الأستاذ بجامعة غويلف الكندية، المتخصص في تطبيقات نمذجة الذكاء الاصطناعي في مجالات التمويل والأعمال والاقتصاد
المقال السابق⭠ (ضمن ملف الذكاء الاصطناعي وصناعة الدفاع)
يخلق الذكاء الاصطناعي فرصاً كبيرة للنمو في قطاع الصناعات الدفاعية، ولا سيما في ما يتعلق بالأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي الوكيلي والأنظمة المستقلة، والأمن السيبراني، ومختلف أنواع أدوات دعم اتخاذ القرارات العسكرية.
تتميز الأسواق المالية بطبيعتها الاستشرافية، كما تُعد مؤشراً رائداً للأداء الاقتصادي العام، لذا فمن المنطقي أن تعكس أسعار الأسهم توقعات بتحقيق إيرادات وأرباح مستقبلية أعلى بفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الإمكانات الاقتصادية والفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي للنمو، وبين التقييمات التي يكون المستثمرون مستعدين لمنحها لهذه الإمكانات. فحتى إذا أتاح الذكاء الاصطناعي فرصاً تجارية جديدة وكبيرة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن أسعار الأسهم الحالية مبررة.
فقد يكون المستثمرون مفرطين في التفاؤل بشأن سرعة تحول التطورات التكنولوجية إلى عقود حكومية وأرباح طويلة الأجل. وتتمثل أبرز مخاوفي في أمرين:
الأول: إقرار اللوائح التنظيمية اللازمة وضمان الرقابة البشرية على الذكاء الاصطناعي.
الثاني: وتيرة نشوء الخبرات المتخصصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي المرتبطة بالدفاع وانعكاسها على التطورات التكنولوجية، إذ يستطيع الجميع اليوم الادعاء بأنهم خبراء في الذكاء الاصطناعي، لكن قلة قليلة منهم عملت فعلياً في هذا المجال لأكثر من عقد من الزمن.
علاوة على ذلك، قد تؤدي العوامل السلوكية إلى تضخيم هذه التوقعات بدرجة أكبر. فالحماسة المحيطة بالذكاء الاصطناعي قد تشجع على انحيازات سلوكية، مثل سلوك القطيع والتداول القائم على الزخم. كما يمكن للتداول الخوارزمي والتداول المعتمد على التحليل الفني أن يعززا تحركات الأسعار على المدى القصير، ما يدفع أسعار السوق إلى الابتعاد أكثر عن قيمها الأساسية العادلة.
وثمة عامل إضافي يزيد المشهد تعقيداً، وهو أن شركات الصناعات الدفاعية لا تستفيد من الذكاء الاصطناعي فحسب، بل تستفيد أيضاً من تصاعد التوترات الجيوسياسية وتوقعات زيادة الإنفاق العسكري. ولذلك، يصعب عزل مساهمة الابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي عن تأثير العوامل السياسية واحتساب أثرها ضمن تقييمات أسهم هذه الشركات في الأسواق المالية.
في نهاية المطاف، لا يتمثل السؤال الأساسي في ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُحدث تحولاً في قطاع الصناعات الدفاعية، لأنه يُحدث هذا التحول بالفعل، وإنما في ما إذا كان نمو الأرباح المستقبلية سيكون كافياً لتبرير التقييمات الحالية في الأسواق.
ومن المؤكد أن كثيراً من الشركات الناشئة المتحمسة للذكاء الاصطناعي ستفشل، لكن الشركات التي تمتلك خبرات حقيقية في هذا المجال وتتمكن من الاستمرار ستسهم في رسم ملامح التحول التكنولوجي المستقبلي. وهنا تبرز ملاحظة تحذيرية: فقد أظهر التاريخ المالي مراراً أن المستثمرين يستطيعون توقع التحولات التكنولوجية الكبرى بصورة صحيحة، لكنهم غالباً ما يبالغون بدرجة كبيرة في تقدير المكاسب المالية التي ستعود على شركات بعينها نتيجة هذه التحولات.
المقال التالي ⭠ (ضمن ملف الذكاء الاصطناعي وصناعة الدفاع)
المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها، ولمزيد من المقالات يمكنكم زيارة صفحة "مقالات الرأي"
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي