أميركا والصين.. مزيد من الصراع أم تمديد للهدنة الاقتصادية؟

نشر
آخر تحديث

استمع للمقال
Play

 

واصلت أميركا والصين الحفاظ على هدنة هشة في الحرب التجارية التي تُعد من أكثر الصراعات الاقتصادية تأثيراً في العالم، عقب القمة التي جمعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين خلال مايو 2026، وسط تأكيد خبراء أن فك الارتباط الكامل بين أكبر اقتصادين في العالم لا يزال مستبعداً، بينما تبقى الرسوم الجمركية المرتفعة وقيود تصدير المعادن النادرة وضوابط تصدير التكنولوجيا من أبرز نقاط الخلاف بين البلدين، بحسب مجلس العلاقات الخارجية الأميركي. 

 



 

الرسوم الجمركية

وتواجه أميركا والصين توترات تجارية متصاعدة تحمل تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد ونظام التجارة الدولية، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى الحد من ما تعتبره ممارسات تجارية غير عادلة من جانب بكين.

وفرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوماً جمركية على الصين عام 2018، واستمر العمل بمعظمها خلال إدارة الرئيس جو بايدن، قبل أن ترتفع بصورة أكبر خلال الولاية الثانية لترامب، بينما ردت بكين بفرض رسوم مضادة وتشديد قيود تصدير المعادن النادرة والمواد الحيوية المستخدمة في تطوير التكنولوجيا المتقدمة، وفق تحليل Council of Forign Relations.

وأبقت المحكمة العليا الأميركية على الجزء الأكبر من الرسوم المرتبطة بالحرب التجارية رغم إبطالها بعض الرسوم التي فرضت استناداً إلى قوانين الطوارئ، في حين لم تسفر قمة ترامب وشي في بكين عن اتفاق شامل يعيد العلاقات التجارية إلى طبيعتها.

 

كما ساهمت العلاقات التجارية بين البلدين في تحقيق مكاسب كبيرة للطرفين خلال العقود الماضية، إذ أصبحت الصين واحدة من أكبر أسواق الصادرات الأميركية للسلع والخدمات، فيما تعد أميركا أكبر سوق للصادرات الصينية.

وأدى هذا التبادل التجاري، الذي تسارع بعد انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، إلى خفض أسعار السلع للمستهلك الأميركي وزيادة أرباح الشركات الأميركية، لكنه تزامن أيضاً مع خسارة وظائف صناعية في الولايات المتحدة نتيجة المنافسة مع الواردات والأتمتة وانتقال بعض المصانع إلى الخارج.

 



 

التوترات الاقتصادية

تصاعدت التوترات الاقتصادية بين واشنطن وبكين على مدى العقدين الماضيين مع اتهامات أميركية للصين بعدم الالتزام الكامل بتعهداتها داخل منظمة التجارة العالمية واستغلال ثغرات في قواعد التجارة العالمية المصممة أساساً للاقتصادات القائمة على آليات السوق، بينما لم تتحقق التوقعات الغربية بشأن تقليل التدخل الحكومي الصيني في الاقتصاد والانفتاح السياسي والاقتصادي الأوسع.

وصعّد ترامب خلال ولايته الثانية ضغوطه التجارية على الصين، بعدما أنهى استثناء "دي مينيميس" الذي كان يسمح بدخول البضائع الصينية التي تقل قيمتها عن 800 دولار من دون رسوم جمركية، وفرض رسوماً بنسبة %10 على السلع الصينية.

وردت بكين بإجراءات مماثلة، ما أدى إلى تصعيد متبادل بلغ ذروته في أبريل 2025 عندما وصلت الرسوم الأميركية على الواردات الصينية إلى %145، مقابل رسوم صينية بلغت %125 على السلع الأميركية.

ومدد الجانبان خلال لقاء عقد في كوريا الجنوبية في أكتوبر 2025 هدنة تجارية تم التوصل إليها في جنيف خلال مايو من العام نفسه، وخفضت واشنطن بعض الرسوم المرتبطة بملف مكافحة الفنتانيل، بينما وافقت الصين على استئناف شراء فول الصويا الأميركي وتأجيل فرض قيود إضافية على صادرات المعادن النادرة لمدة عام.

وخفض البلدان لاحقاً الرسوم الجمركية إلى %30 من الجانب الأميركي و%10 من الجانب الصيني بنهاية نوفمبر 2025. وبعد قرار المحكمة العليا الأميركية في فبراير 2026، فرض ترامب رسوماً عامة بنسبة %10 لمدة 150 يوماً بانتظار مراجعة شاملة للسياسة الجمركية.

نتائج الحرب التجارية

وأظهرت النتائج الأولية للحرب التجارية تراجع الصادرات والواردات المتبادلة بين البلدين بأكثر من %25 بحلول نهاية 2025، بينما حققت الصين فائضاً تجارياً بلغ 1.1 تريليون دولار خلال العام نفسه رغم الرسوم الأميركية.

كما تدرس الإدارة الأميركية إنشاء مجلس تجارة رسمي لتنظيم الاتفاقات التجارية مع الصين.

وسجلت أميركا عجزاً تجارياً في السلع مع الصين بلغ 202 مليار دولار، وهو الأكبر مقارنة بأي دولة أخرى، لكنه الأدنى منذ عقدين.

وفي المقابل حققت الولايات المتحدة فائضاً في تجارة الخدمات مع الصين بلغ 33 مليار دولار خلال 2024، وهو ما يعتبره عدد من الخبراء عاملاً يخفف من حجم العجز التجاري الإجمالي.

وتشكل أميركا والصين معاً نحو %43 من الناتج المحلي الإجمالي العالمي ونحو %48 من الإنتاج الصناعي العالمي وفق بيانات عام 2023.

كما تعد الصين ثالث أكبر سوق للصادرات الأميركية بعد كندا والمكسيك بإجمالي تجاوز 195 مليار دولار خلال 2024.

وتحتفظ الصين كذلك بحيازات من سندات الخزانة الأميركية تبلغ نحو 760 مليار دولار، ما يجعلها ثاني أكبر دائن أجنبي للولايات المتحدة بعد اليابان.


 


العجز التجاري الأميركي مع الصين

بدأت الحرب التجارية رسمياً عام 2018 عندما تجاوز العجز التجاري الأميركي مع الصين 377 مليار دولار. وسعى ترامب آنذاك إلى تقليص الواردات الصينية وإعادة الوظائف الصناعية إلى أميركا وإجبار بكين على تغيير سياساتها المتعلقة بالملكية الفكرية، إلا أن العديد من هذه الأهداف لم تتحقق وفق تقييمات خبراء الاقتصاد.

ووقّع الطرفان في 2020 اتفاق "المرحلة الأولى" الهادف إلى وقف التصعيد التجاري وتوسيع الحماية التجارية الأميركية، متضمناً تعهد الصين بشراء سلع أميركية إضافية بقيمة 200 مليار دولار، إلا أن بكين لم تحقق هذه الالتزامات بالكامل.

وأبقت إدارة بايدن رسوماً على واردات صينية بقيمة تقارب 360 مليار دولار، كما رفعت الرسوم على السيارات الكهربائية الصينية إلى أربعة أضعاف، وعلى الصلب والألمنيوم إلى ثلاثة أضعاف، وضاعفت الرسوم على أشباه الموصلات،

إضافة إلى فرض قيود واسعة على تصدير التقنيات المتقدمة والاستثمارات الأميركية في قطاعات حساسة داخل الصين.

ويرى عدد من الخبراء أن الرسوم الجمركية لم تقلص فعلياً الصادرات الصينية، إذ نقلت شركات صينية جزءاً من إنتاجها إلى دول أخرى مثل المكسيك وفيتنام، قبل أن تصل المنتجات في النهاية إلى السوق الأميركية عبر هذه الدول.

 



 

تاريخ العلاقات التجارية

وشهدت العلاقات التجارية بين البلدين تحولات كبيرة منذ تطبيع العلاقات الدبلوماسية عام 1979.

وانضمت الصين إلى منظمة التجارة العالمية في ديسمبر 2001 بعد سلسلة إصلاحات اقتصادية وتعهدات شملت خفض الرسوم الجمركية وتعزيز حماية الملكية الفكرية ورفع مستويات الشفافية التنظيمية.

قفزت قيمة الواردات الأميركية من السلع الصينية من نحو 100 مليار دولار عام 2001 إلى أكثر من 400 مليار دولار عام 2023، مستفيدة من موقع الصين المركزي في سلاسل الإمداد العالمية، حيث تعتمد شركات التكنولوجيا الكبرى على مكونات يتم إنتاجها أو تجميعها داخل الصين.

واستفاد المستهلك الأميركي من انخفاض الأسعار، إذ خلصت دراسة اقتصادية إلى أن زيادة التجارة مع الصين رفعت القوة الشرائية السنوية للأسرة الأميركية المتوسطة بنحو 1500 دولار بين عامي 2000 و2007.

وحققت الصين بدورها مكاسب ضخمة من الانفتاح التجاري، إذ نما اقتصادها بأكثر من خمسة أضعاف منذ انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية بعد احتساب التضخم، وأصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم، كما خرج مئات الملايين من الفقر المدقع بفضل هذا النمو.


 


 

الصناعات الصينية

دعمت الحكومة الصينية صناعات عدة عبر برامج دعم ضخمة بهدف إنشاء شركات وطنية رائدة، وهو ما يراه منتقدون ممارسة تشوه المنافسة العالمية.

 كما اتهم اقتصاديون بكين بإبقاء عملتها عند مستويات منخفضة نسبياً خلال سنوات طويلة لتعزيز القدرة التنافسية للصادرات الصينية.

وتصدرت الإلكترونيات والآلات والمنسوجات قائمة الصادرات الصينية إلى السوق الأميركية، وتشمل الهواتف الذكية والحواسيب والمكونات الإلكترونية الرئيسية. كما واصلت الصادرات الصينية النمو مدفوعة بالطلب العالمي القوي على المنتجات التقنية والسلع المصنعة.

واستوردت الصين من أميركا منتجات تشمل الحبوب والبذور الزيتية والنفط والغاز والأدوية والمنتجات الكيميائية. وأنفقت خلال 2024 نحو 13.5 مليار دولار على النفط و12.5 مليار دولار على فول الصويا الأميركي.

المنافسة التكنولوجية

احتلت المنافسة التكنولوجية موقعاً محورياً في العلاقة الاقتصادية بين البلدين. واعتبرت واشنطن تطبيق "تيك توك" التابع لشركة بايت دانس ByteDance وشركة هواوي Huawei من مصادر المخاطر الأمنية، بينما تتهم الصين الولايات المتحدة بمحاولة كبح تطورها التقني.

وتصاعد السباق في مجال الذكاء الاصطناعي مع سعي الجانبين إلى تحقيق الريادة في التكنولوجيا الجديدة ذات الاستخدامات الاقتصادية والعسكرية.

وبرزت شركة ديب سيك DeepSeek الصينية مطلع 2025 بعدما أطلقت نموذجاً متقدماً للذكاء الاصطناعي قيل إنه يقدم أداء قوياً بتكلفة واستهلاك طاقة أقل.

الرقائق الإلكترونية

فرضت أميركا قيوداً على تصدير الرقائق الإلكترونية المتقدمة إلى الصين منذ 2018، مستهدفة الحد من وصول بكين إلى التكنولوجيا المستخدمة في الهواتف والحواسيب وأنظمة التسليح والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وتلعب تايوان دوراً محورياً في هذا الملف، إذ تنتج نحو %90 من الرقائق الإلكترونية المتقدمة عالمياً.

وتعد شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات Taiwan Semiconductor Manufacturing Company (TSMC) المورد الرئيسي لشركات أميركية كبرى مثل أبل Apple، كما استثمرت في منشآت تصنيع داخل الولايات المتحدة.

وأجبرت التشريعات الأميركية شركة بايت دانس ByteDance على التخارج من معظم أصول تطبيق تيك توك داخل الولايات المتحدة.

وانتهت العملية ببيع نحو %80 من الأصول إلى مشروع أميركي مشترك يضم شركة أوراكل Oracle وصندوق سيلفر ليك Silver Lake وشركة إم جي إكس MGX، بينما احتفظت الشركة الصينية بحصة تبلغ %19.9.


 


 

حقوق الملكية الفكرية

وقدّرت تحالفات متخصصة في الأمن القومي والملكية الفكرية خسائر سرقة حقوق الملكية الفكرية الصينية للاقتصاد الأميركي بما يتراوح بين 300 و600 مليار دولار سنوياً، رغم تحسن بعض القوانين الصينية خلال السنوات الأخيرة.

وتهيمن الصين على قطاع المعادن النادرة عالمياً، إذ تنتج نحو %60 من الإمدادات العالمية وتعالج ما يقرب من %90 من مغناطيسات المعادن النادرة المستخدمة في صناعة السيارات وأشباه الموصلات والأسلحة والمنظومات التقنية المختلفة.

وطورت بكين إطاراً موحداً للتحكم في صادرات التقنيات والسلع ذات الاستخدام المزدوج منذ عام 2020، ووسعت في أكتوبر 2025 متطلبات التراخيص الخاصة بالمعادن النادرة ومغناطيساتها، ما أثار مخاوف دولية بشأن أمن سلاسل الإمداد العالمية.

الطاقة النظيفة

كما حولت الصين استثمارات ضخمة نحو الطاقة النظيفة خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت لاعباً رئيسياً في التحول الطاقي العالمي. وتضاعفت قدرة توليد الطاقة الشمسية لديها أربع مرات بين 2021 و2025، في وقت لا يزال النفط المصدر الرئيسي للطاقة في الولايات المتحدة.

وأصبحت الصين أكبر مصدر للسيارات التقليدية والكهربائية في العالم خلال 2025، مستفيدة من انخفاض تكاليف الإنتاج والتقدم التقني.

وردت أميركا وأوروبا بفرض رسوم جمركية لحماية الصناعات المحلية، إذ فرضت إدارة بايدن رسوماً بنسبة %100 على السيارات الكهربائية الصينية و%25 على بطاريات الليثيوم المستخدمة فيها، بينما فرض ترامب رسوماً على الغرافيت الصيني المستخدم في صناعة البطاريات.



مزيد من الصراع.. أم تمديد للهدنة؟

وتشير المؤشرات الحالية إلى أن الصراع التجاري بين أميركا والصين تجاوز كونه خلافاً حول الرسوم الجمركية والعجز التجاري، ليتحول إلى منافسة شاملة على النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي وسلاسل الإمداد العالمية.

وبينما يواصل الطرفان تبادل الضغوط عبر الرسوم والقيود التجارية والتكنولوجية، فإن تشابك المصالح الاقتصادية بين أكبر اقتصادين في العالم يجعل الوصول إلى فك ارتباط كامل أمراً بالغ الصعوبة.

وفي ظل استمرار الخلافات حول التكنولوجيا المتقدمة والمعادن النادرة والطاقة والصناعات الاستراتيجية، تبدو الهدنة الحالية مجرد محطة مؤقتة في مسار تنافسي طويل سيواصل تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة