سيتصدر قرار الاحتياطي الفدرالي الأميركي بشأن أسعار الفائدة اهتمام الأسواق خلال الأسبوع المقبل، إذ يبدو رفع الفائدة احتمالاً وارداً في ظل بيانات قوية عن سوق العمل ومعدلات تضخم متماسكة.
وتسارعت رهانات الأسواق على رفع الفائدة بعد صدور بيانات التضخم، إذ بلغت احتمالات الزيادة نحو 82.5% يوم الجمعة، مقارنة بنحو 68% قبل صدور البيانات.
ولا يقتصر اهتمام المستثمرين على القرار نفسه، بل يمتد إلى تصريحات رئيس الاحتياطي الفدرالي كيفين وارش بشأن مسار الفائدة في الأشهر المقبلة، خصوصاً في ظل ارتفاع عوائد سندات الخزانة إلى مستويات مرتفعة بفعل مخاوف التضخم وزيادة توقعات رفع الفائدة، بحسب وول ستريت جورنال.
ويزيد ارتفاع أسعار النفط من تعقيد مهمة الفدرالي، بعدما تجاوز خام برنت 100 دولار للبرميل، بما يهدد بإضافة ضغوط جديدة إلى التضخم، في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن التضخم المحلي الناجم عن قوة الاقتصاد لا يزال مرتفعاً.
وفي أحدث بيانات التضخم، ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين 0.4% في أغسطس على أساس شهري، مقابل 0.1% في يوليو، بينما استقر معدل التضخم السنوي عند 3.4%. وفي الوقت نفسه، ارتفع التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة، 0.3% خلال الشهر.
ورغم أن البيانات لم تقدم مفاجأة صعودية كبيرة في التضخم العام، فإنها لم تمنح مسؤولي البنك المركزي الدليل الذي يحتاجونه على استمرار تراجع الضغوط السعرية بالسرعة الكافية. ودفع ذلك الأسواق إلى زيادة احتمالات رفع الفائدة خلال اجتماع سبتمبر/ أيلول، في وقت أصبح فيه القرار أكثر انقساماً داخل الاحتياطي الفدرالي.
ووفق بيانات مكتب إحصاءات العمل التابع لوزارة العمل الأميركية،فإن عدد الوظائف غير الزراعية زاد 162 ألف وظيفة الشهر الماضي، بعد تعديل بيانات يوليو/ تموز بالرفع لتشير إلى زيادة 21 ألف وظيفة. وكان خبراء اقتصاد استطلعت رويترز آراءهم توقعوا ارتفاع العدد 56 ألف وظيفة بعد انخفاض 23 ألف وظيفة أعلن عنه من قبل في يوليو/ تموز.
والآن تشير أداة فيد ووتش التابعة لمجموعة CME إلى احتمال بنسبة 86% تقريباً لرفع سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية الأسبوع المقبل.
وبعد هذه البيانات، يختتم اجتماع اللجنة الفدرالية للسوق المفتوحة FOMC، الذي يستمر يومين، أعماله يوم الأربعاء، ليعقبه مؤتمر صحفي للرئيس كيفن وارش. وتشير التقديرات الحالية للسوق إلى احتمالية تبلغ نحو 87% لإقرار رفع في أسعار الفائدة.
كما تشير العقود الآجلة لصناديق الاحتياطي الفدرالي حالياً إلى توقعات برفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في 3.7 مناسبة خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، وفي 2.4 مناسبة خلال الأشهر الستة المقبلة، وفق أبحاث ياردين.
وارش أمام اختبار مزدوج
بالنسبة لرئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي كيفين وارش، يأتي الاجتماع في توقيت بالغ الحساسية؛ فقد حاول في خطابه في جاكسون هول الشهر الماضي، إرسال رسالة أكثر تشدداً بشأن التضخم، مؤكداً أن البيانات لا تظهر تحسناً كافياً في الاتجاهات الأساسية للأسعار، وأن الفدرالي "لديه عمل ينبغي إنجازه" إذا لم يتحرك التضخم نحو هدفه بالسرعة المطلوبة.
لكن وارش تجنب في الوقت نفسه تقديم توجيه واضح بشأن المسار المقبل للفائدة، وهو ما أبقى الأسواق في حالة ترقب، ورفع أهمية البيانات التي ستصدر قبل الاجتماع.
وتأتي أرقام أغسطس لتمنحه سبباً أقوى للتحرك، خصوصاً أن التضخم الأساسي ارتفع بوتيرة أسرع من الشهر السابق، بينما لا تزال سوق العمل والاقتصاد الأميركي قادرين على تحمل تكاليف اقتراض أعلى. وقد صوّت 3 أعضاء في اجتماع يوليو لمصلحة رفع الفائدة، في مؤشر مبكر على اتساع الانقسام داخل لجنة السوق المفتوحة بشأن المسار المناسب للسياسة النقدية.
تباين في الآراء
وفي المقابل، لا يزال هناك اختلاف بين قراءة الأسواق وتوقعات الاقتصاديين؛ فاستطلاع أجرته رويترز قبل صدور بيانات التضخم، أظهر أن غالبية الاقتصاديين كانت تتوقع إبقاء الفائدة دون تغيير خلال اجتماع سبتمبر، فيما أصبحت الأسواق بعد بيانات الأسعار أكثر ميلاً إلى رفعها.
تشير توقعات بعض المؤسسات إلى أن رفع سبتمبر قد يتبعه تشديد إضافي. ففي حين تتوقع كابيتال إيكونوميكس زيادة ثانية في ديسمبر/ كانون الأول، ثم زيادة أخرى في مارس/ آذار 2027، في حين يرى اقتصاديون آخرون أن المسار سيتوقف على مدى انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى التضخم الأساسي وتوقعات الأسعار.
وهنا تكمن حساسية اجتماع سبتمبر: فرفع الفائدة قد يعزز مصداقية الفدرالي في مواجهة التضخم، لكنه في المقابل يأتي في وقت بدأت فيه الأسواق تتحمل بالفعل عوائد سندات مرتفعة وتكاليف تمويل أكبر.
كما أن القرار سيضع وارش في مواجهة سياسية مباشرة مع الرئيس دونالد ترامب، الذي يضغط منذ فترة من أجل خفض أسعار الفائدة. وبالتالي، فإن أي تحرك نحو التشديد لن يكون مجرد قرار اقتصادي؛ بل سيكون أيضاً اختباراً لاستقلالية الفدرالي وقدرة رئيسه الجديد على تثبيت أولويات البنك المركزي في مواجهة الضغوط السياسية.
وبينما كان المستثمرون قبل أسابيع يترقبون بدء دورة خفض للفائدة، أعادت بيانات التضخم وصدمة النفط رفع احتمال السيناريو المعاكس إلى الواجهة. ومع اقتراب عوائد سندات الخزانة من 5%، لن يكون السؤال في اجتماع الأربعاء هو ما إذا كان الفدرالي قلقاً من التضخم فحسب؛ بل إلى أي مدى يستعد للذهاب لمواجهته، وما إذا كانت زيادة واحدة ستكفي لتهدئة الأسعار والأسواق في آن واحد.
قرارات البنوك المركزية
وفيما تتجه الأنظار نحو الفدرالي الأميركي، أكبر بنك مركزي في العالم، من المقرر صدور قرار بشأن أسعار الفائدة في المملكة المتحدة، في حين تشير التوقعات على نطاق واسع إلى أن بنك اليابان سيرفع أسعار الفائدة.
وسيكون قرار بنك اليابان الحدث الأبرز في أسبوع حافل بالأحداث الاقتصادية في آسيا، وسط توقعات بأن يتجه البنك المركزي في تايوان أيضاً نحو تشديد السياسة النقدية.
وفي الوقت نفسه، ستشكل بيانات النشاط الاقتصادي في الصين اختباراً آخر لنموها القائم على الصادرات، بينما ستقدم بيانات التضخم في الهند مزيداً من المؤشرات حول توجهات صناع السياسات.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي