استاذ الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي من جامعة San Jose الحكومية في كاليفورنيا
المقال السابق⭠ (ضمن ملف الذكاء الاصطناعي وصناعة الدفاع)
لم تعد المنافسة في صناعة السلاح العالمية تدور فقط حول من يمتلك الطائرات المقاتلة الأكثر تطوراً أو الصواريخ الأطول مدى أو الدبابات الأقوى تسليحاً. فهناك تحول أعمق يجري داخل هذه الصناعة، قد يغير موازين القوى بين الشركات والدول خلال السنوات المقبلة. الذكاء الاصطناعي يدخل اليوم إلى قلب الأنظمة العسكرية، ليس فقط لتطوير قدراتها، بل لإعادة تعريف طريقة تصنيعها وتشغيلها وتكلفتها الاقتصادية.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن أمام مرحلة جديدة من تطوير الأسلحة التقليدية، أم أمام تحول صناعي قد يعيد توزيع النفوذ بين شركات الدفاع الكبرى، ويفتح الباب أمام شركات تكنولوجية لم تكن قبل سنوات لاعباً رئيسياً في سوق الصناعات العسكرية؟
سوق تقترب من ثلاثة تريليونات دولار
بلغ الإنفاق العسكري العالمي نحو 2.89 تريليون دولار خلال عام 2025، بزيادة حقيقية بلغت 2.9% مقارنة بالعام السابق، وفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.
وهذا هو العام الحادي عشر على التوالي الذي يسجل فيه الإنفاق العسكري العالمي ارتفاعاً، ما يعكس استمرار توسع الميزانيات الدفاعية في ظل التوترات الجيوسياسية والتحولات الأمنية.
ورغم أن هذه الأرقام تشمل جميع أوجه الإنفاق العسكري، وليس صناعة السلاح أو الذكاء الاصطناعي وحدهما، فإنها تكشف حجم الموارد المالية التي تتحرك داخل القطاع الدفاعي العالمي.
وفي قلب هذا الإنفاق، تتزايد أهمية الاستثمارات في البرمجيات والأنظمة الذاتية التشغيل وتحليل البيانات والرقائق الإلكترونية المتقدمة.
ففي الماضي، كانت القيمة الأساسية للسلاح ترتبط بقدراته الميكانيكية والهندسية، مثل سرعة الطائرة أو مدى الصاروخ أو قوة المدرعة. أما اليوم، فقد أصبحت البرمجيات التي تحلل المعلومات وتتعرف على التهديدات وتربط الأنظمة العسكرية ببعضها جزءاً متزايد الأهمية من القيمة التشغيلية لهذه المعدات.
وهنا يظهر تحول اقتصادي مهم: لم تعد قيمة السلاح ترتبط فقط بالمعدات التي يتكون منها، بل أيضاً بالبرمجيات التي تتحكم في قدراته، والتي يمكن تحديثها وتطويرها دون الحاجة بالضرورة إلى استبدال المنظومة بالكامل.
شركات التكنولوجيا تدخل سوق السلاح
لسنوات طويلة، هيمنت شركات مثل لوكهيد مارتن وبوينغ ونورثروب غرومان وآر تي إكس على قطاعات رئيسية من الصناعات الدفاعية الأميركية.. لكن دخول شركات تكنولوجية مثل بالانتير وأندوريل يفتح فصلاً جديداً من المنافسة.
فشركة بالانتير، المتخصصة في تحليل البيانات وتطوير المنصات البرمجية، أصبحت مورداً مهماً للأنظمة التي تساعد المؤسسات العسكرية على دمج المعلومات وتحليلها. أما أندوريل، فتركز على الأنظمة غير المأهولة وتقنيات المراقبة والدفاع والبرمجيات المرتبطة بها.
وفي سبتمبر 2026، أعلن الجيش الأميركي الانتقال ببرنامج استخباراتي متقدم يعرف باسم «تيتان» إلى مرحلة الإنتاج، من خلال طلبيات بلغت قيمتها الإجمالية 192 مليون دولار، منها 127 مليون دولار لشركة بالانتير و65 مليون دولار لشركة أندوريل.
وتشمل الطلبيات إنتاج ودمج ثماني منظومات أولية، تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في جمع المعلومات العسكرية من مصادر متعددة وتحليلها بسرعة أكبر.
هذه الخطوة تعكس تحولاً مهماً في طبيعة العقود الدفاعية، إذ لم تعد شركات التكنولوجيا مجرد مورد للبرمجيات، بل أصبحت تشارك في إنتاج أنظمة عسكرية متكاملة.
لكن ذلك لا يعني اقتراب نهاية شركات السلاح التقليدية. فتصنيع الطائرات المقاتلة والغواصات والصواريخ المتقدمة يحتاج إلى قدرات صناعية وهندسية وسلاسل توريد معقدة لا يمكن تعويضها بالبرمجيات وحدها.
والأرجح أن تشهد الصناعة توسعاً في الشراكات والمنافسة بين الطرفين، مع إعادة توزيع بعض الفرص الاستثمارية والأرباح المرتبطة بالأنظمة العسكرية الجديدة.
الطائرات المسيّرة تغير المعادلة الاقتصادية
أحد أبرز التحولات التي كشفت عنها الحروب الحديثة هو تغير العلاقة بين تكلفة السلاح وتأثيره العسكري.
فالحرب الروسية الأوكرانية أظهرت أهمية الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة نسبياً في الاستطلاع والمراقبة والعمليات القتالية، وقدرتها في بعض الحالات على فرض تكاليف دفاعية مرتفعة على الطرف المقابل.
لكن من المهم التمييز بين الطائرات المسيّرة التي يتحكم فيها الإنسان عن بُعد، وتلك التي تستخدم الذكاء الاصطناعي للمساعدة في الملاحة أو تحليل الصور، والأنظمة الأكثر استقلالية التي يمكنها أداء مهام محددة دون تدخل بشري مستمر.
فالطائرات المسيّرة ليست جميعها أسلحة تعمل بالذكاء الاصطناعي، كما أن درجة الاستقلالية تختلف من نظام إلى آخر.
ومع ذلك، فإن الجمع بين الذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة يفتح الباب أمام تحسين بعض القدرات التشغيلية وخفض تكلفة مهام معينة.
وهنا تبرز معادلة اقتصادية جديدة: هل الأفضل الاستثمار في عدد محدود من الأنظمة العسكرية مرتفعة التكلفة، أم في أعداد أكبر من الأنظمة الأقل تكلفة التي يمكن تطويرها وإنتاجها بسرعة؟
الإجابة تختلف بحسب طبيعة المهمة العسكرية، لكن المؤكد أن حسابات التكلفة وسرعة الإنتاج وإمكانية تعويض المعدات أصبحت أكثر أهمية في قرارات الشراء والتطوير.
وهذا التحول قد يمنح الشركات الناشئة فرصاً أوسع للمنافسة، خصوصاً في مجالات البرمجيات وأجهزة الاستشعار والأنظمة غير المأهولة.
الرقائق والبيانات تدخل قلب الصناعة العسكرية
لا يمكن تطوير أنظمة متقدمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي دون قدرات حاسوبية مناسبة ورقائق إلكترونية متطورة وبيانات موثوقة.
وهذا يعني أن صناعة السلاح أصبحت أكثر ارتباطاً بصناعة أشباه الموصلات والحوسبة المتقدمة والأمن السيبراني.
فالشركات التي تصمم المعالجات المتقدمة أو تطور البرمجيات وأنظمة الاتصالات قد تجد فرصاً جديدة للاستفادة من الطلب الدفاعي على التكنولوجيا.
لكن هذا الاعتماد يخلق تحديات جديدة أيضاً.
فالدولة التي تمتلك القدرة على تصنيع المعدات العسكرية، لكنها تعتمد على مورد خارجي للحصول على مكونات إلكترونية حساسة أو تحديثات برمجية أساسية، قد تواجه قيوداً على استقلالية أنظمتها.
ومن هنا، فإن المنافسة الدولية في أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي لا تقتصر على الهواتف الذكية ومراكز البيانات، بل تمتد إلى الصناعات الدفاعية والأمن القومي.
وقد تصبح القدرة على تصميم الرقائق وتطوير البرمجيات وحماية سلاسل التوريد عاملاً متزايد الأهمية في تحديد موقع الدول داخل سوق الصناعات العسكرية العالمية.
هل تتغير خريطة الدول المصنعة للسلاح؟
تقليدياً، تركزت صناعة الأسلحة المتقدمة في مجموعة محدودة من الدول التي تمتلك قواعد صناعية ضخمة وخبرات هندسية متراكمة.
لكن الذكاء الاصطناعي قد يفتح المجال أمام دول أخرى للمشاركة في أجزاء من هذه الصناعة، خصوصاً في تطوير أنظمة المراقبة والبرمجيات الدفاعية والطائرات غير المأهولة والحماية السيبرانية.
فالدولة التي لا تمتلك القدرة على تصنيع طائرة مقاتلة متقدمة قد تستطيع تطوير أنظمة ذكية للمراقبة أو منصات لتحليل المعلومات أو حلول تقنية لحماية المنشآت الحيوية.
وهذا لا يعني اختفاء الفجوة بين الدول الصناعية الكبرى والدول الناشئة، بل احتمال تغير طبيعة هذه الفجوة.
فإلى جانب المصانع والموارد المالية، ستزداد أهمية الكفاءات البشرية والبحث العلمي والبيانات والبنية التحتية الرقمية والقدرة على الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة.
ومع ذلك، فإن دخول سوق الصناعات الدفاعية يظل مرتبطاً بعوامل أخرى، منها الاعتمادات العسكرية ومتطلبات السلامة والقيود على التصدير والعلاقات السياسية بين الدول.
ولذلك فإن الذكاء الاصطناعي قد يوسع فرص المشاركة في الصناعة، لكنه لا يضمن بالضرورة إعادة توزيع حصص السوق بين الدول.
دول الخليج أمام فرصة صناعية جديدة
بالنسبة لدول الخليج، يحمل هذا التحول فرصاً اقتصادية وصناعية مهمة.
فالاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأمن السيبراني والحوسبة المتقدمة يمكن أن تدعم تطوير قدرات محلية في بعض المجالات المرتبطة بالصناعات الدفاعية.
وتبرز هنا أهمية الشراكات الدولية ونقل المعرفة وتطوير الكفاءات الوطنية، خصوصاً في مجالات الأنظمة غير المأهولة والمراقبة الذكية وحماية المنشآت الحيوية والصيانة التنبؤية للمعدات.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في شراء التكنولوجيا، بل في امتلاك القدرة على تطويرها وصيانتها وتحديثها محلياً.
فالاعتماد على مورد خارجي لتوفير المكونات الأساسية أو تحديث البرمجيات قد يخلق شكلاً جديداً من التبعية التكنولوجية، حتى عندما تكون المعدات العسكرية مملوكة بالكامل للدولة المستوردة.
ومن هنا، فإن الاستثمار في الجامعات ومراكز البحث العلمي والشركات التقنية المحلية قد يصبح جزءاً أساسياً من بناء صناعة دفاعية أكثر استقلالية وقدرة على المنافسة.
الذكاء الاصطناعي يفتح أسئلة قانونية وأخلاقية
رغم الفرص الاقتصادية والتكنولوجية، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنظمة العسكرية يثير تحديات تتعلق بالسلامة والمسؤولية القانونية والرقابة البشرية.
فالأنظمة الذكية قد تخطئ في تحليل المعلومات أو التعرف على الأجسام، وقد تتأثر ببيانات غير دقيقة أو تتعرض لمحاولات اختراق وتلاعب.
وتزداد خطورة هذه المشكلات عندما تستخدم التكنولوجيا في أنظمة مرتبطة بقرارات استخدام القوة.
ولهذا تدعو اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى وضع قواعد دولية ملزمة لتنظيم الأسلحة الذاتية التشغيل، بما يحافظ على السيطرة والحكم البشريين ويحد من المخاطر على المدنيين.
ولا يعني ذلك وجود اتفاق دولي شامل يحظر جميع هذه الأنظمة، إذ لا تزال طبيعة القيود المطلوبة وحدود استخدامها موضع نقاش دولي.
ومن الناحية الاقتصادية، قد تصبح موثوقية الأنظمة وقدرتها على مقاومة الهجمات السيبرانية والامتثال للمتطلبات القانونية عوامل مهمة في قرارات التعاقد العسكري.
فالحكومات لن تبحث فقط عن النظام الأسرع أو الأكثر تطوراً، بل عن النظام الذي يمكن اختباره وتأمينه والتحقق من أدائه في ظروف تشغيل معقدة.
من سيربح سباق التسلح الجديد؟
في تقديري، لن يكون التحول القادم في صناعة السلاح مجرد انتقال من المعدات التقليدية إلى الأنظمة الذكية، بل إعادة توزيع محتملة للقيمة الاقتصادية داخل الصناعة نفسها.
فالشركات الدفاعية التقليدية ستظل تمتلك خبرات أساسية في التصنيع والهندسة وتطوير المنظومات العسكرية المعقدة، بينما ستسعى شركات التكنولوجيا إلى الحصول على حصة أكبر من الإنفاق الدفاعي عبر البرمجيات والبيانات والأنظمة الذاتية التشغيل.
وقد نشهد خلال السنوات المقبلة توسعاً في الشراكات والاستحواذات بين الطرفين، إلى جانب منافسة على العقود الحكومية والكفاءات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي.
لكن حجم المكاسب الاقتصادية سيتوقف على عوامل متعددة، منها قدرة الشركات على تحويل التكنولوجيا إلى أنظمة موثوقة، وتكلفة تطويرها وصيانتها، والقيود التنظيمية، وأولويات الإنفاق العسكري للدول.
ومن المهم أيضاً ألا نخلط بين ارتفاع الإنفاق العسكري وارتفاع أرباح جميع الشركات العاملة في القطاع. فالتكاليف المرتفعة والمنافسة والقيود على التصدير قد تحد من العوائد، حتى في الأسواق التي تشهد نمواً في الطلب.
الذكاء الاصطناعي لن يلغي الطائرات والدبابات والصواريخ، لكنه سيغير بصورة متزايدة طريقة تصميمها وتشغيلها وتحديثها، وربما طبيعة الشركات والدول التي تستفيد اقتصادياً من إنتاجها.
لقد كانت القوة في صناعة السلاح تقاس لعقود بما تمتلكه الدول من مصانع وقدرات إنتاجية ومعدات عسكرية. أما في المرحلة المقبلة، فقد تصبح القدرة على امتلاك الخوارزميات والبيانات والرقائق الإلكترونية عاملاً حاسماً في تحديد من يسيطر على أجزاء متزايدة من القيمة المضافة في هذه الصناعة.
فالسؤال لم يعد فقط: من يصنع السلاح؟ بل من يملك الذكاء الذي يديره، ومن يتحكم في تحديثه، ومن يجني الأرباح من ذلك؟
المقال التالي⭠ (ضمن ملف الذكاء الاصطناعي وصناعة الدفاع)
التهديد الخفي.. كيف يمكن لتسميم البيانات أن يغيّر قرارات الذكاء الاصطناعي؟
ضربة للبنية الرقمية الروسية.. ماذا تعني الهجمات على مراكز بيانات ياندكس؟
المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها، ولمزيد من المقالات يمكنكم زيارة صفحة "مقالات الرأي"
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي