أصبح بإمكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب الآن فرض رسوم جمركية تصل إلى 100% على الدول التي تشتري النفط من روسيا، ما يضع الصين والهند في مرمى هذه الإجراءات بشكل مباشر.
وأقر مجلس النواب الأميركي يوم الأربعاء مشروع قانون شامل لفرض عقوبات على روسيا، ممهداً الطريق أمام ترامب لفرض رسوم جمركية على كبار مشتري الطاقة الروسية.
ويأتي ذلك بعد وقت قصير من قمة بريكس، التي أدان خلالها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقادة من دول الجنوب العالمي، من بينهم الصين والهند، العقوبات الاقتصادية الأحادية والعقوبات الثانوية، من دون تسمية الولايات المتحدة.
وقالت ديبورا إلمز، رئيسة سياسة التجارة في مؤسسة هينريش، إن أكبر خمسة مشترين للطاقة الروسية سيكونون «قلقين للغاية» بشأن إمكانية تطبيق مشروع القانون. وأضافت أن الصلاحيات الجديدة التي يمنحها القانون يمكن أن تمنح ترامب القدرة على «التحرك بقوة وسرعة في أي وقت ولأي سبب».
وستكون الصين والهند الأكثر تعرضاً لهذه الإجراءات، إذ اعتمد البلدان بشكل كبير على النفط الخام الروسي المخفض منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، في وقت أدت فيه الحرب مع إيران إلى زيادة الضغوط على إمدادات الطاقة. وقال خبراء إن أياً من الصين أو الهند لن تكون على الأرجح مستعدة لتقليص مشترياتها من النفط الروسي، رغم أن الرسوم الجمركية ستمنح واشنطن أداة ضغط في تعاملاتها مع نيودلهي وبكين.
وقال رونَك دي ديساي، الباحث الزائر في معهد هوفر بجامعة ستانفورد، لـ CNBC «سيوقع الرئيس ترامب هذا القانون وسيحتفظ بصلاحية فرض الرسوم الجمركية كأداة للضغط». وأضاف أن نحو «12 عضواً جمهورياً في مجلس النواب حثوا القيادة سراً على حذف بنود الرسوم الجمركية خشية ارتفاع الأسعار قبيل انتخابات التجديد النصفي».
وتتفاوض الهند حالياً على اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة، وتضغط على واشنطن للحصول على معدل تفضيلي مقارنة بمنافسيها، فيما من المقرر أن يلتقي الرئيس الصيني شي جين بينغ بترامب في وقت لاحق من هذا الشهر.
في أعقاب أزمة مضيق هرمز، ارتفعت حصة الهند والصين مجتمعتين من واردات النفط الروسي إلى الثلث، مقارنةً بخُمس الواردات سابقاً، وفقاً لبيانات شركة كبلر.
واشترت الصين نصف صادرات روسيا من النفط الخام حتى نهاية أغسطس آب، تلتها الهند التي استحوذت على 37%، ثم تركيا بنسبة 5% والاتحاد الأوروبي بنسبة 5%، وفقاً لمركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف.
وقال إيفان ريابوف، رئيس تحليل تداول النفط في كبلر، لـ CNBC إن استبدال 3.5 مليون برميل يومياً من إمدادات النفط الروسي المنقولة بحراً، إلى جانب نحو 600 ألف برميل يومياً تستوردها الصين عبر خطوط الأنابيب، سيكون «صعباً للغاية» على البلدين في ظل الظروف الحالية.
قال محللون إن من غير المرجح أن تزيد واشنطن التوترات مع بكين أو تغضبها قبيل القمة المقررة الأسبوع المقبل، في حين يُتوقع أن تتجاهل الصين المساعي الرامية إلى الحد من مشترياتها من النفط الروسي.
وقال مارتن تشورزيمبا، الزميل الأول في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، إن ميل بكين إلى التصدي للعقوبات الأميركية سيحد أيضاً من مدى تطبيق ترامب للرسوم الجمركية. وأضاف أنه إذا أصبح مشروع القانون قانوناً نافذاً «فسترد الصين بالتأكيد».
واتفق دان وانغ، مدير شؤون الصين في مجموعة أوراسيا، مع هذا الرأي، متوقعاً أن تتحدى بكين أي قيود وتواصل استيراد النفط من روسيا لإعطاء الأولوية لأمن الطاقة. وقال وانغ إن أي تراجع ملموس في واردات الصين من النفط والغاز الروسيين قد يضر بأمن الطاقة في البلاد، وهو أمر «غير مقبول سياسياً».
وقال ستيفن أولسون، الزميل الأول الزائر في معهد «ISEAS يوسف إسحاق» لرويترز، «من غير المرجح أن تتخذ الولايات المتحدة أي إجراءات قد تفسد الوضع القائم».
وظلت روسيا لسنوات أكبر مورد للنفط والغاز الطبيعي إلى الصين، إذ تستحوذ على نحو خُمس واردات الصين من النفط الخام و10% من استهلاكها من الغاز الطبيعي.
وقال أولسون إن واشنطن قد تجد بعض «مساحة للمناورة» في توقيت فرض هذه الرسوم الجمركية أو حجمها، إذا دخل أي منها حيز التنفيذ بالفعل. وأضاف أن بكين قد تصدر من جانبها بياناً تعرب فيه عن معارضتها الشديدة لمشروع القانون، ثم «تنتظر لترى ما سيحدث فعلياً».
وفي يوم الأربعاء، قال مبعوث العقوبات الأوكراني إن روسيا قد تُجبر على التراجع عن الحرب خلال ستة أشهر إذا انخفضت عائداتها النفطية إلى النصف، داعياً حكومات الدول الآسيوية إلى إغلاق الثغرات التي تسمح لناقلات النفط الروسية ومكونات الأسلحة بالمرور عبر المنطقة من دون رصدها.
ردت وزارة الخارجية الهندية يوم الخميس على إقرار مشروع قانون العقوبات على روسيا، قائلة إن البلاد «لا تزال ملتزمة بقوة بضمان أمن الطاقة لمليار و400 مليون شخص»، مضيفة أن الحكومة ستعمل بشكل وثيق مع الهيئات التجارية والصناعية الهندية للتعامل مع تداعيات هذه التطورات.
وتضع احتمالات فرض الرسوم الجمركية الهند في موقف صعب بشكل خاص، إذ لم تستكمل نيودلهي بعد اتفاقاً تجارياً مع الولايات المتحدة، في وقت تزداد فيه اعتماداً على إمدادات النفط الخام الروسي.
وقال خبراء لـ CNBC إن الهند لا تستطيع تحمل استبدال الإمدادات النفطية القادمة من موسكو، كما أن نيودلهي لا تملك «الحيز السياسي» الذي يسمح لها بذلك تحت الضغط الأميركي.
وقال هارش بانت، نائب رئيس الدراسات والسياسة الخارجية في مؤسسة أوبزرفر للأبحاث، لـ CNBC إن «المزاج العام في الهند تجاه الولايات المتحدة بدأ يتحول إلى السلبية»، مضيفاً أن أحدث خطوة أميركية بفرض رسوم جمركية ستعمل فقط على «تسريع هذه العملية».
وبعد الحرب مع إيران، استبدلت نيودلهي جزءاً كبيراً من الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط بإمدادات من روسيا، إلى جانب كميات من فنزويلا. ووفقاً لبيانات كبلر، شكّل النفط الروسي أكثر من 50% من مشتريات الهند من الخام خلال يونيو حزيران ويوليو تموز، وتجاوزت حصته 40% في أغسطس آب.
وقال أربيت تشاتورفيدي، مستشار جنوب آسيا في شركة «تينيو» للاستشارات الاستراتيجية، «هذه المرة، التوقع المعلن من واشنطن هو أن تتوقف الهند عن استيراد النفط الروسي، بشكل مباشر أو غير مباشر». وأضاف أن ذلك «سيؤثر في الخيارات الاقتصادية للهند، وسيكون من الصعب على نيودلهي الامتثال له».
وفرضت الولايات المتحدة في أغسطس آب الماضي رسوماً جمركية عقابية بنسبة 25% على الهند بسبب شراء النفط الروسي، لترفع الرسوم على الواردات الهندية إلى 50%. وفي فبراير شباط، خُفضت الرسوم إلى 18%، بعدما قال ترامب إن الهند «وافقت على التوقف عن شراء النفط الروسي، وشراء كميات أكبر بكثير من الولايات المتحدة، وربما من فنزويلا».
لكن نيودلهي لم تؤيد التفاصيل التي أعلنها ترامب، وتؤكد أن ضمان أمن الطاقة هو الدافع الوحيد وراء مشترياتها من الطاقة.
وقال أتمان تريفيدي، الشريك في مجموعة «دي جي إيه ألبرايت ستونبريدج» التي تتخذ من واشنطن مقراً لها، لـ CNBC إن «خطر فرض رسوم جمركية أميركية إضافية على الهند، سواء في المستقبل القريب أو في مرحلة لاحقة، يشكل عقبة أمام إبرام الاتفاق التجاري الثنائي».
وقال تريفيدي إن التشريع يمنح الرئيس أداة جديدة لفرض العقوبات، لكنه يملك خيار استخدامها أو عدم استخدامها، مضيفاً أن مشروع القانون يتضمن استثناءات في ظروف معينة.
ورجح أن تسعى الحكومة الهندية «بهدوء إلى الحصول على تأكيد» من البيت الأبيض بشأن إمكانية تأهلها للحصول على إعفاء من هذه الإجراءات.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي