ميلوني 1413 يوماً في الحكم، متقدماً بيوم واحد على الحكومة الثانية لسيلفيو برلوسكوني في مطلع الألفية، ومقترباً من إكمال أربعة أعوام منذ توليه السلطة في تشرين الأول/ أكتوبر 2022.

وقالت ميلوني في تصريح لها يوم الجمعة: "لقد عملنا خلال هذه السنوات على زيادة معدلات التوظيف وخفض البطالة، ودعم الأسر والشركات، وتعزيز الأمن، وإدارة المالية العامة بجدية، واستعادة ثقل إيطاليا ومصداقيتها على الساحة الدولية".

تباطؤ الاقتصاد الإيطالي

يُعد هذا الإنجاز لافتاً بشكل خاص في بلد طالما ارتبط اسمه بعدم الاستقرار السياسي — وهي مشكلة تفاقمت جراء أزمة الديون السيادية في منطقة اليورو بين عامي 2010 و2012 — حيث تعاقبت 68 حكومة على السلطة خلال أكثر من 80 عاماً.

وفي حديثها مع كارولين روث من شبكة CNBC، قال باولو جينتيلوني، الذي شغل منصب رئيس وزراء إيطاليا في الفترة من ديسمبر 2016 إلى يونيو 2018: "لقد أصبحت التغييرات الحكومية المتكررة أمراً معتاداً في دول أخرى، بينما أصبح الاستقرار هو السائد في إيطاليا. إنه أمر مدهش".

وأضاف: "في الوقت نفسه، [يُحسب لميلوني] تبني نهج يتسم بالحذر فيما يتعلق بالمالية العامة، مما أدى إلى خفض فارق العائد على السندات. لكن هذا كل شيء؛ فالبقاء في السلطة لفترة طويلة ليس كافياً بحد ذاته للحكومة".

وأشار جينتيلوني إلى أن إيطاليا شهدت "تعافياً قوياً للغاية" عقب الجائحة، إلا أن وتيرة هذا التعافي تباطأت خلال العامين أو الثلاثة أعوام الماضية.

نما الاقتصاد الإيطالي بنسبة 0.5% خلال عام 2025، وهي نسبة تقل عن متوسط ​​منطقة اليورو البالغ 1.5% وتُعد واحدة من أبطأ معدلات النمو داخل التكتل. ورغم أن معدل التوظيف في إيطاليا لا يزال قوياً، إلا أن معدل البطالة بين الشباب بلغ 18.9% في شهر يوليو، متجاوزاً بذلك متوسط ​​منطقة اليورو البالغ 14.9%.

وقال جينتيلوني: "هذا يُعد فشلاً بالطبع. ففي العامين أو الثلاثة أعوام الماضية، نلاحظ تراجعاً في القدرة الشرائية للأسر، وهذا سبب يدعو الحكومة لعدم الشعور بالرضا التام كما كانت تبدو عليه".

السلطة تُخفّف من حدة المواقف المتطرفة

رئيس وزراء إيطاليا في الفترة من 2011 إلى 2013، ماريو مونتي، صرح لقناة CNBC بأن ميلوني حافظت على مسارها لأنها «سياسية ذكية للغاية»، ولأنها «لم تقم بالكثير».

وقال مونتي، الذي يشغل حالياً منصب رئيس معهد جافوت بوكوني: «لقد تجنبت بحذر تلك المواجهات مع قطاعات من المجتمع -التي كان من شأنها تحديث الاقتصاد عبر تعزيز المنافسة والقدرة التنافسية- لأنها كانت ستكلفها خسارة الإجماع السياسي».

قال مونتي إن إيطاليا بحاجة إلى إصلاحات هيكلية، تشمل التصدي للتهرب الضريبي، والتطبيق الكامل لقوانين المنافسة، والتحلي بالاستعداد "لضخ المزيد من الحيوية" في الاقتصاد "من خلال قدر أكبر قليلاً من 'الخلق الهدّام'".

 

 

وتحظى فترة رئاسة ميلوني للحكومة بمتابعة دقيقة في كل من فرنسا وألمانيا، حيث تشهد الدولتان تزايداً في النجاح السياسي لأحزاب اليمين المتطرف.

وفي معرض تعليقه على الرأي القائل بأن ميلوني أثبتت أنها أكثر واقعية مما كانت توحي به خطاباتها الشعبوية اليمينية الموجهة للناخبين، قال مونتي: "صحيح أن تولي السلطة يُخفّف من حدة المواقف المتطرفة".

أضاف مونتي: "ولهذا السبب، لا أحد الآن... سيسعى للخروج من الاتحاد الأوروبي أو التخلي عن اليورو. ولكن، إذا غابت الرغبة في خوض بعض المواجهات السياسية، فإن ذلك قد يوفر مزيداً من الاستقرار، لكنه يؤدي في المقابل إلى غياب النمو وتدهور المجتمع، لدرجة أن حتى أكثر الشباب نبوغاً في البلاد يرغبون في مغادرتها".

من وجهة نظر، إنريكو ليتا، الذي ترأس حكومة ائتلافية إيطالية بين عامي 2013 و2014، فإن الأداء الاقتصادي "غير الجيد" والتوترات في العلاقات بين الدول الأوروبية قد أثرا سلباً على المعنويات تجاه إيطاليا، وذلك على الرغم من استقرارها السياسي الداخلي.

وقال ليتا، الذي يشغل منصب عميد كلية السياسة والاقتصاد والشؤون العالمية في معهد "آي إي" (IE School): "الاستقرار قيمة مهمة، لكن الأهم حقاً هو استقرار العلاقات بين الدول الأوروبية. لم أكن سعيداً بما شهدناه طوال الصيف من صراعات حول ملف الهجرة واتفاقية شنغن وغيرها من القضايا".

بالتالي، أضاف ليتا أنه يتعين على الدول الأوروبية إعطاء الأولوية للتعاون في مجالات الهجرة، والحروب التجارية، والأمن، والتضخم، فضلاً عن إنجاز "اتحاد المدخرات والاستثمار" وإقرار إطار تنظيمي موحد -وهي خطوات طال انتظارها- إذا ما أراد التكتل جذب المزيد من الاستثمارات الدولية.

تحسن وضع العجز المالي

تسلمت ميلوني السلطة في إيطاليا وهي تعاني من انقسام سياسي ومشكلات مالية جمة.

في ذلك الوقت، كانت المخاوف تتصاعد بشأن عجز الميزانية الذي بلغ 7.2% من الناتج المحلي الإجمالي. وعندما ارتفعت نسبة العجز لتصل إلى 7.4% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023، أدرج الاتحاد الأوروبي إيطاليا ضمن "إجراء العجز المفرط"، وهي آلية تضع سقفاً مرجعياً لعجز الميزانية الحكومية عند مستوى 3%.

ومنذ ذلك الحين، شهد العجز انخفاضاً حاداً ليصل إلى 3.1% في عام 2025. وتتوقع المفوضية الأوروبية أن تنخفض هذه النسبة إلى 2.9% خلال العام الجاري، مدفوعةً بارتفاع معدلات التوظيف والأجور، مما أدى إلى زيادة الإيرادات الحكومية.

 

 

مع انخفاض العجز، تراجعت أيضاً عوائد السندات الحكومية الإيطالية، حيث تقلص الفارق بين عوائد السندات الإيطالية والألمانية بشكل حاد منذ أواخر عام 2022؛ مما يشير إلى أن المستثمرين باتوا يطلبون علاوة مخاطر أقل مقابل الاحتفاظ بالسندات الإيطالية مقارنة بنظيرتها الألمانية. وفي المقابل، اتسع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية بشكل ملحوظ خلال الفترة نفسها.

ومع ذلك، لا تزال روما، شأنها شأن العديد من نظرائها في مجموعة السبع، تواجه مشكلة ديون ضخمة. فقد عاودت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في إيطاليا الارتفاع في عام 2024 بعد أن كانت في مسار تنازلي، وذلك وفقاً لبيانات الاتحاد الأوروبي، مدفوعةً بشكل رئيسي بسياسة طُبقت إبان جائحة كوفيد وتضمنت منح ائتمانات ضريبية لعمليات تجديد المساكن. 

وفي عام 2025، بلغت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 137.1%، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 138.5% هذا العام.

تحسن وضع السندات

ورغم تأثر تكاليف الاقتراض الحكومي الإيطالي بعمليات البيع المكثفة في الأسواق العالمية، التي أعقبت صدمات جيوسياسية مثل التوتر بين الولايات المتحدة وإيران ومخاوف المستثمرين بشأن التضخم، إلا أن العوائد لا تزال أقل بكثير مما كانت عليه قبل تولي ميلوني منصبها. 

والجدير بالذكر أن عوائد السندات تتحرك في اتجاه معاكس لأسعارها.

حيال هذه المسألة، قالت  لورين هيسلوب، مديرة الاستثمار في شركة "ماتيولي وودز" (Mattioli Woods)، لشبكة CNBC عبر البريد الإلكتروني يوم الجمعة، قائلة: "تمثلت المفاجأة في تولي جورجيا ميلوني رئاسة الوزراء في أنها مارست الحكم - إلى حد كبير - بمنهجية براغماتية مالية بدلاً من النهج الشعبوي".

وأضافت: "لقد كافأت الأسواق هذا النهج من خلال تضييق هوامش فروق عوائد السندات، ورفع التصنيفات الائتمانية، وخفض تكاليف الاقتراض؛ ومما لا شك فيه أن إيطاليا استعادت مصداقيتها لدى المستثمرين".

وفي السياق ذاته، أشار كين إيغان، المدير الأول لقسم التصنيفات السيادية في وكالة KBRA، إلى أن "إيطاليا كانت تتحمل سابقاً، وبشكل شبه تلقائي، علاوة مخاطر مرتبطة بعدم الاستقرار السياسي، إلا أن هذا الأمر قد تلاشى إلى حد كبير". وعزا ذلك إلى استمرار الحكومة لفترة طويلة، ووضوح المسار المالي وقابليته للتنبؤ، ومواصلة تنفيذ الإصلاحات.

وذكر إيغان في رسالة بالبريد الإلكتروني أن السندات الإيطالية متوسطة وطويلة الأجل صمدت بشكل جيد نسبياً مقارنة بنظيراتها في الاقتصادات المتقدمة وسط موجة التراجع التي شهدتها الأسواق العالمية. وأشار إلى أن العائد على السندات الإيطالية لأجل 10 سنوات ارتفع بمقدار 62 نقطة أساس هذا العام، إلا أن إجمالي العائد لهذه السندات، الذي يأخذ في الاعتبار كلاً من تحركات الأسعار ودخل الفائدة، يُعد الأفضل بين نظيراتها الأوروبية.

ومع ذلك، صرح جيسون بوربورا-شين، المدير المشارك للمحافظ الاستثمارية لاستراتيجيات الدخل في شركة Ninety One، لشبكة CNBC في مكالمة هاتفية يوم الجمعة، بأنه رغم وجود "عنصر إيجابي يتمثل في استقرار واستمرارية القيادة السياسية" في إيطاليا، إلا أن التحسن في الوضع المالي للبلاد ينطوي أيضاً على جانب يتعلق بظاهرة "النبوءة ذاتية التحقق".

وقال: "كلما زاد استقرار البلاد وانخفض عبء الديون، زاد احتمال رضا السكان عن الحكومة القائمة، والعكس صحيح".

ورغم ذلك، أوضح بوربورا-شين لشبكة CNBC أن فريقه لا يرى مبرراً استثمارياً مقنعاً بشكل خاص للاستثمار في الديون الحكومية الإيطالية.

وأشار: "لقد كانت المؤشرات الأساسية إيجابية للغاية، لكننا نعتقد أن السوق قد أخذت ذلك في الحسبان بالفعل".

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة