وفق معظم الاقتصاديين وخبراء السوق، وحتى مسؤولي الاحتياطي الفدرالي، فإن السيناريو المتوقع للاقتصاد الأميركي خلال الفترة المتبقية من عام 2026 يشير إلى نمو قوي ومستقر. ومع ذلك، ثمة أسباب وجيهة تدعو للتشكيك في هذا التوقع الذي يفترض مساراً هادئاً ومستقراً.
ولعل خير مثال على هذا الإجماع المتفائل هو "ملخص التوقعات الاقتصادية" الأخير الصادر عن الاحتياطي الفدرالي الأميركي عقب اجتماع البنك المركزي يوم الأربعاء؛ فوفقاً لتقرير اللجنة الفدرالية للسوق المفتوحة FOMC، لم يرَ أي من المشاركين أن مخاطر نمو الناتج المحلي الإجمالي تميل نحو الانخفاض.
وفي الوقت نفسه، وعقب رفع أسعار الفائدة هذا الأسبوع، وهي الخطوة الأولى من نوعها منذ ثلاث سنوات، لا يتوقع المستثمرون والمحللون أن يتخذ الاحتياطي الفدرالي إجراءات إضافية تذكر، وفق بزنس إنسايدر.
ففي ظل توقعات بنمو قوي وظروف مالية متينة، تسعّر الأسواق احتمال رفع أسعار الفائدة مرتين أخريين فقط بين الوقت الراهن وشهر مارس، دون توقعات بإجراءات أخرى جوهرية.
ومرة أخرى، يبدو هذا التفاؤل مبالغاً فيه بالنظر إلى المخاطر القريبة المدى المتمثلة في احتمالية عودة التضخم للارتفاع مجدداً في الأشهر المقبلة.
ورغم الخطابات السائدة، يواجه الاقتصاد الأميركي ضغوطاً من جبهتين: الأولى هي تباطؤ الإنفاق الاستهلاكي، حيث يقلص الأميركيون إنفاقهم في ظل ارتفاع معدلات التضخم، وبطء نمو الدخل، وحالة عدم اليقين الجيوسياسي.
أما الجبهة الثانية فتتمثل في استئناف الاحتياطي الفدرالي لسياسة رفع أسعار الفائدة، وهي خطوة ستؤدي في نهاية المطاف إلى إبطاء وتيرة الاقتصاد لكبح جماح ارتفاع الأسعار. ومع استمرار التضخم فوق المستوى المستهدف من قبل الفدرالي الأميركي، يصبح تبرير الأمل في تراجع التضخم تلقائياً أمراً يزداد صعوبة مع مرور كل شهر.
ثمة أسباب تدعو لتوقع تباطؤ الإنفاق الاستهلاكي، وأخرى ترجح ألا يلعب الاحتياطي الفدرالي دور "ممتص الصدمات"؛ والنتيجة النهائية لذلك واضحة: ارتفاع طفيف في معدلات البطالة وتشديد نسبي لظروف الأسواق المالية (أي انخفاض أسعار الأسهم)، وذلك بهدف تحقيق تباطؤ في معدلات التضخم في نهاية المطاف.
من المرجح أن يتباطأ نشاط المستهلك
في السنوات الأخيرة، كان المستهلكون الأميركيون المحرك الرئيسي للاقتصاد. ورغم أن الذكاء الاصطناعي قد استأثر باهتمام كبير، إلا أن مرونة المستهلك ظلت عاملاً دافعاً مهماً للناتج المحلي الإجمالي الأميركي.
ففي النصف الأول من عام 2026، قام الأميركيون بدورهم واستخدموا قدراتهم الشرائية لدعم الاقتصاد؛ إذ ساهم الاستهلاك الحقيقي، في الربع الثاني من العام، بنحو 2.5 نقطة مئوية في معدل النمو. ورغم أن النمو في الربع الحالي لا يزال يسير بوتيرة متسارعة للغاية، إلا أن هناك أسباباً تدعو للقلق بشأن احتمالية عدم استمرار مستويات الإنفاق الحالية خلال الفترة المتبقية من العام.
ويتمثل السبب الأكثر وضوحاً لهذا التباطؤ في تلاشي الدفعة الإيجابية التي وفرتها استردادات الضرائب المرتفعة. ففي النصف الأول من العام، شهد الأميركيون زيادة بنحو 11% في متوسط مبالغ استرداد الضرائب مقارنة بالعام السابق، وذلك بفضل التغييرات التي أقرها قانون الإصلاح الضريبي، المعروف بـ "القانون الكبير والرائع" Big Beautiful Bill في العام الماضي.
ساهمت هذه الزيادة في الدخل، الناجمة عن انخفاض الضرائب، بمقدار 0.4 نقطة مئوية في الناتج المحلي الإجمالي الأميركي حتى الآن في عام 2026، وفقاً لمقياس الأثر المالي الصادر عن معهد "بروكينغز".
ورغم هذا العامل الداعم، لم ينمُ إنفاق المستهلكين (المعدل وفقاً للتضخم) إلا بوتيرة سنوية بلغت 2.0% خلال النصف الأول من العام، وهو معدل يماثل ما سُجل في عام 2025.
ومن المتوقع أن تتباطأ مساهمة الضرائب والمزايا في الناتج المحلي الإجمالي الأميركي لتصل إلى الصفر في النصف الثاني من العام، ثم تتحول إلى عامل يعيق الاقتصاد في عام 2027؛ وبعبارة أخرى، فإن السياسة المالية تتحول من قوة دافعة (عامل مساعد) إلى قوة معوقة (عامل ضاغط).
وإلى جانب فقدان الدفعة الإيجابية الناتجة عن استرداد الضرائب، ستجد الأسر الأميركية نفسها قريباً مضطرة للتعامل مع "ضريبة" أخرى ناجمة عن حالة عدم اليقين الجيوسياسي، وتتمثل في ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية. فمع استمرار الحرب في إيران، ستنعكس أسعار السلع الأساسية المرتفعة على التكاليف التي يدفعها المستهلكون عند محطات الوقود ومتاجر البقالة.
وتتمثل إحدى طرق قياس هذه الصدمة في مقارنة تحركات معدل التضخم العام ومعدل التضخم الأساسي؛ حيث يشمل الأول جميع السلع، بينما يستبعد الثاني أسعار الغذاء والطاقة. وقد تقلصت الفجوة بين هذين المقياسين خلال الأشهر الثلاثة الماضية، مما يشير إلى تراجع الضغط السعري الناجم عن أسعار الوقود والبيض وما شابه ذلك.
ارتفاع أسعار الطاقة
ومع ذلك، تشير الدلائل إلى أن الفترة المتبقية من العام ستكون أكثر صعوبة بعض الشيء؛ فعلى صعيد الطاقة، تشهد أسعار منتجات الطاقة المكررة ارتفاعاً مستمراً. سجلت أسعار بيع البنزين بالتجزئة على مستوى البلاد ارتفاعاً بمتوسط 1.25 دولار للجالون مقارنةً بالفترة نفسها من العام. ويُعد هذا الأمر مثيراً للقلق بشكل خاص، نظراً لأن أسعار الطاقة عادةً ما تنخفض في هذه المرحلة من الموسم بفضل انتهاء ذروة حركة القيادة الصيفية.
علاوة على ذلك، فإن ارتفاع أسعار الديزل والسلع الزراعية، وهما عاملان رئيسيان في زيادة التكاليف بالنسبة للمزارعين وغيرهم من الأطراف في سلسلة التوريد الزراعية، يعني أن أسعار السلع في متاجر البقالة ستشهد على الأرجح تسارعاً في وتيرة الارتفاع مع اقتراب نهاية العام.
وباختصار، فإن "صدمة الأسعار" التي يشعر بها الأمريكيون عند محطات الوقود وفي ممرات متاجر البقالة ستزداد حدة خلال الفترة المتبقية من العام.
ارتفاع الرهن العقاري
أما العامل الأخير الذي قد يعيق إنفاق المستهلكين فيأتي من سوق الإسكان، وذلك مع صعود أسعار الفائدة على الرهن العقاري وتراجع أعداد الأميركيين الذين ينتقلون إلى مساكن جديدة. فقد كانت مبيعات المنازل تتباطأ بالفعل قبل الارتفاع الأخير في أسعار الفائدة على الرهن العقاري، التي تجاوزت مؤخراً حاجز 7% للمرة الأولى منذ أكثر من عام.
ومع تباطؤ مبيعات المنازل، تتراجع أيضاً عمليات شراء السلع المنزلية الكبيرة مثل الأثاث والأجهزة المنزلية والسجاد. وعادةً ما يستغرق الأمر ستة أشهر حتى ينعكس تباطؤ مبيعات المنازل في صورة انخفاض للإنفاق على السلع باهظة الثمن؛ وهي نقطة مهمة نظراً لأن مساهمة قطاع المفروشات والمعدات المنزلية المعمرة كانت قوية ومؤثرة بشكل لافت خلال الربع الثاني.
ويشير تباطؤ مبيعات المنازل على مدى الأشهر القليلة الماضية إلى أن هذا الأداء الإيجابي سيتحول إلى وضع سلبي بحلول نهاية العام.
إن تضاؤل الدعم المالي الحكومي، وتزايد التكاليف الناجمة عن التوترات الجيوسياسية، وانخفاض معدلات الانتقال السكني -وكل ذلك في ظل نمو بطيء نسبياً للأجور والرواتب، يشير إلى أن وتيرة نمو استهلاك الأسر ستشهد على الأرجح تباطؤاً أو اعتدالاً في العام المقبل.
ويُعد الاستهلاك ركيزة أساسية للنمو الاقتصادي في الولايات المتحدة، والأهم من ذلك أن عدد الوظائف المرتبطة بإنفاق المستهلكين يفوق بكثير تلك المرتبطة باستثمارات الشركات؛ فإذا تراجع إقبال الناس على الشراء، فلن تكون الشركات بحاجة إلى إنتاج كميات كبيرة من السلع.
الفدرالي يواصل سياسة التشديد
في الوقت الذي يشد فيه المستهلكون الأميركيون أحزمتهم ويقلصون إنفاقهم، يواصل الاحتياطي الفيدرالي أيضاً تشديد سياسته النقدية. فقد رفع البنك المركزي أسعار الفائدة يوم الأربعاء، ورغم أن توقعات السوق كانت فاترة وغير مفاجئة، إلا أن من المرجح أن تشهد الفترة المقبلة زيادات إضافية. ومن شأن استمرار رفع الفائدة أن يؤدي إلى تباطؤ الاقتصاد؛ وهذا هو في النهاية الهدف من تشديد السياسة النقدية: كبح الطلب وإعادة أسعار المستهلكين إلى المستوى المستهدف للتضخم.
ويكمن السبب الرئيسي وراء الزيادات المرتقبة في أن التقدم المحرز في كبح التضخم قد توقف؛ إذ لا يزال التضخم الأساسي يتجاوز 3%، وتشير التوقعات إلى أنه لن يقترب من المستوى المستهدف إلا بعد سنوات.
ورغم أن أرقام التضخم الحالية ليست جيدة، إلا أنني أرى أن القضية الأهم تكمن في ميزان المخاطر المتعلقة بتوقعات التضخم المستقبلية. فمن الصعب العثور على سبب يدعو للاعتقاد بأن التضخم سيهدأ بشكل ملموس في أي وقت قريب، مما يزيد من خطر ترسيخه؛ فعندما يبدأ الناس في الاعتقاد بأن المزيد من ارتفاعات الأسعار تلوح في الأفق، يصبحون أكثر تقبلاً لهذا التضخم، مما يجعل القضاء عليه أمراً أكثر صعوبة.
ومن ثم، فإن الارتفاع الأخير في توقعات التضخم على المدى القصير، والتي تتصاعد بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الطاقة، يمثل تحدياً للاحتياطي الفدرالي.
وإلى جانب التوقعات وارتفاع أسعار السلع الأساسية، يبدو أن هناك عوامل أخرى مهمة ساهمت في الزيادة الأخيرة للتضخم مرشحة هي الأخرى للتصاعد.
فعلى سبيل المثال، أدت أسعار رقائق أشباه الموصلات، وهي التقنية الحيوية التي تغذي طفرة الذكاء الاصطناعي، إلى رفع معدل التضخم الأساسي (المقاس بمؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي) بمقدار 0.6 نقطة مئوية خلال الأشهر الستة الماضية، ولا تلوح في الأفق أي بوادر على انفراج أزمة نقص الإمدادات (الاختناق) في القريب العاجل.
في ظل وجود إجماع حول وضع الاقتصاد، من المهم دائماً إدراك العوامل التي قد تقلب الموازين وتغير المشهد تماماً.
واستناداً إلى قراءة بزنس إنسايدر لاتجاهات المستهلكين وإصرار الاحتياطي الفدرالي المتجدد على مكافحة التضخم، يتضح أن هناك سببين جوهريين يدعوان للاعتقاد بأن الاقتصاد الأميركي يقف على أرضية أقل استقراراً مما يبدو عليه الحال.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي