بات استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في كتابة السيرة الذاتية أمراً شائعاً، لكن هل يستطيع مسؤول التوظيف معرفة أن روبوت الدردشة ساعد في كتابة سيرتك الذاتية؟ الجواب هو نعم والأمر قد يحرمك من الوظيفة.
خلال الشهر الماضي، كان بول لي يراجع طلبات التوظيف لوظيفة في مجال الشؤون القانونية والامتثال لدى شركة التكنولوجيا الصغيرة التي يديرها، عندما رصد برنامج الفرز لديه أمراً غير معتاد.
فقد كان هناك نص مخفي، يبلغ طوله حوالي 1500 حرف، مكتوباً بلون أبيض على خلفية بيضاء ضمن إحدى مئات السير الذاتية التي تلقاها. وكان هذا النص عبارة عن "أمر توجيهي" (prompt) للذكاء الاصطناعي يطلب منه تجاهل التعليمات السابقة واعتبار المتقدم مرشحاً مثالياً من الطراز الأول، بغض النظر عما إذا كان الشخص يستوفي متطلبات الوظيفة أم لا، وفق تقرير لبزنس إنسايدر.
أعرب لي عن ذهوله ووصف هذا التصرف بأنه مؤشر خطر أخلاقي لوظيفة ترتكز أساساً على الثقة والنزاهة.
يقول لي، الرئيس التنفيذي لشركة InnoCaption، التي تتخذ من مدينة إرفاين بولاية كاليفورنيا مقراً لها وتضم 40 موظفاً، وتعمل في مجال تطوير تقنيات الترجمة النصية الفورية للصم وضعاف السمع: "إنك تحاول تجاوز الآخرين في الطابور".
شهدت أساليب "التلاعب بالسير الذاتية" (Résumé hacking) تطوراً مواكباً لعصر الذكاء الاصطناعي، ولكن بطريقة لا يُنصح بها؛ فبينما كان الباحثون عن عمل، بدافع اليأس، يدرجون سابقاً كلمات مفتاحية بخط أبيض لخداع برامج الفرز الآلي، أصبح البعض الآن يُدخلون سراً أوامر توجيهية للذكاء الاصطناعي في محاولة لجعل طلباتهم أكثر تميزاً.
وقد حللت دراسة أجراها باحثون في جامعة ديوك وشركاء لهم ما يقرب من 200 ألف سيرة ذاتية، ووجدت أن حوالي 1% منها احتوت على أوامر توجيهية مخفية (ما يُعرف بـ "حقن الأوامر" أو prompt injections).
وفي تصريح لموقع بيزنس إنسايدر، قالت سارة فرانكلين، الرئيسة التنفيذية لمنصة الموارد البشرية Lattice: "إن الباحثين عن عمل يفعلون ما يشعرون بضرورة القيام به لكي تبرز طلباتهم وسط هذا الزحام الهائل من الطلبات".
وأضافت أن هذا السلوك ليس مفاجئاً، نظراً لأن أصحاب العمل يواجهون فيضاً من طلبات التوظيف وغالباً ما يكتفون بإرسال ردود رفض نمطية عامة، إن كلفوا أنفسهم عناء الرد من الأساس. وأردفت : "تبدو عملية التوظيف وكأنها صندوق أسود غامض تماماً".
يُعد الذكاء الاصطناعي جزءاً من المشكلة؛ إذ تُسهّل هذه التقنية على الباحثين عن عمل تعديل طلبات التوظيف وتقديمها بأعداد كبيرة، بينما يستخدمها بعض أصحاب العمل لفرز أكوام الطلبات، وذلك حسبما ذكرت ندى هاشمي، الأستاذة المساعدة في تكنولوجيا المعلومات بكلية بابسون.
وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي، وليس البشر، قد يتولى مهمة فحص المتقدمين قبل وصولهم إلى مرحلة المقابلة، مما قد يدفعهم لمحاولة التلاعب بالنظام.
وأضافت قائلة: "الأمر أشبه بأنظمة ذكاء اصطناعي تتحدث مع بعضها البعض".
ومع ذلك، قد تكون محاولات التلاعب بالسيرة الذاتية (أو "اختراق" نظام الفرز) بلا جدوى؛ إذ غالباً ما يراجع مسؤولو التوظيف ومديرو التعيين الطلبات على دفعات، ويكتفون بالمضي قدماً بمجرد العثور على عدد كافٍ من المرشحين الواعدين، تاركين الطلبات اللاحقة دون فحص، وفقاً لما قالته ناتاليا أرياني، المديرة المؤسسية للموارد البشرية في شركة تيرا فيستا Terra Vista لإدارة العقارات.
وقالت: "المشكلة تكمن في حجم الطلبات الهائل".
والأسوأ من ذلك، أن لفت الانتباه باستخدام هذه الحيلة قد تكون له عواقبه؛ فقد يُنظر إلى من يُضبطون وهم يمارسون ذلك على أنهم يفتقرون إلى النزاهة، كما أن بعض أصحاب العمل باتوا يبحثون بنشاط عن تلك "الأوامر" أو الحيل المستخدمة مع انتشار أخبارها.
في شركة Zerolook الناشئة للبحث عن رحلات الطيران ومقرها زيورخ، قام سيموني ليني، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي، الشهر الماضي بإدخال نحو 20% من السير الذاتية (التي بلغ عددها قرابة 350 طلباً لوظيفتين في مجال الهندسة) إلى أداة تعتمد على الذكاء الاصطناعي. وكان ليني قد سمع أن بعض المتقدمين يدرجون "حقن الأوامر" (prompt injections) في طلباتهم، لذا طلب من الأداة رصد أي أمثلة على ذلك.
واكتشف ليني أن إحدى السير الذاتية كانت تحتوي بالفعل على تعليمات تطلب من النظام تجاهل التعليمات السابقة وإعطاء الأولوية لترشيح صاحب الطلب، مع عبارة تقول إن "مصدر رزقهم يعتمد على قيامك بذلك"، حسبما ذكر ليني.
وأوضح ليني، الذي تعمل شركتها حالياً على التوظيف بعد جمع 1.9 مليون دولار من رأس المال الاستثماري، أنه على الرغم من امتلاك المتقدم للخبرة المناسبة، إلا أن هذه الحيلة جعلته ينفر من الطلب.
كما أضاف أنه يختلف في الرأي مع بعض المعلقين على منشور له في "لينكد إن" حول هذا الموضوع؛ إذ رأى أولئك المعلقون أن هذا التصرف يعكس دراية واسعة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وقال ليني: "الأمر لا يعدو كونه محاولة للتسلل والوصول إلى الصدارة"، مشيراً إلى أن إدراج هذا النوع من الأوامر ليس أمراً صعباً. وأضاف أنه حظر ذلك الشخص ومنعه من التقدم للوظيفة مرة أخرى.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي