تواجه عوائد سندات الخزانة اختباراً حاسماً عند مستوى 4.8%؛ إذ قد يؤدي استمرار الارتفاع فوق هذا المستوى إلى خلق "مشكلات جوهرية" لفئات الأصول الأخرى، وذلك وفقاً لما ذكره مات مالي، كبير استراتيجيي السوق في شركة ميلر تاباك آند كو Miller Tabak + Co.
وقال مالي في مذكرة نُشرت خلال عطلة نهاية الأسبوع: "لا نزال نشعر بالقلق إزاء سوق سندات الخزانة... حيث تواصل عوامل مثل تزايد العجز المالي، وإصدار كميات ضخمة من الديون، والاقتراض الكثيف من قبل الشركات، الضغط على العوائد طويلة الأجل... في حين فشلت محاولات وزارة الخزانة، عبر التصريحات والخطاب الرسمي، في تحقيق الانخفاض المنشود في أسعار الفائدة على الأقل حتى الآن".
وأشار إلى أن استمرار العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات فوق مستوى 4.8%، وهو أعلى مستوى سُجل في يناير 2025، "سيكون أمراً مقلقاً للغاية"؛ إذ قد يبدأ في التسبب بمشكلات أوسع نطاقاً للأسواق، ويشير إلى أن المخاوف المالية تطغى على محاولات صناع السياسات للتأثير على تكاليف الاقتراض.
وذكر مالي أن الجهود الأخيرة التي بذلتها وزارة الخزانة الأميركية والوزير سكوت بيسنت لدفع العوائد نحو الانخفاض من خلال التصريحات لم تحقق الاستجابة المرجوة حتى الآن.
وجاءت هذه الجهود في وقت كان فيه المستثمرون يراهنون بكثافة على انخفاض أسعار السندات (مراكز بيع على المكشوف)، وكانت ظروف التداول خلال الصيف تتسم بضعف السيولة نسبياً، حيث كان صناع السياسات يأملون أن يؤدي التدخل اللفظي إلى تحفيز صعود قوي ومؤثر في أسعار السندات.
وشدد مالي على أن هذا الموقف يسلط الضوء بدلاً من ذلك على الصعوبة المتزايدة في معالجة مخاوف السوق دون التصدي للضغوط المالية الكامنة؛ إذ أصبح من الصعب بشكل متزايد على المستثمرين تجاهل العجز في الميزانية الأميركية والدين العام، الذي تجاوز الآن 40 تريليون دولار، في الوقت الذي تتنافس فيه الحكومة مع الشركات، التي تقترض مبالغ ضخمة، على جذب طلب المستثمرين.
من المقرر إعادة تمويل (تجديد) سندات حكومية أميركية بقيمة تتجاوز 8.4 تريليون دولار في الفترة الممتدة من الآن وحتى نهاية العام، في حين قد يشهد شهر سبتمبر/أيلول رقماً قياسياً في إصدارات الشركات ذات التصنيف الائتماني المرتفع، وذلك وفقاً لما ذكره مالي.
وقد عدّل بنك غولدمان ساكس مؤخراً توقعاته لإصدارات السندات المقومة بالدولار الأميركي والمصنفة ضمن فئة "الدرجة الاستثمارية" لعام 2026 بالرفع لتصل إلى 2.3 تريليون دولار.
ولا تقتصر الضغوط على الولايات المتحدة فحسب؛ إذ تواجه كل من اليابان والمملكة المتحدة وفرنسا واقتصادات متقدمة أخرى تحديات مالية كبيرة، مما يعزز تحولاً أوسع نطاقاً في أسواق السندات العالمية مع مطالبة المستثمرين بعوائد أعلى مقابل استيعاب الديون الحكومية.
وقال "مالي": "لا يعني أي من هذا أن سوق السندات ستتحرك في مسار خطي مستقيم"، مشيراً إلى أن المشاعر السلبية (المتوقعة لانخفاض الأسعار) وتضخم المراكز الاستثمارية قد لا يزالان يحفزان صعوداً حاداً في العقود الآجلة لسندات الخزانة.
ومع ذلك، فإن أي تحرك من هذا القبيل قد يكون مجرد تحرك تكتيكي مؤقت بدلاً من أن يمثل انعكاساً للاتجاه العام طويل الأجل.
لقد أصبح مستوى 5% محط أنظار واسعة فيما يتعلق بالآجال الطويلة لمنحنى عائد سندات الخزانة، إلا أن "مالي" أشار إلى أن المستويات المرجعية للسوق قد ارتفعت مراراً وتكراراً، متدرجة من 4.4% إلى 4.5% ثم 4.6% و4.7%.
قد يؤدي تجاوز مستوى 4.8% بشكل مستدام إلى تداعيات تتجاوز نطاق سوق السندات بكثير. وفي هذا السياق، صرح مايكل تشن، المدير العام لشركة نوح آرك هونغ كونغ Noah ARK Hong Kong، بأن الارتفاع غير المنضبط في عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل قد يطلق شرارة إعادة تسعير لمجموعة من الأصول التي تعتمد على تدفقات نقدية طويلة الأجل؛ ويشمل ذلك السندات ذات الآجال الطويلة للغاية، وأسهم شركات النمو ذات التقييمات المرتفعة، والعقارات التجارية، وبعض الأصول الخاصة.
وأشار تشن إلى أن الضغوط الهيكلية على سندات الخزانة تتزايد مع دفع "الهيمنة المالية" المستثمرين للمطالبة بتعويض أكبر عن المخاطر مقابل الاحتفاظ بالديون طويلة الأجل.
وهو يفضل الذهب والعملات الصعبة كأدوات تحوط هيكلية، ويخفض وزنه الاستثماري في سندات الخزانة طويلة الأجل للغاية، مع الحفاظ على انكشافه على الأسهم عالية الجودة، والأصول الحقيقية، والبنية التحتية المادية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مثل الكهرباء وشبكات الطاقة وتخزين الطاقة ومراكز البيانات.
كما تبنى بنك إتش إس بي سي HSBC موقفاً أكثر حذراً تجاه السندات طويلة الأجل في الأسواق المتقدمة؛ إذ رفع توقعاته لعائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات بحلول نهاية عام 2026 من 4.30% إلى 4.65%، عازياً ذلك إلى ارتفاع الحد الأدنى الهيكلي للعوائد طويلة الأجل، وإلى ميل توزيع النتائج المحتملة للسياسة النقدية نحو التشدد.
وأكد البنك استمرار حذره بشأن السندات طويلة الأجل في الأسواق المتقدمة، في حين رفع أيضاً توقعاته لعائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات بحلول نهاية عام 2026 من 2.8% إلى 3%.
وبالنسبة لـ "مالي"، تكمن القضية الجوهرية في أن أي انخفاض في العوائد على المدى القريب لن يحل بالضرورة المشكلة القائمة على المدى الأطول.
وقال: "إذا شهدنا انتعاشاً في سوق سندات الخزانة قريباً (وبالتالي انخفاضاً في العوائد)... وحتى لو استمر هذا الوضع لما بعد انتخابات التجديد النصفي... فإن الأمر لا يمكن معالجته أو تخفيف حدته على المدى الطويل... دون إجراء تغييرات جذرية على الصعيد المالي".
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي