تتحول أزمة الدين الفرنسي إلى اختبار جديد لقدرة الولايات المتحدة على الاحتفاظ بمكانتها ملاذاً آمناً لرؤوس الأموال العالمية، بعدما دفعت المخاوف بشأن العجز المالي والاضطرابات السياسية في باريس عوائد السندات الفرنسية إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2002، وأعادت رسم خريطة المخاطر في سوق الديون السيادية الأوروبية.
لكن المفارقة أن الاضطرابات التي قد تعزز الطلب على سندات الخزانة الأميركية تأتي بينما تواجه واشنطن أزمة موازية تتمثل في تضخم احتياجات الاقتراض وارتفاع تكلفة خدمة الدين، ما يطرح سؤالاً بشأن قدرة أكبر سوق سندات حكومية في العالم على استيعاب تدفقات المستثمرين الباحثين عن الأمان دون التعرض لمزيد من التقلبات.
وبلغ عائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات نحو 4.994% خلال موجة البيع الأخيرة، وهو أعلى مستوى منذ 24 عاماً، بينما لامس نظيره الأميركي 5.3645%، في ظل مخاوف متزامنة من التضخم وارتفاع الدين الحكومي، بحسب بيانات نقلتها رويترز في 9 أكتوبر/ تشرين الأول.
فرنسا تفقد امتياز الاقتراض منخفض التكلفة
لم يعد المستثمرون يتعاملون مع السندات الفرنسية باعتبارها بديلاً قريباً من الديون الألمانية الآمنة، بعدما ارتفعت علاوة المخاطر على السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات مقارنة بنظيرتها الألمانية إلى أكثر من 150 نقطة أساس مطلع أكتوبر، للمرة الأولى منذ أواخر عام 2011.
وتكشف هذه الفجوة عن تحول هيكلي في تقييم الأسواق للديون الأوروبية، إذ بات المستثمرون يميزون بين الدول وفق قدرتها على ضبط الإنفاق واستدامة المالية العامة، بدلاً من التعامل مع عضوية منطقة اليورو باعتبارها ضمانة كافية للاستقرار.
وتخطط فرنسا لإصدار سندات قياسية بقيمة 340 مليار يورو في عام 2027، بينما تثير الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل/نيسان المقبل مخاوف بشأن قدرة الحكومة المقبلة على تمرير إصلاحات مالية مؤلمة، وفقاً لرويترز.
دين بقيمة 3.5 تريليون يورو يضع باريس تحت الضغط
تتجاوز الأزمة الفرنسية تقلبات الأسواق قصيرة الأجل؛ إذ يبلغ الدين العام نحو 3.5 تريليون يورو، بما يقارب 120% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما يُتوقع أن يصل عجز الموازنة إلى 5.4% خلال 2026، مقارنة بالسقف الأوروبي البالغ 3%.
وتواجه الحكومة مقاومة اجتماعية وسياسية لإجراءات تقشفية تتضمن خفض الإنفاق وزيادة الضرائب، فيما يزيد ارتفاع تكلفة الطاقة المرتبط بحرب الشرق الأوسط من صعوبة احتواء التضخم وتحفيز النمو.
وتكمن الخطورة في احتمال دخول باريس حلقة مالية سلبية: ارتفاع العوائد يزيد تكلفة إعادة تمويل الدين، ما يضغط على الموازنة، ويضعف قدرة الحكومة على خفض العجز، ويدفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى، بحسب صحيفة فايننشال تايمز.
لماذا قد تستفيد سندات الخزانة الأميركية؟
قد يؤدي استمرار تدهور الثقة في الديون الفرنسية إلى إعادة توجيه الاستثمارات نحو السندات الأميركية، مستفيدة من عمق سوق الخزانة وسيولتها، فضلاً عن ارتفاع عوائدها مقارنة بالعديد من الأسواق المتقدمة.
وقال ويليام لي، كبير الاقتصاديين في معهد ميلكن، لشبكة CNBC إن أزمة فرنسا تمنح سندات الخزانة الأميركية دعماً، لأنها تكشف صعوبة استمرار الحكومات في تمويل عجز موازناتها دون تحمل تكلفة متزايدة.
وتستند هذه الرؤية إلى ثلاثة عوامل: السيولة المرتفعة للسندات الأميركية، والمكانة العالمية للدولار، وإمكانية تحقيق عوائد أعلى على الديون الأميركية.
غير أن انتقال الأموال إلى الولايات المتحدة ليس مضموناً؛ إذ يتعين على المستثمرين الأجانب مراعاة تقلبات الدولار وتكلفة التحوط من مخاطر العملة، فضلاً عن احتمال استمرار صعود العوائد الأميركية نفسها.
واشنطن تواجه اختباراً موازياً في سوق الديون
على الجانب الأميركي، لا تبدو الصورة أقل تعقيداً. فقد حذر دان إيفاسين، كبير مسؤولي الاستثمار في «بيمكو»، في تصريحات نقلتها فايننشال تايمز ورويترز، من احتمال وصول عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات إلى 6%، للمرة الأولى منذ عام 2000، بفعل ارتفاع أسعار النفط والتضخم وتضخم الدين العام.
وبنهاية تداولات الجمعة 9 أكتوبر، تراجع العائد الأميركي لأجل عشر سنوات إلى نحو 5.24%، بحسب وول ستريت جورنال، مدعوماً بطلب قوي في مزادات الخزانة، لكنه بقي قريباً من أعلى مستوياته منذ أكثر من عقدين.
وتكشف بيانات جمعية صناعة الأوراق المالية والأسواق المالية الأميركية (SIFMA) ارتفاع إصدارات أدوات الدخل الثابت الأميركية إلى 9.52 تريليون دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026، بزيادة 10.4% سنوياً، ما يعكس اتساع احتياجات التمويل في الأسواق الأميركية.
هل تتحول أزمة أوروبا إلى عدوى مالية عالمية؟
تزداد خطورة الأزمة إذا امتدت موجة بيع السندات إلى المصارف الأوروبية التي تحتفظ بمحافظ ضخمة من الديون السيادية.
فارتفاع العوائد يعني انخفاض أسعار السندات القائمة، بما قد يولد خسائر تقييمية للمؤسسات المالية، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف التمويل وتزايد مخاطر تعثر المقترضين.
وذكرت رويترز أن مؤشر أسهم البنوك الأوروبية هبط بنحو 3.5% خلال تداولات 7 أكتوبر، وسط مخاوف من انتقال الضغوط الفرنسية إلى بقية منطقة اليورو.
لكن المستثمرين لا يتوقعون بالضرورة تكرار أزمة الديون الأوروبية؛ إذ نقلت فايننشال تايمز عن مديري أصول بدء اقتناص فرص في السندات الإيطالية وديون الشركات الأوروبية، مدعومين بوجود أدوات لدى البنك المركزي الأوروبي لاحتواء الاضطرابات.
تدفقات المستثمرين تحدد الرابح الحقيقي
تكشف أحدث بيانات رويترز أن صناديق أسواق النقد العالمية استقطبت 153.81 مليار دولار خلال الأسبوع المنتهي في 7 أكتوبر، وهي أكبر تدفقات أسبوعية منذ مايو، ما يشير إلى تفضيل المستثمرين السيولة والأدوات قصيرة الأجل بدلاً من التحول الجماعي إلى السندات طويلة الأجل.
وهنا تتحدد المفارقة الأساسية: قد تكسب سندات الخزانة الأميركية تدفقات خارجة من فرنسا، لكن ارتفاع التضخم واحتياجات الاقتراض الأميركي قد يحدان من انعكاس هذه التدفقات على أسعار السندات.
وبذلك، لن يتوقف اتجاه أسواق الدين العالمية على قدرة فرنسا على ضبط موازنتها وحدها، بل على أي الاقتصادات الكبرى يستطيع إقناع المستثمرين بأن عوائده المرتفعة تمثل فرصة استثمارية، وليست تعويضاً عن مخاطر مالية تتفاقم.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي