احتجاجات أوروبا.. اضطرابات مؤقتة أم مؤشر على مخاطر مالية أعمق؟| ملف خاص

نشر
آخر تحديث
احتجاجات في فرنسا- AFP

استمع للمقال
Play

اقرأ في هذا الملف:

 

▪️ إلى أي مدى تعكس الاحتجاجات المتصاعدة في أوروبا، مع اقتراب الشتاء، غضباً مؤقتاً بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة، أم أنها مؤشر على اختلالات اقتصادية أعمق مرتبطة بالأجور والوظائف والسكن؟ وما التداعيات المحتملة لذلك على النمو والاستقرار المالي؟

 

▪️ كيف يمكن أن تؤثر موجة الاحتجاجات والضغوط المعيشية في قدرة الحكومات الأوروبية على مواصلة سياسات التقشف وضبط الإنفاق العام، في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة والإيجارات وتزايد الضغوط على قطاعات التعليم والخدمات العامة، وما المخاطر الاقتصادية والمالية التي قد تترتب على ذلك خلال الشتاء المقبل؟


خاص CNBC عربية- محمد خالد

تتسع رقعة الاحتجاجات في أوروبا، من باريس إلى تيرانا، وسط مشاهد من المواجهات مع الشرطة والأضرار المادية، في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية على الأسر، وتتراجع قدرة قطاعات واسعة من المواطنين على تحمّل تكاليف الحياة اليومية.

وبين ارتفاع فواتير الطاقة وتآكل القدرة الشرائية وصعوبة الحصول على مساكن بأسعار معقولة، تتجاوز المطالب الاحتجاجية في أوروبا حدود الغضب من ظروف اقتصادية آنية، لتلامس قضايا أعمق تتعلق بالأجور وفرص العمل وجودة الخدمات العامة ومستقبل الأجيال الشابة.

ورغم اختلاف دوافع الاحتجاجات من دولة إلى أخرى، فإن القاسم المشترك بينها يتمثل في تنامي الشعور بأن الأعباء الاقتصادية باتت تفوق قدرة شرائح واسعة من المجتمع على الاحتمال، خصوصاً مع استمرار الضغوط على تكاليف المعيشة وتراجع الثقة في قدرة الحكومات على تقديم حلول ملموسة. 
وفي حين ترتبط بعض التحركات بمطالب اجتماعية ومعيشية مباشرة، تتخذ أخرى أبعاداً سياسية، بما يعكس تداخل الأزمات الاقتصادية مع حالة الاستياء من السياسات الحكومية وتراجع الفرص المتاحة أمام الشباب.

لكن السؤال الأهم يتمثل في ما إذا كانت هذه الاحتجاجات مجرد اضطراب اجتماعي مؤقت، تفاقمه الضغوط الموسمية مع اقتراب الشتاء وارتفاع احتياجات الطاقة، أم أنها مؤشر على اختلالات اقتصادية ومالية أعمق تهدد استقرار الاقتصادات الأوروبية؟

مع تباطؤ النمو، واستمرار الضغوط التضخمية، واتساع عجز الموازنات وارتفاع مستويات الدين العام وتكاليف الاقتراض، تواجه الحكومات معادلة صعبة بين الاستجابة للمطالب الاجتماعية والحفاظ على استدامة المالية العامة، في وقت قد يؤدي فيه تشديد السياسات المالية إلى زيادة الاحتقان، بينما يهدد التوسع في الإنفاق دون تمويل مستدام بتفاقم أعباء الديون.

وتكتسب هذه المعادلة أهمية إضافية مع اقتراب الشتاء، حين تتزايد احتياجات الأسر إلى الطاقة، وتواجه الشركات ضغوطاً مرتبطة بتكاليف التشغيل والتمويل، بينما تظل قدرة الحكومات على تقديم دعم واسع النطاق محدودة بفعل القيود المالية. وبين مخاطر اتساع الاحتجاجات وتداعيات ارتفاع تكاليف الاقتراض واحتمالات انتقال الضغوط من الشارع إلى أسواق الدين والنشاط الاقتصادي، يصبح الاختبار الحقيقي أمام أوروبا هو قدرتها على احتواء أزمة المعيشة دون تعميق اختلالاتها المالية، وتقديم استجابات اجتماعية تخفف الأعباء عن المواطنين من دون تقويض الثقة في الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.


ملخص الأحداث:

 

▪️ تجتاح موجة من الاحتجاجات عدداً من الدول الأوروبية، حيث خرجت حشود كبيرة إلى الشوارع، وسط اشتباكات عنيفة مع الشرطة وأضرار مادية جسيمة.

 

▪️ تختلف أسباب الاحتجاجات من دولة إلى أخرى، غير أن مشاهد المواجهات بين المتظاهرين وقوات إنفاذ القانون تتكرر في أكثر من بلد.

 

▪️ شهدت عطلة نهاية الأسبوع اشتباكات في ألبانيا وبلجيكا وإيطاليا وفرنسا، بينما عبّر محتجون في البرتغال عن مطالبهم بتوفير مساكن بأسعار معقولة، من خلال مسيرات ومخيمات احتجاجية. كذلك شهدت إسبانيا احتجاجات أيضاً.

 

▪️ في فرنسا -حيث شارك نحو 550 ألف شخص في 110 مسيرة بحسب بيانات الداخلية-  اعتُقل 1800 شخص، بحسب صحيفة الغارديان، التي وصفت هذا العدد بـ "القياسي" بالنسبة لحدث واحد.

 

▪️ شهدت الاحتجاجات أعمال شغب وعنف، لا سيما في فرنسا، فيما لا توجد مؤشرات اقتصادية رسمية بشأن حجم ومدى الخسائر.. لكن رئيس اتحاد التجارة والتوزيع الفرنسي، حدد فاتورة الأضرار من أعمال العنف بمئات الملايين من اليورو فيما وصف رئيس الوزراء الفرنسي الكلفة المالية للأضرار بأنها ستكون باهظة.


الأسباب الرئيسية

تتصدر أزمة تكاليف المعيشة، إلى جانب تراجع الخدمات التعليمية وارتفاع أسعار السكن والإيجارات، أسباب موجة الاحتجاجات التي تشهدها عدة دول أوروبية، من بينها فرنسا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا، فيما ترتبط الاحتجاجات في ألبانيا بمخاوف من الفساد ونقص فرص العمل وتراجع مستوى التعليم.

وفي فرنسا، يحتج الطلاب على طول ساعات الدراسة ونقص المعلمين وتدهور حالة الفصول الدراسية، فضلاً عن غموض نظام القبول الجامعي، بينما اتسعت الاحتجاجات بانضمام متظاهرين للتعبير عن استيائهم من ارتفاع تكاليف المعيشة، بما في ذلك أسعار الوقود، في أعقاب القصف الأميركي الذي أدى إلى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز. كما دعمت الكونفدرالية العامة للعمل، إحدى أكبر النقابات الفرنسية، الاحتجاجات، مطالبة بخفض الأسعار وزيادة الأجور والمعاشات.

وفي إسبانيا، اندلعت الاحتجاجات على خلفية ارتفاع تكاليف السكن، بعد إخلاء امرأة تبلغ من العمر 87 عاماً من منزلها إثر زيادة صندوق استثماري إيجارها بنسبة 230%، قبل وفاتها بعد أسبوعين من نقلها إلى المستشفى. وطالب المحتجون بخفض الإيجارات ووقف عمليات الإخلاء ومنع الصناديق الاستثمارية من شراء العقارات. وتمتد هذه المطالب إلى البرتغال، حيث ارتفعت أسعار المساكن بنسبة 124% بين عامي 2015 و2024، أي نحو ضعف متوسط الزيادة في الاتحاد الأوروبي.

وفي إيطاليا، تركزت الاحتجاجات على الضغوط التي تواجه ميزانيات الأسر، بينما تشهد ألبانيا احتجاجات ضد رئيس الوزراء إيدي راما، على خلفية اتهامات بالفساد ونقص الوظائف وضعف جودة التعليم. وتعكس هذه التحركات تعدد أسباب الغضب الشعبي في أوروبا، بين الضغوط المعيشية وأزمات السكن والتعليم والمطالب بتحسين الأجور والخدمات العامة.



اختلالات عميقة

من لندن، يقول مدير مركز كوروم للدراسات، طارق الرفاعي لـ CNBC عربية إن "الاحتجاجات الأوروبية تعكس اختلالات أعمق تتعلق بالقوة الشرائية والأجور والسكن وتراجع الخدمات العامة؛  فقد ارتفع التضخم في منطقة اليورو إلى 3.8% في سبتمبر، مدفوعاً بارتفاع أسعار الطاقة. واستمرار هذه الضغوط يهدد الاستهلاك والنمو الاقتصادي".

“

الاحتجاجات الأوروبية تعكس اختلالات أعمق تتعلق بالقوة الشرائية والأجور والسكن وتراجع الخدمات العامة

مدير كوروم للدراسات في لندن، طارق الرفاعي

ويضيف: "أما الحكومات الأوروبية، فستواجه صعوبة متزايدة في مواصلة التقشف، وقد تضطر لتوسيع دعم الطاقة والإنفاق الاجتماعي لاحتواء الاحتجاجات. لكن ذلك سيزيد عجز الموازنات والاقتراض وتكاليف خدمة الدين، خصوصاً في الدول المثقلة بالديون. والتحدي الأكبر خلال الشتاء سيكون تحقيق التوازن بين حماية الاستقرار الاجتماعي والحفاظ على الانضباط المالي، وتجنب الدخول في دوامة التضخم وتباطؤ النمو".

الضغوط المعيشية

بحسب بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي "يوروستات"، فإن معدل التضخم السنوي في منطقة اليورو  وصل إلى 3.8% في سبتمبر/ أيلول الماضي، مقارنة مع 3.2% في أغسطس/ آب.

وسجلت أسعار الطاقة في أوروبا أعلى معدل ارتفاع بين مكونات التضخم خلال الشهر الماضي، بعد أن ارتفعت بنسبة 18.9% على أساس سنوي، مقارنة مع 14.3% في أغسطس.

ويشار إلى أن السويد سجلت أدنى معدل تضخم سنوي عند 1%، تلتها المجر والدنمارك بنسبة 2.1 % لكل منهما، بينما سجلت رومانيا أعلى معدل عند 6.5% تلتها ليتوانيا بنسبة 6.1 %، ثم بلغاريا بنسبة 5.6%.

أزمة هيكلية في أوروبا

ولا يمكن النظر إلى تلك الاحتجاجات باعتبارها "احتجاجات عابرة"، وإنما هي تعكس "أزمة هيكلية ممتدة منذ نحو 10 سنوات" بدأت ملامحها تتضح بصورة أكبر خلال السنوات الخمس الأخيرة، مع تصاعد التضخم وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، بحسب ما يؤكده أستاذ الاقتصاد بجامعة باريس، دانيال ملحم لـ CNBC عربية.

بالنسبة لفرنسا، فقد "بدأ الفرنسيون يشعرون بتراجع قدرتهم على تلبية احتياجاتهم، في ظل انخفاض المساعدات الاجتماعية والصحية التي تقدمها الحكومة، وسعي الأخيرة إلى ضبط الإنفاق العام والعودة إلى ما يُعرف بالتوازن المالي.. وتضاف إلى هذه العوامل الأزمة السياسية التي تشهدها البلاد منذ العام 2024، في ظل غياب حكومة قوية قادرة على تنفيذ إصلاحات جذرية تمنح المواطنين قدراً من الأمل في المستقبل".

ويضيف: "إن ما يحدث اليوم في الشارع الفرنسي يجب أن يُقرأ أيضاً في سياق شعور الشباب بانسداد الأفق؛ نتيجة التجاذبات السياسية وعدم وجود شخصية أو حزب قادر على إخراج البلاد من مأزقها الحالي. وقد أسهم هذا الوضع في تعزيز شعور الشباب بالإحباط، وهو ما يفسر جانباً من الاحتجاجات الراهنة".

“

الاحتجاجات تعكس "أزمة هيكلية ممتدة منذ نحو 10 سنوات" بدأت ملامحها تتضح بصورة أكبر خلال السنوات الخمس الأخيرة، مع تصاعد التضخم وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين

أستاذ الاقتصاد بجامعة باريس، دانيال ملحم

أما الاحتجاجات المرتبطة بأسعار الطاقة، فتعكس مشكلة حقيقية تتمثل في تآكل القدرة الشرائية للمواطنين خلال السنوات الماضية. لكن القضية الأبرز تتمثل في شعور شريحة واسعة من الشباب الفرنسي، بمن فيهم الطلاب، بضيق الفرص المتاحة أمامهم وغياب رؤية واضحة لمستقبلهم.

وفي ظل هذه الظروف، يعتقد ملحم، بأن الحلول التي ستُطرح لمعالجة الأزمة المالية ستكون مؤلمة على الأرجح، وقد يصعب تقبّلها داخل المجتمع الفرنسي، الذي اعتاد مستوى مرتفعاً من الحماية الاجتماعية. ولذلك، من المرجح أن تتزايد الاحتجاجات كلما اتجهت الحكومة إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة، مردفاً: "المؤسف أن الحكومة تأخرت إلى حد ما في التعامل مع هذه الاختلالات، لكن اتخاذ الخطوات اللازمة اليوم يظل أفضل من تأجيلها إلى الغد".

وتقف فرنسا اليوم أمام خيارين: إما الشروع طوعاً في تنفيذ إصلاحات جذرية على مدى ثلاث سنوات، بما يتيح توزيع تكلفتها على فترة زمنية، أو الانتظار إلى أن تُفرض عليها هذه الإصلاحات تحت ضغط الأسواق والأزمة المالية، وهو ما قد يجعل تكلفتها الاقتصادية والاجتماعية أكبر بكثير، كما حدث في تجارب دول أوروبية مثل اليونان وإسبانيا والبرتغال، على حد وصفه.

ويستطرد: "لا يبدو أن أمام الحكومة الفرنسية خياراً آخر سوى خفض الإنفاق العام في القطاعات الحكومية، في ظل ارتفاع مستوياته. فقد أصبحت العودة إلى الانضباط المالي ضرورة ملحة، ليس لفرنسا وحدها، وإنما لعدد من الدول الأوروبية التي تواجه اختلالات مالية متزايدة".



أزمة السندات.. وصناديق التحوط تضغط!

ويحذر من أنه إذا استمر الوضع على ما هو عليه في فرنسا، فقد تبدأ صناديق التحوط وغيرها من المستثمرين في أسواق السندات في ممارسة ضغوط متزايدة على الدين الفرنسي، بما قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة المالية.

يتجه ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو نحو أزمة ديون، ويخاطر بسحب القارة معه إلى الأسفل، ما لم يخفض عجزه الوطني بشكل مستدام، وفقًا لما نقلته CNBC عن عديد من مراقبي السوق.

سجلت فرنسا عجزاً في الميزانية بنسبة 5.1% وديوناً بلغت 115.6% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، مما وضع البلاد تحت ضغط لتوحيد ماليتها العامة.

وفي تقدير ملحم، فلن تقتصر تداعيات مثل هذه الأزمة بالضرورة على فرنسا، بل قد تمتد إلى دول أوروبية أخرى، لتؤثر في الاستقرار المالي والاقتصادي الأوروبي ككل.

تُشكل تكاليف الاقتراض المرتفعة عبئاً ثقيلاً على فرنسا المثقلة بالديون، حيث بلغت نسبة ديونها إلى الناتج المحلي الإجمالي 119% في الربع الثاني، وفقاً للمعهد الوطني للإحصاء.

ويقول بنك غولدمان ساكس إن عوائد السندات الفرنسية قد أعيد تسعيرها مع تحول ارتفاع أسعار الفائدة المدفوعة بالطاقة إلى ارتفاعات هيكلية، مما أثر على فرنسا المثقلة بالديون، ويرى أن انخفاض أسعار النفط، أو سياسة نقدية توسعية من البنك المركزي الأوروبي، أو خطة مالية موثوقة لما بعد الانتخابات، هي طرق لتضييق الفجوة مع السندات الألمانية.

وارتفعت عوائد السندات الفرنسية وسط تزايد الشكوك حول التوقعات المالية لفرنسا، ووصل الفارق بين عوائد سنداتها السيادية وسندات الدين الألماني إلى أعلى مستوى له منذ أزمة اليورو.


جانب من أعمال الشغب التي رافقت احتجاجات فرنسا- AFP


وفي حين أن عمليات بيع السندات قد أثرت بشكل رئيسي على فرنسا، فقد ظهرت علامات على امتدادها إلى دول أخرى مثقلة بالديون، مثل إيطاليا، وفق مورنينغ ستار. وبعد أن ارتفع عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات إلى 3.6%، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2009، انخفض إلى 3.4% في أوائل أكتوبر. في المقابل، بلغ عائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل 10 سنوات أعلى مستوى له منذ عام 2002 عند 4.9% في بداية الشهر.

وتقول رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد إن ارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومي يؤدي إلى تشديد الأوضاع المالية في جميع أنحاء منطقة اليورو، مما يعقد الجهود المبذولة لاحتواء التضخم دون تقويض النمو الاقتصادي.

جاءت هذه التصريحات في وقت يطالب فيه المستثمرون بعوائد أعلى مقابل إقراض الحكومات في الاقتصادات المتقدمة الكبرى، في ظل تزايد المخاوف من استمرار التضخم، واتساع عجز الموازنات العامة، وارتفاع احتياجات الاقتراض لتمويل الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي.

ويضع ذلك البنك المركزي الأوروبي أمام معادلة صعبة، بعدما رفع سعر الفائدة الرئيسي مرتين منذ بداية العام، في محاولة لاحتواء الضغوط التضخمية المتجددة عقب اندلاع الصراع في الشرق الأوسط. ويمتد تأثير ارتفاع عوائد السندات الحكومية من تكلفة اقتراض الحكومات، إلى تشديد الأوضاع المالية عموماً، حتى في غياب أي قرار جديد من البنك المركزي برفع أسعار الفائدة.

وقد أدت موجة بيع السندات الحكومية الأخيرة إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض في أنحاء أوروبا، مع تزايد حدة الضغوط في الدول التي تعاني من ارتفاع مستويات الدين العام واستمرار عجز الموازنات.

ويشار إلى أن عمليات بيع السندات تؤدي إلى انخفاض أسعارها في السوق وارتفاع عوائدها، ما يعني أن الحكومات ستضطر إلى دفع فوائد أعلى عند الاقتراض أو تجديد ديونها. ومع انتقال هذه الزيادة إلى تكلفة التمويل في الأسواق، ترتفع أيضاً أعباء الاقتراض على الشركات والأسر، بما قد يضغط على الاستثمار والإنفاق الاستهلاكي ويحد من النشاط الاقتصادي.

ضغوط معيشية

وفي حديثه مع CNBC عربية، يقول الكاتب الصحافي الإيطالي ماسيميليانو بوكوليني إن الاحتجاجات التي تشهدها عدة دول أوروبية لا يمكن اختزالها في "غضب موسمي مع اقتراب الشتاء"، مشيراً إلى أنها تعكس ضغوطاً معيشية واختلالات اقتصادية أعمق، تشمل تآكل القدرة الشرائية، وعدم كفاية الأجور لتغطية الاحتياجات الأساسية، وصعوبة حصول الشباب على مساكن، إلى جانب المخاوف المتعلقة بجودة التعليم والخدمات العامة.

ويضيف: "إن ارتفاع فواتير الطاقة يمثل العامل الأكثر إلحاحاً في هذه الضغوط، لكنه يتقاطع مع مشكلات هيكلية أخرى"، لافتاً إلى أن أسباب الاحتجاجات تختلف من بلد إلى آخر، رغم تقاطع المطالب حول القدرة الشرائية والسكن والخدمات العامة.

“

الشتاء المقبل قد يضع الحكومات الأوروبية أمام معادلة أكثر تعقيداً، تتمثل في ارتفاع الاحتياجات الاجتماعية بالتزامن مع ضعف النمو وزيادة أعباء الموازنات العامة

الكاتب الصحافي الإيطالي ماسيميليانو بوكوليني

وتواجه الاقتصادات الأوروبية ضغوطاً مزدوجة تتمثل في ارتفاع تكلفة المعيشة وضعف النمو. في الوقت الذي ترجح فيه توقعات المفوضية الأوروبية الصادرة في ربيع 2026 تباطؤ نمو الاتحاد الأوروبي إلى 1.1% خلال العام، مع بلوغ التضخم 3.1%، وفق بوكوليني، الذي يعتبر أن "هذه التقديرات تعكس صعوبة البيئة الاقتصادية التي تتحرك فيها الحكومات والأسر والشركات".

ويشدد الكاتب الصحافي الإيطالي على أن الاحتجاجات لا تعني بالضرورة الدخول في أزمة مالية، محذراً من تحول الضغوط المعيشية إلى أزمة ثقة ممتدة إذا لم تتمكن الحكومات من تقديم استجابات فعالة، أو إذا لجأت إلى تعهدات إنفاق لا تتوافر لها مصادر تمويل مستدامة.

الإنفاق الحكومي بين الضغوط الاجتماعية والانضباط المالي

وفي ما يتعلق بتأثير الاحتجاجات في السياسات المالية، يعتقد بوكوليني بأن الضغوط الاجتماعية ستجعل القرارات المتعلقة بالإنفاق الحكومي أكثر صعوبة من الناحيتين السياسية والاجتماعية، لكنه يرفض حصر الخيارات في التقشف واسع النطاق أو الإنفاق غير المحدود.

ويعتبر أن جوهر النقاش ينبغي أن ينصب على تحديد أولويات الإنفاق، والفئات التي تحتاج إلى الحماية، والآليات المناسبة لتمويل الإجراءات الحكومية، معتبراً أن التعليم والخدمات الأساسية لا ينبغي التعامل معهما باعتبارهما مجرد بنود حسابية، دون إغفال تكاليف الدين العام.

وتقترب الديون الأوروبية من 1.12 تريليون دولار بحلول العام المقبل، بحسب تحذيرات صادرة عن محكمة المدققين الأوروبية، والتي ذكرت أن الدين يصل إلى 827.57 مليار دولار.

وفي فرنسا، أعلنت وزارة المال أن الدين العام سيسجّل هذه السنة أعلى مستوى منذ عام 1995، مدفوعاً بعجز حاد في الموازنة. 
كما يوضح الكاتب الإيطالي أن الحيز المالي المتاح للحكومات الأوروبية يواجه قيوداً متزايدة في ظل عوامل تشمل ضعف النشاط الاقتصادي، وارتفاع نفقات الفائدة، وإجراءات تخفيف أثر ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة الإنفاق الدفاعي، مؤكداً أن أي التزامات إنفاق إضافية ينبغي أن تستند إلى أولويات واضحة ومصادر تمويل موثوقة، داعياً إلى تقديم دعم مؤقت وموجّه للأسر الأكثر تضرراً والشركات القابلة للاستمرار، بدلاً من تقديم دعم شامل ودائم لجميع المستهلكين.

ويشدد على أهمية حماية الخدمات الأساسية، ومراجعة أوجه الإنفاق الأقل فاعلية، وتسريع الاستثمارات التي تحد من الاعتماد على الطاقة المستوردة، مع إبقاء مساعدات الطاقة مؤقتة ومركزة على الفئات الأكثر احتياجاً، بما يحقق التوازن بين تخفيف الضغوط المعيشية والحفاظ على استدامة المالية العامة.


الشتاء المقبل.. اختبار صعب للحكومات الأوروبية

ويحذر بوكوليني من أن الشتاء المقبل قد يضع الحكومات الأوروبية أمام معادلة أكثر تعقيداً، تتمثل في ارتفاع الاحتياجات الاجتماعية بالتزامن مع ضعف النمو وزيادة أعباء الموازنات العامة.

كما يشير إلى أن اللجوء إلى تخفيضات غير مدروسة في الإنفاق قد يؤدي إلى زيادة الاحتقان الاجتماعي وإضعاف الطلب، في حين أن التوسع في الإنفاق دون توفير تمويل مستدام قد يقوض الثقة في قدرة الحكومات على ضبط الدين العام.

 

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة