لم يعد الذهب مجرد ملاذ تقليدي يلجأ إليه المستثمرون خلال الأزمات. خلال السنوات الأخيرة، بدأ دوره يتغير داخل النظام المالي العالمي، مدفوعاً بارتفاع مستويات الدين، وتزايد المخاطر الجيوسياسية، واستمرار مخاوف التضخم، إلى جانب توجه بعض البنوك المركزية والمستثمرين نحو تنويع احتياطياتهم بعيداً عن الاعتماد المفرط على الأصول المقومة بالدولار.
ومع دخول الأسواق مرحلة جديدة بين 2027 ونهاية العقد، يبرز سؤال مهم: هل يمكن أن يصل الذهب إلى مستويات تتراوح بين 8,000 و10,000 دولار للأونصة؟
الارتفاع إلى هذه المستويات سيكون كبيراً، لكنه ليس مستحيلاً إذا استمرت الاتجاهات الهيكلية الحالية.
أحد أهم العوامل الداعمة للذهب على المدى الطويل هو الارتفاع المستمر في الدين العالمي. المشكلة لا تتعلق بحجم الدين فقط، بل أيضاً بتكلفة تمويله. فارتفاع أسعار الفائدة وعوائد السندات يرفع تكلفة خدمة الدين الحكومي، ويزيد الضغوط على الميزانيات العامة.
في هذا السياق، ينظر بعض المستثمرين إلى الذهب باعتباره أصلاً لا يمثل التزاماً على حكومة أو شركة، ولا يحمل المخاطر الائتمانية المرتبطة بالسندات. ومع ارتفاع المخاوف بشأن استدامة الدين، تصبح الحاجة إلى تنويع الاحتياطيات والمحافظ أكثر أهمية.
وهنا يبرز الذهب كأحد الأصول القليلة التي يمكن أن تؤدي دوراً في هذا التنويع.
ربما يكون التغير الأهم في سوق الذهب هو استمرار مشتريات البنوك المركزية. فبعد سنوات من ارتفاع الطلب الرسمي، أصبح الذهب جزءاً أكثر أهمية من استراتيجية إدارة الاحتياطيات لدى عدد من الدول.
ولا يتعلق الأمر فقط بالتحوط من التضخم، بل أيضاً بتنويع الاحتياطيات وتقليل مخاطر التركّز في عملة أو أصول سيادية محددة.
هذا النوع من الطلب يختلف عن المضاربة قصيرة الأجل؛ فالبنوك المركزية عادةً ما تنظر إلى الذهب كأصل استراتيجي طويل الأجل. وإذا استمرت المشتريات الرسمية بالمستويات المرتفعة التي شهدتها السنوات الأخيرة، فقد يوفر ذلك دعماً هيكلياً للسوق حتى نهاية العقد.
في الوقت نفسه، أصبح الذهب أكثر حضوراً في المحافظ الاستثمارية. الطلب على صناديق الذهب والسبائك والعملات يعكس تحولاً في طريقة تعامل المستثمرين مع المعدن.
لم يعد الذهب يُشترى فقط عندما تنهار الأسواق. بالنسبة إلى بعض المستثمرين، أصبح جزءاً من استراتيجية توزيع الأصول، خصوصاً في بيئة تتزايد فيها المخاطر المرتبطة بالأسهم والسندات والعملات. وهذا مهم لأن ارتفاع الطلب الاستثماري، بالتزامن مع الطلب الرسمي، يمكن أن يخلق قاعدة أكثر استدامة للسوق.
حتى إذا نجحت البنوك المركزية في السيطرة على التضخم، فإن العودة إلى بيئة التضخم المنخفض جداً وأسعار الفائدة القريبة من الصفر تبدو أقل وضوحاً مما كانت عليه قبل جائحة كورونا.
ارتفاع الإنفاق الحكومي، تكاليف الطاقة، إعادة بناء سلاسل التوريد، الإنفاق الدفاعي والتوترات الجيوسياسية كلها عوامل قد تجعل التضخم أكثر تقلباً خلال السنوات المقبلة.
ولا يحتاج الذهب بالضرورة إلى تضخم مرتفع حتى يستفيد. يكفي أحياناً أن تتراجع ثقة المستثمرين في قدرة العملات والأصول التقليدية على الحفاظ على القوة الشرائية على المدى الطويل.
إذا افترضنا أن الذهب يتحرك من منطقة 4,000–4,100 دولار للأونصة، فإن الوصول إلى 8,000 دولار يتطلب تقريباً مضاعفة السعر، بينما يتطلب الوصول إلى 10,000 دولار ارتفاعاً يقارب 140%.
هذه ليست أهدافاً يمكن اعتبارها توقعات مؤكدة. لكنها تصبح أكثر قابلية للنقاش إذا امتدت فترة إعادة التسعير لعدة سنوات، واستمر نمو السيولة والدين العالمي، وتواصلت مشتريات البنوك المركزية، وازداد الطلب الاستثماري.
بمعنى آخر، الوصول إلى 8,000 أو 10,000 دولار لا يحتاج بالضرورة إلى أزمة مالية واحدة ضخمة؛ قد ينتج عن إعادة تسعير تدريجية للذهب في ظل تغيرات طويلة الأجل في النظام المالي.
النظرة الصعودية لا تعني أن الذهب سيواصل الارتفاع دون تصحيحات. ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية، قوة الدولار، تراجع التضخم بصورة أسرع من المتوقع، أو انخفاض مشتريات البنوك المركزية يمكن أن تضغط على الذهب لفترات طويلة.
كما أن الارتفاعات الحادة قد تدفع المستثمرين إلى جني الأرباح، وتزيد المعروض من الذهب المعاد تدويره.
لذلك، من المرجح أن تكون رحلة الذهب خلال السنوات المقبلة مليئة بالتذبذب، حتى في حال استمرار الاتجاه الصعودي طويل الأجل.
القصة الأكبر للذهب خلال الفترة من 2027 إلى 2030 قد لا تكون الوصول إلى رقم محدد، بل تغير مكانته داخل النظام المالي.
ارتفاع الدين العالمي، وتزايد مشتريات البنوك المركزية، وتنويع الاحتياطيات، والمخاطر الجيوسياسية، واحتمال استمرار التضخم المتقلب، كلها عوامل يمكن أن تدعم إعادة تقييم الذهب كأصل استراتيجي.
لذلك، يمكن النظر إلى نطاق 8,000–10,000 دولار للأونصة بحلول 2030 كسيناريو صاعد محتمل، وليس كتوقع مضمون.
في النهاية، قد لا يرتفع الذهب فقط لأن العالم يمر بأزمات، بل لأن طريقة تسعير المخاطر والثقة في الأصول السيادية نفسها قد تتغير. وإذا استمرت هذه التحولات، فقد يدخل الذهب مرحلة جديدة يصبح فيها جزءاً أكثر أهمية من المحافظ الاستثمارية والاحتياطيات الرسمية حول العالم.
المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها، ولمزيد من المقالات يمكنكم زيارة صفحة "مقالات الرأي"
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي