ضغط مزدوج.. كيف تواجه مصر ارتفاع النفط وعوائد سندات أميركا؟

نشر
آخر تحديث
مصدر الصورة:AFP/,أسواق السندات،مصر,معدل الفائدة,الفدرالي

استمع للمقال
Play

بقلم فاروق يوسف

مراسل CNBC عربية في القاهرة


قد تبدو المسافة بعيدة بين مضيق هرمز وسوق السندات الأميركية عن شوارع القاهرة وأسواقها الشعبية، إلا أن فاتورة الاضطراب قد تصل أسرع مما يعتقد البعض؛ تاجر في منطقة العتبة الشهيرة بالقاهرة يعيد حساب تكلفة بضاعته، ومصنع في مدينة العاشر من رمضان يترقب فاتورة الطاقة والنقل، ومستورد يراقب الدولار، ومستهلك يحاول ضبط إنفاقه مع كل موجة جديدة من الأسعار.

ماذا يحدث؟

عادت أسعار النفط للارتفاع بقوة مع تخطي عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات مستوى 5%، مما وضع مصر في مأزق بين ارتفاع تكاليف استيراد الطاقة من جهة وبين اتجاه رؤوس الأموال العالمية الباحثة عن العائد الأكبر من ناحية ثانية.

 صعد خام برنت خلال تعاملات الثلاثاء إلى نحو 107.6 دولار للبرميل، مع تصاعد المخاوف بشأن الإمدادات بعد تعطل خط أنابيب شرق - غرب السعودي، الذي استخدمته المملكة لنقل ما بين 4 إلى 5 ملايين برميل يوميًا إلى ميناء ينبع بعيدًا عن مضيق هرمز، أي ما يعادل 4% إلى 5% من الإمدادات العالمية.



وتزداد حساسية الأسواق مع انخفاض حركة السفن عبر المضيق إلى 4 سفن فقط يوم أمس، الاثنين، مقابل 10 سفن في اليوم السابق، فيما كان الممر ينقل نحو خُمس إمدادات النفط العالمية قبل اندلاع الحرب أواخر فبراير.

لكن الصدمة تتجاوز أسعار النفط، وتمتد إلى الجانب الآخر من الأطلسي، حيث تجاوز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات 5% للمرة الأولى منذ 2007، مدفوعاً بمخاوف التضخم المرتبطة بأسعار الطاقة، وسط توقعات متزايدة بأن يرفع الفدرالي الأميركي هذا الأسبوع معدل الفائدة بواقع ربع نقطة مئوية.

فاتورة الطاقة.. نقطة الضغط الأولى

ارتفاع أسعار النفط يأتي في وقت تحولت فيه الطاقة بالفعل إلى مصدر ضغط على الحسابات الخارجية لمصر؛ إذ يقول صندوق النقد إن قيمة واردات القاهرة من النفط والغاز قد تصل إلى ذروة تقارب 26 مليار دولار خلال العام المالي الجاري، قبل أن تتراجع إلى 22.5 مليار دولار في العام القادم.

وفي مارس وحده، تعرض الحساب الجاري لضغوط نتيجة تضاعف فاتورة استيراد أسعار النفط والغاز لمصر من 1.2 مليار دولار إلى 2.5 مليار دولار، هذا بالتزامن مع التوقف المؤقت لواردات الغاز من إسرائيل، ما دفع مصر لزيادة مشترياتها من الغاز الطبيعي المسال واستئجار سفن التغويز.

لكن حتى هذا المسار لم يكن بمنأى عن الاضطرابات الجيوسياسية؛ ففي أواخر يوليو، تعرضت وحدة التغويز العائمة "إنرجوس وينتر" في ميناء دمياط لهجوم بطائرة مسيّرة تسبب في اندلاع حريق وامتد إلى سفينة غاز مجاورة، لتخرج وحدة التغويز من الخدمة، قبل أن تتحرك الحكومة لاستئجار وحدة إضافية لتعزيز قدرات استقبال الغاز المسال.

تكشف بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر عن حجم الحساسية في قطاع الطاقة حيث ارتفع إجمالي قيمة واردات الطاقة خلال النصف الأول من العام الحالي بنسبة 38.5%، ليسجل 13.435 مليار دولار، مقابل 9.695 مليار دولار خلال الفترة المماثلة من 2025.

نمت قيمة واردات مصر من الغاز الطبيعي بنسبة 73% خلال النصف الأول من عام 2026، لتسجل 6.04 مليار دولار، مقابل 3.49 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025.



وبالتالي، فإن بقاء برنت فوق 100 دولار لفترة ممتدة لا يعني فقط زيادة مباشرة في فاتورة الاستيراد، وإنما يمتد أثره إلى تكلفة الكهرباء والوقود والنقل والشحن ومدخلات الإنتاج، قبل أن ينتقل بدرجات متفاوتة إلى الأسعار المحلية.

من برميل النفط إلى التضخم

المسار الثاني للصدمة يمر عبر التضخم، الذي عاد ليظهر كعامل خطر مقترن بارتفاع أسعار الطاقة، وفي استطلاع لـ CNBC عربية، رهن محللون مسار التضخم في مصر خلال الفترة المقبلة بتطورات المشهد الجيوسياسي واستمرار الضغوط على أسعار الطاقة، باعتبارهما من أبرز المخاطر التي قد تعيد تغذية الضغوط السعرية محليًا.

وترتفع استجابة التضخم لهذه التطورات سريعاً خصوصاً مع انتقال ارتفاع تكلفة النفط والغاز تدريجيًا إلى فاتورة الاستيراد والنقل والإنتاج، ما قد يبطئ وتيرة انحساره ويضيق في الوقت نفسه مساحة التحرك أمام البنك المركزي لمواصلة خفض أسعار الفائدة.



وبناء على ذلك، تتحول أزمة الطاقة من قضية تتعلق بالتجارة الخارجية إلى ملف يخص السياسة النقدية؛ فكلما استمرت ضغوط الأسعار، تقل المساحة المتاحة أمام البنك المركزي للتيسير النقدي، حتى مع حاجة النشاط الاقتصادي إلى تكلفة تمويل أقل.

5% في أميركا.. منافس جديد للجنيه

وفي الوقت الذي تواجه فيه مصر ارتفاع تكلفة الطاقة، تتشكل جبهة ثانية في أسواق المال العالمية، حيث يساهم تجاوز عائد السندات الأميركية لأجل عشر سنوات مستوى 5% في رفع العائد الذي يحصل عليه المستثمر العالمي من أصل يُنظر إليه باعتباره منخفض المخاطر، وبالتالي سيحتاج إلى عائد أكبر حتى يغامر بأمواله في الأسواق الناشئة.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة لمصر في أعقاب العودة القوية لاستثمارات الأجانب إلى أدوات الدين المحلية، في وقت تتمتع فيه حالياً بأعلى عائد منذ بداية العام، ما أبقى أذون الخزانة والسندات المصرية جاذبة لتجارة الفائدة رغم ارتفاع العوائد عالميًا.

وتظهر بيانات تعاملات السوق الثانوية أن هذه الرهانات اجتذبت صافي تدفقات من المستثمرين الأجانب والعرب اقترب من 11 مليار دولار منذ بداية 2026.

لكن صعود العائد على السندات الأميركية واحتمالية اتجاه الفدرالي لرفع الفائدة، سيأجج سقف المنافسة على تلك الأموال، ويجعل استمرارها أكثر ارتباطًا بحجم العائد الحقيقي، واستقرار سعر الصرف، وتداعيات المخاطر الجيوسياسية.

ومع ذلك، حصلت أدوات الدين المصرية هذا الأسبوع على عامل دعم محتمل، مع استعداد "جي  بي مورغان" لإطلاق مؤشر جديد لديون الأسواق الحدودية بالعملات المحلية بنهاية سبتمبر، ستكون مصر ضمن الدول صاحبة الأوزان الأكبر فيه



الأسواق الحدودية هي أسواق أقل تطورًا ونضجًا من الأسواق الناشئة، لكنها أكثر تطورًا من الاقتصادات التي لا تمتلك أسواقًا مالية قابلة للاستثمار بشكل واسع

سيغطي المؤشر سندات بنحو 330 مليار دولار في 26 دولة، وقد يساعد إدراج مصر فيه على جذب شريحة إضافية من المستثمرين.

الاحتياطي.. خط دفاع أكبر

تواجه مصر الصدمة الحالية من مركز خارجي يبدو أقوى نسبيًا مقارنة بموجات سابقة، في ظل ارتفاع احتياطي النقد الأجنبي إلى نحو 57.2 مليار دولار في أغسطس، مع مرونة بسعر الصرف وحتى تعديلات أسعار الطاقة وضبط الإنفاق، إلى جانب قوة تحويلات العاملين بالخارج وإيرادات السياحة وتعافي قناة السويس.

لكن قوة خطوط الدفاع هذه ستكون أمام اختبار مزدوج؛ فكلما طال بقاء النفط عند مستوياته المرتفعة، زادت الضغوط على فاتورة الاستيراد والتضخم والطلب على العملة الأجنبية، بينما تعني العوائد الأميركية الأعلى منافسة أشد على تدفقات المحافظ التي استفادت منها مصر بقوة خلال العام.

اختبار بثلاث جبهات

يعني كل ذلك أن المعادلة التي تواجه مصر لا تتعلق بسعر برميل النفط منفردًا؛ وإنما ثالوث يتكون من: طاقة أكثر تكلفة، وعوائد عالمية أعلى، ومخاطر جيوسياسية تحيط بممرات التجارة ومصادر النقد الأجنبي.

لذلك قد لا يكون السؤال هو ما إذا كان ارتفاع النفط سيضغط على الاقتصاد المصري، فالأثر بدأ بالفعل بالظهور في فاتورة الطاقة، وإنما إلى أي مدى سيستمر النفط فوق 100 دولار، خصوصاً مع موازنة تقدر متوسط سعر البرميل عند 75 دولاراً، وهل تستطيع مصادر النقد الأجنبي والعائد المرتفع على أدوات الدين المحلية تعويض فاتورة خارجية قد تصبح أكثر تكلفة؟



وعلى أية حال، فإن المؤكد مع طول أمد الصدمة، ستتجاوز تداعياتها أرقام التجارة الخارجية أو شاشات الأسواق؛ فالفجوة بين سعر النفط العالمي وافتراضات الموازنة قد تزيد تكلفة توفير الوقود محليًا، وتعيد الضغوط على تسعير البنزين والسولار، بينما سينتج عن فاتورة الاستيراد الأعلى، طلبًا إضافيًا على الدولار، بما قد يضع سعر الصرف -الذي سجل أعلى مستوى في إبريل الماضي عند 54.75 جنيه لكل دولار -  تحت ضغوط جديد.

الفاتورة يدفعها المستهلك

وهنا تنتقل الصدمة إلى الشارع: تكلفة وقود أغلى ترفع أسعار المواصلات ونقل البضائع، ودولار أكثر كلفة يزيد فاتورة المستوردين ومدخلات إنتاج المصانع، قبل أن تنتقل أجزاء من هذه الزيادات إلى التاجر، ثم إلى السعر والفاتورة الذي يدفعها المستهلك في النهاية.

وهكذا تبدأ سلسلة الأحداث؛ من ناقلة نفط في مضيق هرمز وتقلبات في عوائد سندات الخزانة في نيويورك، وتنتهي على بعد آلاف الكيلومترات؛ سواء على رف متجر في منطقة "العتبة" أو ضمن فاتورة أسرة مصرية، مما يبرهن على أن المسافة الفاصلة بين اضطرابات الأسواق العالمية وجيب المواطن أقصر بكثير مما تبدو عليه على الخريطة، وجميعهم يشتركوا في عالم واحد: نفط أعلى، ودولار أغلى، وتمويل أكثر كلفة، وتضخم يجد طريقه سريعاً من وول ستريت إلى سوق الموسكي في القاهرة.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة