مع تصاعد المواجهة في المنطقة تنتقل تداعيات التوتر من ساحات الصراع إلى أسواق الطاقة، مع عودة أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة وازدياد المخاوف بشأن إمدادات الخام واستقرار حركة التجارة.
ويأتي ذلك في وقت تتسع فيه دائرة الاستهداف لتشمل ناقلات النفط والمنشآت المرتبطة بالطاقة، إلى جانب السفن والقواعد العسكرية، ما يزيد من حساسية الأسواق تجاه أي تصعيد إضافي.
تتزامن هذه التطورات مع تجاوز خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل، في إشارة إلى أن الأسواق لا
وتسعّر الاضطرابات الحالية فحسب، بل تضع في الحسبان احتمال استمرارها واتساع نطاقها. كما يضيف ارتفاع أسعار الطاقة ضغوطًا جديدة على التضخم وتوقعات أسعار الفائدة، بما قد ينعكس على أداء الأسهم والأصول المالية المختلفة.
وفي هذا السياق، يحذّر كبير مسؤولي الاستثمار في Siebert Financial، مارك مالك، من أن التصعيد العسكري في المنطقة دخل مرحلة جديدة، بعدما انتقلت المواجهة من استهداف ناقلات النفط إلى استهداف سفن حربية أميركية، في تطور يرى أنه يستدعي إعادة تقييم المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية في الأسواق.
ويقول مالك في مذكرة حديثة -حصلت CNBC عربية على نسخة منها- إن متابعته لما وصفه بـ«العاصفة الكبرى في هرمز» شهدت تحولاً في طبيعة الأحداث هذا الأسبوع، موضحاً أن التطورات انتقلت من ضرب ناقلات النفط وفرض العقوبات والجولات الدبلوماسية المتعثرة إلى استهداف سفن حربية.
ترامب يعلن قراراً صادماً.. إليكم القصة
وأضاف أن الحرس الثوري الإيراني أطلق صواريخ باليستية في مناسبتين خلال يومين باتجاه حاملة طائرات أميركية ومدمرة مزودة بصواريخ موجهة، بدلاً من استهداف ناقلات النفط.
وبحسب مالك، جاء الرد الأميركي عبر تدمير خمس ناقلات نفط إيرانية، فيما ردت طهران بإطلاق صواريخ باتجاه قاعدة للقوات الأميركية في الأردن. ورأى أن انتقال قائمة الأهداف من سفن الشحن إلى القطع العسكرية «يجب أن يرفع مستوى الانتباه» إلى تداعيات التصعيد.
وأوضح مالك أن القيادة المركزية الأميركية أعلنت تدمير خمس ناقلات نفط إيرانية، أربع منها في خليج عمان وواحدة قرب جزيرة خرج، مشيراً إلى أن القوات الأميركية أبلغت أطقم السفن بمغادرتها قبل جعل الناقلات غير صالحة للعمل.
وأضاف أن الهجومين الإيرانيين على السفينة الحربية الأميركية لم يسفرا عن إصابات، وأن السفينة تمكنت من تفادي الصواريخ وواصلت دورياتها.
وفي المقابل، أشار مالك إلى أن الحرس الثوري الإيراني أعلن إطلاق صواريخ باتجاه القوات الأميركية في قاعدة بالأردن، فيما قالت السلطات الأردنية إن دفاعاتها الجوية اعترضت 18 صاروخاً، بينما سقط صاروخان في مناطق غير مأهولة. لكنه شدد على ضرورة التعامل بحذر مع هذه الرواية، في ظل استمرار تطور الأحداث واعتماد المعلومات المتاحة على مصادر رسمية محدودة.
ولم تقتصر تداعيات التصعيد، وفق مالك، على مضيق هرمز والمواجهة المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، إذ أشار إلى أن جماعة الحوثي، المتحالفة مع طهران، استهدفت خلال الأسبوع نفسه عدداً من منشآت الطاقة داخل السعودية، ما أدى إلى إصابة عشرات المدنيين وتعليق العمل مؤقتاً في عدد من المواقع.
ويرى مالك أن هذه التطورات تؤكد أن أزمة هرمز ليست مواجهة على جبهة واحدة، بل حملة متعددة المسارات تمتد إلى منشآت الطاقة وحركة الناقلات والقوات العسكرية في المنطقة.
وفي الأسواق، لفت مالك إلى أن خام برنت تجاوز حاجز 100 دولار للبرميل، للمرة الأولى منذ يوليو، فيما يجري تداول خام غرب تكساس الوسيط في منتصف نطاق التسعينيات.
وقال إن أهمية مستوى 100 دولار لا تكمن في الرقم نفسه بقدر ما تعكسه حركة الأسعار من تسعير لاحتمالات استمرار الاضطرابات وتوسعها، وليس فقط لتأثيراتها الحالية.
وأشار إلى أن غولدمان ساكس رفعت هذا الأسبوع توقعاتها لسعري برنت وغرب تكساس بنحو خمسة دولارات لكل منهما لنهاية العام، كما طرحت سيناريو يتجاوز فيه برنت مستوى 120 دولاراً للبرميل إذا ظل إنتاج الخليج أقل بصورة ملموسة من مستويات ما قبل الحرب.
لكنه شدد على أن هذا السيناريو يظل «سيناريو ذيل» وليس التوقع الأساسي، معتبراً أن مجرد إدراجه ضمن الاحتمالات يعني أن الأسواق باتت بحاجة إلى الاستعداد له.
ويرى مالك أن ارتفاع أسعار الطاقة ينقل أزمة الخليج من ملف جيوسياسي إلى قضية مباشرة بالنسبة للمستثمرين، في ظل ما وصفه بـ«الجيو-بترو-سياسة»، حيث أصبحت صدمات الطاقة والسياسة النقدية مترابطتين بصورة متزايدة.
وتأتي هذه التطورات قبل صدور بيانات التضخم الأميركية، وفي وقت تترقب فيه الأسواق اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي المقبل. ولفت مالك إلى أن ارتفاع أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل قبل أيام من صدور بيانات التضخم يضيف تعقيداً جديداً إلى مهمة البنك المركزي، خصوصاً مع استمرار حساسية الأسواق تجاه احتمالات تغيير مسار أسعار الفائدة.
وأشار إلى أن تأثير أسعار الطاقة لا يتوقف عند أسواق النفط، إذ تنتقل تكاليفها سريعاً إلى الاقتصاد الحقيقي من خلال فواتير التدفئة والنقل والشحن وأسعار الوقود، بما يجعل مثل هذه التحركات السعرية محسوسة بالنسبة إلى الأسر والشركات قبل أن تظهر آثارها في نتائج أعمال الشركات أو توقعات الأرباح.
ورغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط، لاحظ مالك أن سوق الأسهم الأميركية لا يزال يتعامل مع التطورات بهدوء نسبي، إذ يتحرك مؤشر S&P 500 بالقرب من مستوياته القياسية، من دون موجة بيع حادة أو ارتفاع كبير في التقلبات يوحي بأن المستثمرين يتوقعون اضطراباً واسع النطاق.
ويخلص مالك إلى أن هذا الهدوء قد يعكس مزيجاً من الحكمة والرضا عن النفس في آن واحد، محذراً من أن الأسواق قد تكون قادرة على استيعاب المخاطر الحالية، لكن انتقال المواجهة من ناقلات النفط إلى السفن الحربية يرفع سقف المخاطر التي ينبغي للمستثمرين أخذها في الحسبان.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي