في خضم الجدل المتصاعد حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، اجتمع قادة أبرز الشركات الأميركية على منصة "إكس" خلال عطلة نهاية الأسبوع ليطرحوا رؤيتهم بشأن ضرورة إبطاء وتيرة تطوير هذه التقنية.
التحذيرات التي أطلقها المهندس السابق في شركة أنثروبيك، جاكوب كوكسون، من "يوم قيامة" محتمل، أشعلت نقاشاً واسعاً بين خبراء التكنولوجيا وصنّاع القرار السياسي، لتتحول إلى محور رئيسي في النقاش العالمي حول المخاطر الوجودية للذكاء الاصطناعي.
وبينما أيّد بعض كبار التنفيذيين مثل داريو أموداي وسام ألتمان فكرة ضبط الحدود التقنية، برزت أصوات أخرى مشككة ترى أن هذه الدعوات قد تخفي وراءها أهدافاً تتعلق بالسيطرة على الأسواق أو تقييد المنافسة، ما جعل الملف يتجاوز حدود المختبرات ليصبح قضية سياسية واقتصادية عالمية.
هل تتباطيء وتيرة التطوير؟
توصل قادة أبرز شركات الذكاء الاصطناعي في أميركا إلى شبه إجماع خلال عطلة نهاية الأسبوع على ضرورة إبطاء وتيرة تطوير هذه التقنية، بعد أن أشعلت تحذيرات المهندس السابق في شركة أنثروبيك Anthropic، جاكوب كوكسون Jacob Coxon، من "يوم قيامة" محتمل بسبب الذكاء الاصطناعي، جدلاً واسعاً بين المتخصصين في التكنولوجيا والسياسيين.
وجاء هذا التوافق، الذي تم التوصل إليه غالباً عبر منشورات على منصة إكس، رغم غياب تفاصيل واضحة حول آلية التنفيذ، وعدم إبداء الصين أي موقف بشأنه.
وكتب الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، داريو أموداي Dario Amodei، في مقال بعنوان "علينا ضبط وتيرة الحدود التقنية"، أن المخاطر أكبر من أن يكون ضبط الوتيرة مجرد إجراء شكلي، مؤكداً أن على القطاع استخدام الوقت الذي يمنحه هذا الإجراء بحكمة.
وافق الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي OpenAI، سام ألتمان Sam Altman، الذي سبق له إطلاق دعوات مماثلة، على موقف أموداي في منشور لاحق على إكس مساء السبت، وانضم إليه كل من رجل الأعمال إيلون ماسك Elon Musk، ومؤسس غوغل ديب مايند Google DeepMind، ديميس حسابيس Demis Hassabis، الذي أبدى دعمه لمقترحات أموداي، وفق Businessinsider.
مواقف متباينة من دعوات الإبطاء
واتخذ مستشار الرئيس الأميركي للعلوم والتكنولوجيا، ديفيد ساكس David Sacks، وهو مسؤول سابق عن ملف الذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض، موقفاً مغايراً، إذ كتب على إكس أن أموداي وألتمان يمكنهما المضي قدماً في الإبطاء لكن "دون التذرع بالحاجة إلى إذن من أحد".
واتهم ساكس الشركتين بأن دوافعهما ليست أخلاقية بقدر ما هي محاولة لكسب رضا الأسواق، مضيفاً أن الإبطاء إما أن يكسبهما ثقة الأطراف الأخرى في مفاوضات مستقبلية، أو يؤكد أن الأمر مجرد "مسعى للسيطرة التنظيمية أو خدعة انتخابية".
ورأى الرئيس التنفيذي لشركة هاغينغ فيس Hugging Face، كليمون دولانغ Clément Delangue، التي تعرضت في يوليو/تموز لهجوم من عملاء تابعين لشركة أوبن إيه آي تضمن تخطيطاً وتواصلاً وتضليلاً لتفادي الاكتشاف، أن سلامة الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن تترك حصراً في يد المختبرات الرائدة.
وأعلن دولانغ إطلاق مبادرة أطلق عليها "مبادرة المواءمة المفتوحة"، طالباً إدراجها ضمن برنامج التقييم المستقل الذي اقترحه أموداي، وكتب أن جعل الذكاء الاصطناعي أكثر شفافية هو السبيل لجعله أكثر أماناً.
وأبدى المستثمر ومقدم بودكاست "أول إن"، جيسون كالاكانيس Jason Calacanis، تشككاً أكبر في فكرة اقتراب نهاية العالم، متهماً أنثروبيك وأوبن إيه آي، اللتين لا تعتمد نماذجهما الأكثر تطوراً على مصدر مفتوح، بمحاولة تقييد شركات الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر عبر الدفع نحو تنظيمات يسهل على الشركات الكبرى الالتزام بها.
وكتب أن السلامة الحقيقية تكمن في الإفصاح، وأن المصدر المفتوح هو أقصى درجات هذا الإفصاح، داعياً أموداي إلى عدم "التوسل للحكومة كي تبطئ نماذج المصدر المفتوح".
دعوات تشريعية للحد من الذكاء الفائق
كما قدم السيناتور عن ولاية فيرمونت، بيرني ساندرز Bernie Sanders، في الثالث من سبتمبر/أيلول، مشروع قانون يهدف إلى حظر تطوير ونشر الذكاء الفائق، ووقف مؤقت لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
وبعد استقالة كوكسون وتحذيره من أن مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة "تراهن بأرواحنا"، علق ساندرز على إكس بأن كوكسون محق، مستشهداً بأن القائمين على تطوير هذه التقنية أنفسهم أقروا بمخاطرها الكارثية المحتملة.
وطالب ساندرز، عقب مقال أموداي، الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعقد "صفقة القرن" مع الرئيس الصيني شي جين بينغ لإبرام معاهدة شاملة توقف تطوير الذكاء الاصطناعي المتقدم وتحظر الذكاء الفائق.
كما اعتبر الباحث في مجال الذكاء الاصطناعي ومطور مكتبة كيراس Keras مفتوحة المصدر، فرانسوا شوليه Francois Chollet، أن على الرقابة، إن كانت هذه الجهود صادقة، أن تتخذ شكلاً ديمقراطياً وخاضعاً للمساءلة، بمكونات وطنية ودولية.
وأشار شوليه إلى مؤشرات عدة قال إنها قد تكشف أن دعوات التنظيم ليست سوى حيلة لخنق المنافسة، من بينها الدعوة إلى حظر النماذج مفتوحة المصدر وعرقلة الأبحاث غير المتقدمة.
وتوقع الرأسمالي الاستثماري ومدير شركة أتريديس مانجمنت Atreides Management، غافين بيكر Gavin Baker، صدور أمر تنفيذي عن الرئيس دونالد ترامب في أعقاب مقال أموداي، مؤكداً على إكس أنه من الممكن نشر الذكاء الاصطناعي وتوزيعه بشكل واسع وآمن دون تركيزه في يد عدد قليل من الشركات.
ووصف بيكر قرار أوبن إيه آي وأنثروبيك بالاستعانة بمقيّمين خارجيين بأنه أبرز خطوة ملموسة حتى الآن، محذراً في الوقت ذاته من تنظيمات قد تركز السيطرة على أنظمة الذكاء الاصطناعي القوية في يد حفنة من الشركات.
واعتبر الرئيس التنفيذي لشركة بوكس Box، آرون ليفي Aaron Levie، أن أهداف أموداي كما وردت في مقاله تمثل "ضرورة مطلقة" في مسار تطوير الذكاء الاصطناعي، مشدداً على أنه من المنطقي تماماً السعي إلى أنظمة آمنة و"متوائمة".
ونفى ليفي أن يكون أموداي يسعى إلى فرض تنظيمات مفرطة تعيق منافسي أنثروبيك من الشركات مفتوحة المصدر، واصفاً كيفية تحقيق ذلك دون إبطاء التقدم أو الحد من المنافسة بأنها "من أعقد الأسئلة" في القرن الحادي والعشرين رغم أن الحاجة إليها حقيقية.
أنثروبيك بين المخاطر وطرح الاكتتاب العام
ورأى المستثمر تشامث باليهابيتيا Chamath Palihapitiya أن أنثروبيك وقعت في تناقض من صنعها، موضحاً أنه إذا كان موظفو الشركة يعتقدون فعلاً أن تقنيتها قد تشكل تهديداً وجودياً، فإن ذلك يثير مشكلات جوهرية تتعلق بالمسؤولية والإفصاح، خصوصاً مع استعداد الشركة لطرح محتمل للاكتتاب العام.
وقال باليهابيتيا إن على أنثروبيك أن تختار إما النأي بنفسها عن تحذيرات كوكسون أو تقبل تبعاتها، معرباً عن شكوكه في سيناريوهات الانقراض نفسها، إذ يرى أن سلسلة الأحداث المطلوبة كي يقضي الذكاء الاصطناعي على البشرية لا تزال تبدو مستبعدة إلى حد كبير.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي