استقبل العالم عاماً قياسياً بلغ عدد السياح الدوليين فيه 1.5 مليار سائح، وأسهمت السياحة والسفر بنحو 11.6 تريليون دولار في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، فيما شهد العام الحالي طائرات معطلة ومجالات جوية مغلقة وموجات حر وحرائق غابات، بحسب تقرير نشره المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum) بقلم الرئيسة التنفيذية للأعمال والعمليات العالمية وعضو اللجنة التنفيذية في مجموعة زيوريخ للتأمين، كارا مورتون، والمديرة الإدارية في المنتدى، كيفا ألغود.
ويتصاعد الطلب على السفر، لكن الصدمات والضغوط البنيوية التي قد تعطله تتصاعد معه أيضاً، من الطقس المتطرف إلى الازدحام وارتفاع التكاليف، ما يجعل التحدي الرئيسي أمام كل من يدير وجهة سياحية أو شركة طيران أو فندقاً أو أي عمل سياحي آخر هو مواصلة التشغيل مع استمرار تغير الظروف.
ويفحص أحدث مؤشر لتطوير السفر والسياحة كيفية تعامل 110 اقتصادات مع هذا التحدي. ولا تكون الوجهات المتقدمة عادة الأسرع نمواً، بل تلك القادرة على استيعاب الصدمة والحفاظ على ثقة المسافرين والتكيف مع تعقد الظروف، وتتميز بخمسة أمور.
تنويع مصادر السياح
وعلّمت الجائحة دروساً مكلفة عن الاعتماد على سوق واحدة أو موسم واحد أو نوع واحد من المسافرين، وقد تصرفت وجهات كثيرة بناء على هذه الدروس.
تمثل اليابان أوضح مثال على ذلك، إذ كان تنويع مصادر السياح وتوزيع الطلب عبر البلاد سبباً رئيسياً في صعودها من المرتبة الثالثة إلى الأولى في مؤشر 2026.
واستقبلت البلاد 42.7 مليون زائر دولي العام الماضي فيما وسعت قاعدتها السياحية عمداً، واستقطبت مسافرين من مزيد من الدول، وشجعتهم على السفر إلى ما هو أبعد من طوكيو وكيوتو وأوساكا.
وارتفع عدد الزوار إلى المناطق اليابانية الأخرى 14% على أساس سنوي، وصعدت حصة الوافدين من أميركا وأوروبا وأستراليا والشرق الأوسط إلى 18%، مقابل 14% في 2019.
لم تجعل اليابان صناعتها السياحية أكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات فحسب، بل وسعت أيضاً قاعدتها السياحية في الوقت نفسه، بحسب مؤشر 2026، ما يظهر أن الانفتاح والترابط وتطوير الوجهات يمكن أن يبني نظاماً سياحياً أكثر توازناً وقدرة على التكيف.
ميّز نقل المسافرين بموثوقية دائماً بين الوجهات القوية والضعيفة، وتظهر الفجوة بوضوح أكبر في البنية التحتية للنقل الجوي، حيث يتفوق أفضل 20 اقتصاداً على متوسط المؤشر بفارق أوسع من أي مقياس آخر تقريباً.
لكن الوصول يشمل أكثر من المدارج، فهو يغطي إدارة الحدود وسياسة التأشيرات والمعلومات التي تبقى دقيقة وسهلة الوصول أينما بحث عنها المسافرون، سواء عبر محرك بحث أو منصة حجز أو مساعد ذكاء اصطناعي.
لاحظت ألمانيا، المصنفة سادسة، هذا الأمر مبكراً، إذ يجمع مخططها المعرفي أكثر من 500 ألف سجل بيانات مفتوحة تغطي الإقامة والفعاليات والمعالم في مصدر واحد تستطيع محركات البحث ومنصات الذكاء الاصطناعي قراءته.
وتتحول بيانات الوجهات، بحسب المؤشر، إلى بنية تحتية رقمية حرجة بدلاً من كونها أصلاً تسويقياً.
المنافسة بالقيمة
لا يحدد السعر النجاح وحده، إذ تسجل أفضل 20 وجهة سياحية درجة أقل من المتوسط في تنافسية الأسعار، إذ تنجح بعض الوجهات عند أسعار مرتفعة وأخرى عند أسعار منخفضة، والمهم هو ما إذا كانت التجربة والوصول والخدمة تستحق الرحلة.
لا يزال الاقتصاد في الكلفة عاملاً مساعداً، إذ تحسنت ألبانيا أكثر من أي اقتصاد آخر بتقديم كثير مما تقدمه جاراتها الأوروبية بكلفة أقل.
لكن مع تصاعد كلفة المعيشة يصبح الاعتماد على السعر وحده موقفاً هشاً.
تقدم كوستاريكا البديل، إذ يمكن لعدد أقل من الزوار الإضافيين أن يحقق قيمة أكبر بكثير، فقد صنفت البلاد رابعة في مؤشر 2026 من ناحية الاستدامة، بعدما اختارت حماية البيئة على النمو الجماهيري.
ونما عدد الوافدين الدوليين بنسبة متواضعة بلغت 1% العام الماضي، لكن متوسط إنفاق الزائر ارتفع من نحو 1602 دولار إلى 1848 دولاراً.
وتسير صناعة السفر والسياحة على مسار يوصلها إلى 16 تريليون دولار من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول 2034، أي أكثر من 11% من الاقتصاد العالمي، ومكان وصول هذه الأموال لا يقل أهمية عن حجمها.
كما تراجع الركن الاجتماعي الاقتصادي للمؤشر هذا العام، وهذا إنذار، فعندما تنمو السياحة أسرع من قدرة المجتمع على جني فوائدها يتراجع الدعم الشعبي لها، وهو أمر بالغ الأهمية عملياً لأنه يحدد ما يمكن للحكومات الموافقة عليه وما يمكن للشركات بناءه.
تعمل تركيا، المصنفة 36، على هذا الملف منذ إطلاق برنامج وطني للسياحة المستدامة عام 2022، إذ باتت أكثر من ألفي جهة إقامة معتمدة من ناحية الأثر البيئي والفائدة المجتمعية، وتحسنت درجة الأثر الاجتماعي الاقتصادي للبلاد 8.3% خلال الفترة نفسها.
مشكلة القوى العاملة
قد يواجه القطاع نقصاً يتجاوز 43 مليون عامل بحلول 2035، منهم نحو 20 مليون وظيفة لا يمكن أتمتتها، ما يعني أن الاستثمار في البنية التحتية لا يجدي كثيراً ما لم يكن هناك من يستقبل الضيف.
وتحركت السعودية أسرع من أي جهة تقريباً، مسجلة ثاني أكبر تحسن في ركن الموارد البشرية وسوق العمل في مؤشر 2026، إذ تدير وزارة السياحة برامج منح وتدريب وتلمذة مهنية مع مؤسسات ضيافة دولية، إلى جانب دعم من يبنون مسارات مهنية طويلة في القطاع.
وتجاوز التوظيف في السياحة مليون وظيفة العام الماضي، بواقع 47% من هذه الوظائف للنساء، مقابل 5% في 2018.
بناء الصمود
لا يمكن لأي جهة وحدها تحقيق هذه الأولويات الخمس، فلا يمكن لوجهة أن تنافس بالقيمة دون قوى عاملة تقدمها، أو تدير النمو دون ثقة السكان، أو تحمي الوصول ما لم تعمل شركات الطيران والفنادق والجهات التنظيمية ومزودو التكنولوجيا ومديرو الوجهات وفق خطة واحدة، لذا يجب بناء الصمود عبر شراكة تشمل الحكومات والصناعة والمجتمعات المضيفة للزوار.
ستكون الوجهات الأفضل أداء في السنوات المقبلة تلك التي تبقي أنظمتها تعمل، وتتكيف مع تغير الظروف، وتواصل تقديم قيمة حقيقية للزوار والشركات والمجتمعات المضيفة، وهذا ما يعنيه التحول من التعافي إلى الصمود فعلياً، إذ يبدأ العمل قبل حدوث الاضطراب لا أثناءه.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي