اليورانيوم بين قبضة موسكو وعجز الغرب.. معضلة أمنية واقتصادية تتفاقم حتى 2040

نشر
آخر تحديث
AFP

استمع للمقال
Play

يتجه سوق اليورانيوم العالمي نحو مرحلة غير مسبوقة من التحولات الاستراتيجية، مع تصاعد الطلب على الوقود النووي بفعل توسع الطاقة التقليدية ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، مقابل تراجع الإمدادات من المناجم القائمة.

وبينما لا يتجاوز الإنتاج المحلي الروسي 5% من الإجمالي العالمي، توسّعت "روساتوم" لتسيطر على حصص مؤثرة في كازاخستان وأفريقيا، ما يمنح موسكو نفوذاً يتجاوز التعدين ليشمل حلقات التخصيب والتحويل الحيوية.

 

هذا المشهد يضع الغرب أمام معضلة مزدوجة، تشمل الحاجة إلى استثمارات ضخمة وسريعة لكسر الاحتكار الروسي، وفي الوقت نفسه مواجهة مخاطر مالية واقتصادية قد تعرقل مسار التحول النووي.

 



 

قلق غربي 

قد تسيطر روسيا على أكثر من ثلث إمدادات اليورانيوم المُعدّن عالمياً بحلول عام 2040، في وقت يتصاعد فيه الطلب العالمي على الوقود النووي بشكل غير مسبوق، وفق تقرير صادر عن مركز "الميزة الاستراتيجية" (Centre for Strategic Advantage - CSA) البريطاني.

هذا المسار قد يضع الغرب أمام تبعية لموسكو في مجال اليورانيوم تشبه إلى حد بعيد الاعتماد الأوروبي على النفط والغاز الروسيين قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، وهو اعتماد استُخدم حينها كورقة ضغط جيوسياسية واقتصادية مؤلمة على القارة الأوروبية.

كيف توسّعت "روساتوم" خارج حدودها؟

المفارقة اللافتة في تقرير المركز البريطاني أن الإنتاج الروسي المحلي من اليورانيوم لا يتجاوز نحو 5% من الإنتاج العالمي، إلا أن حصة موسكو الحقيقية في السيطرة على قدرات التعدين العالمية تقترب من الربع عند احتساب المناجم التي تديرها خارج أراضيها عبر شركة "يورانيوم وان"، الذراع التابعة لعملاق الطاقة النووية الحكومي "روساتوم".

وتدير هذه الشركة وحدها نحو 10 آلاف طن سنوياً من طاقة التعدين في كازاخستان، أكبر منتج عالمي لليورانيوم، إضافة إلى مشاريع قيد التطوير في تنزانيا وناميبيا، واتفاقية تعاون وُقّعت العام الماضي مع النيجر لتعزيز النفوذ الروسي في القارة الأفريقية، وفق فينانشال تايمز.

ووفق تقارير دولية أخرى، منها تحليل لموقع "ميدوزا" الروسي المستقل، فقد جاء التمدد الروسي في النيجر عقب طرد فعلي لمجموعة "أورانو" الفرنسية من البلاد، التي لجأت لاحقاً إلى القضاء للمطالبة بتعويضات عن مصادرة أصولها.

وتتجاوز الهيمنة الروسية مرحلة التعدين لتمتد إلى حلقات أكثر حساسية في سلسلة القيمة النووية وتسيطر شركة "تي في إي إل" التابعة لروساتوم على نحو 38% من طاقة تحويل اليورانيوم عالمياً و46% من طاقة تخصيبه، وفق تحليل نشرته دورية "نيتشر إنرجي".

 وكلا المرحلتان لا غنى عنهما لتشغيل أي مفاعل نووي تجاري، ما يجعل حصر النقاش في التعدين وحده قاصراً عن استيعاب حجم النفوذ الروسي الفعلي على قطاع الطاقة النووية العالمي.

 



 

 فجوة العرض

ويأتي التوسع الروسي في وقت حرج بالنسبة لصناعة اليورانيوم الغربية، إذ أدت سنوات طويلة من تراجع الأسعار عقب كارثة فوكوشيما إلى إغلاق مناجم وتقليص حاد في الإنفاق على الاستكشاف.

ويرى ، المحلل في بنك "ستيفل" الاستثماري، أليكس بدواني، أن السوق سيحتاج حتماً إلى إمدادات جديدة بحلول منتصف العقد المقبل، مشيراً إلى أن دولاً مثل كندا تمتلك إمكانات لتشغيل مناجم إضافية، إلا أن مشروعات كهذه تنطوي على مخاطر تطوير كبيرة يعتمد عليها السوق حالياً بشكل مبالغ فيه.

من جانبها، أشارت سارة فورمان، رئيسة الاستراتيجية في شركة "يورينكو" المتخصصة في تخصيب اليورانيوم، إلى أن بناء منجم جديد يستغرق سنوات طويلة، وأن الصناعة بحاجة إلى إشارة حكومية واضحة بأن الطاقة النووية ستبقى ركيزة أساسية في مزيج الطاقة على المدى الطويل حتى تتجرأ على ضخ استثمارات جديدة، زفق فينانشال تايمز.

وتبرز في هذا السياق مشاريع مثل منجم "ماك آرثر ريفر" الكندي التابع لشركة "كاميكو"، المرخّص له بتوسيع إنتاجه بأكثر من الثلث، إلى جانب مشروع ضخم تطوره شركة "نكسجين إنرجي" في مقاطعة ساسكاتشوان الكندية.



 

الذكاء الاصطناعي يعيد إحياء الطاقة النووية

ويتقاطع هذا النقص المزمن في العرض مع موجة طلب غير مسبوقة مصدرها هذه المرة قطاع التكنولوجيا وليس فقط محطات الطاقة التقليدية.

فبحسب تقارير متخصصة نشرتها منصات مثل "إنفستينغ نيوز نيتورك" Investing News Network و Mining.com و"ماينينغ دوت كوم"، دفع التوسع الهائل في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي كبرى شركات التكنولوجيا إلى توقيع اتفاقيات شراء طاقة طويلة الأجل مع محطات نووية، باعتبارها مصدراً موثوقاً للطاقة النظيفة القادرة على تشغيل هذه المراكز على مدار الساعة.

وتشير الجمعية النووية العالمية إلى أن الطاقة النووية المركّبة عالمياً، البالغة نحو 398 غيغاواط حالياً، قد تتضاعف تقريباً لتصل إلى نحو 746 غيغاواط بحلول عام 2040 في السيناريو المرجعي، بل قد تقترب من 966 غيغاواط في سيناريوهات النمو الأكثر تفاؤلاً.

وهذا التوسع يعني أن الطلب على اليورانيوم المُعدّن سيقفز بشكل كبير في وقت تُتوقع فيه أن ينخفض إنتاج المناجم الحالية بنسبة قد تصل إلى النصف بين عامي 2030 و2040، وفق تقديرات نقلتها منصة "ديسكفري ألرت" عن الجمعية النووية العالمية.

ترقب حذر

وانعكس هذا الخلل بين العرض والطلب على الأسعار؛ إذ رفعت شركة أبحاث السوق UXC "يو إكس سي" توقعاتها طويلة الأجل لسعر اليورانيوم من 80 دولاراً للرطل قبل عام إلى 94 دولاراً في أحدث تقييماتها، مع ترجيح رئيسها التنفيذي جوناثان هينزي استمرار الأسعار في الارتفاع.

وتوقع أكثر من 85% منهم ارتفاعاً إضافياً في الأسعار خلال 2026، بمعدلات تتراوح بين 100 و120 دولاراً للرطل، مع سيناريوهات متطرفة تصل إلى 135 دولاراً في حال تعثر الإمدادات عن مواكبة الطلب، بحسب استطلاع نقلته "ماينينغ دوت كوم" لمستثمرين متخصصين في القطاع.

كما تشير تقديرات إلى أن قيمة سوق اليورانيوم العالمي، البالغة نحو 9.73 مليار دولار في 2025، قد ترتفع إلى ما يقارب 13.6 مليار دولار بحلول 2033، حسب مؤسسة "داتام إنتليجنس".

 



محاولات غربية لكسر الاحتكار الروسي

وعلى الصعيد السياسي، اتخذت واشنطن خطوة حظرت بموجبها استيراد اليورانيوم الروسي، لكن مع استثناءات تسمح باستمرار الواردات حتى عام 2028 وفق بعض المصادر، فيما تذكر مصادر أخرى تمديد الاستثناءات إلى ما بعد ذلك، في مؤشر على صعوبة قطع العلاقة التعاقدية القائمة منذ عقود مع "روساتوم" وشركاتها التابعة.

وبحسب تحليل لمعهد "روسي" (RUSI) البريطاني، جرى تصدير ما قيمته 2.7 مليار دولار من اليورانيوم المخصّب الروسي عام 2023 وحده، فيما شكّلت روساتوم مصدر نحو 30% من اليورانيوم المخصّب الذي اشترته دول الاتحاد الأوروبي و23% مما اشترته شركات المرافق الأمريكية.

أما الاتحاد الأوروبي، فلم يفرض حتى الآن حظراً كاملاً على واردات اليورانيوم الروسي، رغم إعلانه عزمه اتخاذ خطوات في هذا الاتجاه.

ويرى تقرير مركز "الميزة الاستراتيجية" أن تعديلاً قانونياً متوقعاً في كازاخستان، إلى جانب إجراءات دولية للحد من استغلال روسيا لأصول في أفريقيا، قد يخفّضان حصة موسكو من الإنتاج العالمي إلى نحو 14% فقط، مقابل السيناريو الأكثر تشاؤماً الذي يصل بها إلى 36%.

 



 

معضلة اقتصادية أمنية مزدوجة

ويضع هذا المشهد صناع القرار في الدول الغربية أمام معضلة مركّبة، فمن جهة، يتطلب تسريع التحول نحو الطاقة النووية لتلبية طلب متصاعد من قطاعي الصناعة والتكنولوجيا استثمارات ضخمة وسريعة في التعدين والتخصيب لا تحتملها دورات الاستثمار التقليدية البطيئة.

ومن جهة أخرى، فإن أي تباطؤ في هذه الاستثمارات الغربية يترك الفراغ مفتوحاً أمام روساتوم لتعزيز موقعها الاحتكاري أكثر فأكثر عبر شبكة علاقاتها الممتدة من آسيا الوسطى إلى أفريقيا.

ولذلك أوصى تقرير المركز البريطاني الحكومات في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بتقديم دعم مباشر عبر عقود طويلة الأجل تضمن أسعاراً مجزية للمنتجين، باعتبارها الوسيلة الأنجع لإقناع القطاع الخاص بضخ رؤوس أموال جديدة في مناجم لم تعرف استثمارات تُذكر منذ أكثر من عقد، قبل أن يتحول اعتماد الغرب على اليورانيوم الروسي إلى نقطة ضعف استراتيجية يصعب تصحيحها.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة