يدفع الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي الشركات إلى إعادة النظر في توظيف الموظفين الجدد بعدما بات قادراً على تنفيذ العديد من المهام الأساسية التي كانت تُسند تقليدياً إلى الموظفين المبتدئين، مثل البحث وكتابة المسودات والبرمجة والأعمال الإدارية.
تراجع أهمية المهام التقليدية
أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على إنجاز جزء كبير من الأعمال الروتينية داخل الشركات، الأمر الذي أدى إلى تغير نظرة المؤسسات إلى الوظائف المبتدئة.
وقال مؤسس وكالة كاتاليست Catalyst الإعلانية توبياس غرين إن موظفاً مبتدئاً واحداً بات قادراً على إدارة خمسة حسابات عملاء مختلفة، بعدما أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي تتولى عمليات البحث وإعداد المسودات الأولية وجمع البيانات، بحسب تقرير نشرته شبكة CNBC. الأربعاء 23 سبتمبر/أيلول.
وأضاف أن دور الموظف أصبح يتركز على مراجعة المخرجات وتحسينها بدلاً من تنفيذها بالكامل.
تغير في معايير التوظيف
يرى عدد متزايد من الشركات أن المهارات المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي أصبحت أكثر أهمية من بعض المهام التقليدية التي كانت تمثل أساس التدريب المهني للمبتدئين.
وقال توبياس غرين إن الموظفين لم يعودوا بحاجة إلى تعلم جميع المهام الروتينية السابقة، بل أصبحوا بحاجة إلى تعلم كيفية توجيه أدوات الذكاء الاصطناعي والاستفادة منها.
انخفاض توظيف المناصب المبتدئة
أظهر تقرير مقياس الأعمال لعام 2026 الصادر عن الجامعة المفتوحة البريطانية أن %51 من قادة الأعمال يرون أن الذكاء الاصطناعي يغير أساليب التوظيف.
وأشار %19 من المشاركين إلى أنهم خفضوا التوظيف في الوظائف المبتدئة، بينما عزت %42 من هذه الشركات القرار إلى اعتماد الذكاء الاصطناعي.
مخاوف على مسار التطور المهني
حذر خبراء من أن تقليص الوظائف المبتدئة قد يؤثر على فرص اكتساب الخبرة العملية وبناء المهارات اللازمة للترقي الوظيفي.
وقالت النائبة الأولى لرئيس المنتجات العالمية في شركة إس إتش إل SHL لوسي بومونت إن الوظائف المبتدئة تمثل البيئة التي يكتسب فيها الموظفون الخبرات الأساسية ويتعلمون من أخطائهم ويفهمون طبيعة العمل المؤسسي.
وأضافت أن إلغاء هذه المرحلة قد تكون له تداعيات خطيرة على جميع مستويات العمل مستقبلاً.
نموذج تنظيمي جديد
أشارت لوسي بومونت إلى أن بعض الشركات بدأت تتحول من الهيكل الهرمي التقليدي إلى نموذج يشبه "الماسة"، مع وجود عدد أكبر من الموظفين في المستويات المتوسطة.
ورأت أن هذا التوجه قد يحل بعض المشكلات قصيرة الأجل، لكنه قد يخلق أزمة مستقبلية في إعداد الكفاءات للقيادة والإدارة.
وظائف جديدة بدلاً من القديمة
رغم المخاوف، لا يعتقد الخبراء أن الوظائف المبتدئة ستختفي بالكامل.
وأظهر استطلاع أجرته شركة كلاروس Klarus أن %45 من الشركات تستخدم الذكاء الاصطناعي لمساعدة الموظفين المبتدئين على العمل بصورة أسرع وأكثر كفاءة.
كما أفاد نحو ربع المشاركين بأن التقنية تخلق وظائف وفرصاً جديدة.
تحول في قطاع البرمجيات
يشهد قطاع تطوير البرمجيات أحد أكبر التحولات، إذ أصبح المطورون مسؤولين بشكل متزايد عن الإشراف على أعمال تنفذها أدوات الذكاء الاصطناعي إلى جانب الفرق البشرية.
وقالت المديرة التنفيذية للعمليات في مجموعة إف دي إم FDM Group شيلا فلافل إن المهارات المرتبطة بالتعاون وإدارة العمل أصبحت تحظى بأهمية متزايدة.
التوظيف وفق الإمكانات لا التخصص
بدأت بعض المؤسسات الابتعاد عن توظيف الخريجين لشغل وظائف محددة مسبقاً.
وبدلاً من ذلك، أصبحت تركز على تقييم القدرات العامة والقابلية للتعلم وإعادة التأهيل المهني قبل تحديد مواقع العمل المناسبة للموظفين.
وأشارت لوسي بومونت إلى أن بعض البنوك العالمية باتت تبحث عن خريجين من تخصصات مثل علم النفس والقانون، على اعتبار أن المهارات التقنية يمكن تعلمها لاحقاً، بينما يصعب بناء مهارات التفكير النقدي من الصفر.
أزمة الخبرة والحكم المهني
حذر مدير الأبحاث في شركة بلور Bloor تشيني هاميلتون من أن الذكاء الاصطناعي قد يتيح للموظفين المبتدئين إنتاج أعمال أفضل، لكنه لا يمنحهم القدرة على الحكم على جودة النتائج أو اكتشاف الأخطاء.
وأوضح أن الأعمال الروتينية لم تكن مجرد مهام بسيطة، بل كانت وسيلة لاكتساب الخبرة والسياق المهني اللازمين لاتخاذ القرارات الصحيحة.
التعلم من خلال المراجعة
تتبنى بعض الشركات نماذج تدريب جديدة تعتمد على جعل الموظفين الجدد يراجعون أعمالاً أنشأها الذكاء الاصطناعي ويصححونها تحت إشراف موظفين ذوي خبرة.
ويرى الخبراء أن الهدف لم يعد الحفاظ على الأعمال الروتينية نفسها، بل ضمان انتقال المعرفة والخبرة العملية إلى الأجيال الجديدة من العاملين.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي