كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل قواعد الحرب الحديثة؟

نشر
آخر تحديث
كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل قواعد الحرب الحديثة؟

استمع للمقال
Play

د. حسين العمري

 

أستاذ علم الحاسوب والذكاء الاصطناعي في السيليكون فالي كاليفورنيا

المقال السابق⭠ (ضمن ملف الذكاء الاصطناعي وصناعة الدفاع) 


لم تعد الحروب الحديثة تُحسم بحجم الجيوش أو أعداد الدبابات والطائرات والصواريخ وحدها؛ بل باتت تعتمد بدرجة متزايدة على سرعة جمع البيانات وتحليلها واتخاذ القرارات وتنفيذها بدقة. ومع التسارع المتواصل في تقنيات الذكاء الاصطناعي، يشهد العالم تحولًا جذريًا في المفاهيم العسكرية التقليدية، قد يعيد صياغة العقائد العسكرية كما فعلت ابتكارات كبرى في الماضي، مثل الطائرات الحربية والأسلحة النووية.

فالقوة العسكرية لم تعد تُقاس بضخامة العتاد والتفوق الناري المباشر فقط، بل بمدى ذكاء الأنظمة وقدرتها على التكيف مع متغيرات المعركة. وهنا يبرز سؤال استراتيجي: هل ينتقل العالم من عصر التفوق في القوة النارية إلى عصر التفوق في سرعة اتخاذ القرار والأنظمة ذاتية التشغيل؟

من القوة النارية إلى التفوق المعلوماتي

اعتمدت النظريات العسكرية التقليدية على امتلاك قوة نارية متفوقة قادرة على تدمير قدرات الخصم. أما الذكاء الاصطناعي، فيضيف بُعدًا استراتيجيًّا جديدًا هو «التفوق المعلوماتي»: رصد ما يحدث في ساحة المعركة قبل الخصم، وفهمه بسرعة ودقة أكبر، ثم اتخاذ القرار المناسب.

تستطيع خوارزميات الذكاء الاصطناعي معالجة كميات هائلة من البيانات المتدفقة من الأقمار الصناعية، والطائرات المسيّرة، والرادارات، وأجهزة الاستشعار، واكتشاف أنماط قد يصعب على المحللين البشريين رصدها بالسرعة نفسها. وبذلك تتحول المعلومات من مجرد عنصر داعم إلى أحد أهم مصادر التفوق الاستراتيجي.

سرعة اتخاذ القرار.. السلاح الجديد في المعركة

من أبرز التحولات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي تقليص الزمن بين اكتشاف التهديد والاستجابة له. ويرتبط ذلك بدورة القرار (OODA Loop)، التي تتكون من أربع مراحل: المراقبة، والتوجيه، واتخاذ القرار، والتنفيذ. وكلما أكمل أحد الطرفين هذه الدورة أسرع من خصمه، ازدادت قدرته على المبادرة وفرض إيقاع المعركة.

يساعد الذكاء الاصطناعي على تسريع الدورة بتحليل المعلومات وتقييم السيناريوهات واقتراح الخيارات. لكن السرعة لا تعني بالضرورة اتخاذ قرارات أفضل؛ فالاعتماد على بيانات غير دقيقة قد يؤدي إلى أخطاء كارثية، خصوصًا في البيئات المأهولة بالمدنيين. لذا، يكمن التفوق الحقيقي في الجمع بين السرعة والدقة والتقييم البشري.

وكلاء الذكاء الاصطناعي.. من دعم القرار إلى التنفيذ المستقل

يمثل ظهور وكلاء الذكاء الاصطناعي (AI Agents) تحولًا عميقًا؛ إذ لم تعد الأنظمة مقتصرة على تقديم التوصيات، بل أصبحت قادرة على التخطيط وتنفيذ المهام والتفاعل مع أنظمة أخرى بدرجات متفاوتة من الاستقلالية.

وتزداد الخطورة عند اجتماع ثلاثة عناصر متزامنة: القدرات الذكية المتقدمة، والاستقلالية التشغيلية، والصلاحيات التنفيذية وإمكانية الوصول إلى المنظومات العسكرية.

تبلغ الخطورة ذروتها عندما تخطط الأنظمة وتنفّذ وتتفاعل من دون الرجوع إلى الإنسان؛ فعندئذٍ لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة، بل يصبح جهةً مفوَّضة بصلاحيات قد تترتب عليها عواقب جسيمة. لذلك، لا يقتصر السؤال على «ما مدى ذكاء النظام؟»، بل يمتد إلى ما يُسمح له بفعله، وحدود عمله من دون موافقة بشرية، والجهة التي تملك سلطة إيقافه.

الأنظمة ذاتية التشغيل وتغيير طبيعة المعارك

أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية كيف تستطيع الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة تهديد معدات باهظة الثمن، مما فرض إعادة النظر في الجدوى الاقتصادية للمنظومات التقليدية. وتمنح تقنيات الذكاء الاصطناعي هذه الأنظمة قدرات متقدمة، مثل الملاحة المستقلة والتعرف على الأجسام ومواصلة بعض المهام عند انقطاع الاتصال بالمشغّل.



وفي تطور يعكس انتقال هذه التقنيات إلى صميم التنظيم العسكري، أعلن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إنشاء «قيادة الحرب ذاتية التشغيل»  (AutoWarCom)، بهدف تسريع دمج الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والأنظمة الروبوتية في الجيش الأميركي، على أن يبدأ تفعيلها بحلول الأول من أكتوبر 2027، بقيادة ضابط برتبة أربع نجوم. وتعكس هذه الخطوة تحول الأنظمة ذاتية التشغيل من أدوات مساندة إلى مكونات أساسية في التخطيط والعمليات العسكرية.

تطوّر الجيوش اليوم أسرابًا من الطائرات المسيّرة والروبوتات القادرة على تنسيق مهامها فيما بينها. غير أن استقلالية الحركة والملاحة تختلف جذريًّا عن استقلالية اختيار الأهداف واستخدام القوة القاتلة؛ فالأولى تتعلق بتنفيذ المهمة، بينما تثير الثانية معضلات أخلاقية وقانونية بالغة الخطورة.

بالانتير.. عندما يتحول الذكاء الاصطناعي إلى منظومة عسكرية

تبرز شركة بالانتير مثالًا على دمج الذكاء الاصطناعي في منصات تحليل البيانات والقيادة. ففي نوفمبر 2024، أعلنت بالانتير وأنثروبيك، بالتعاون مع أمازون ويب سيرفيسز (AWS)، إتاحة نماذج Claude لقطاعات الدفاع والاستخبارات الأميركية.

تُظهر هذه الشراكة أن الأثر العسكري للذكاء الاصطناعي لا تحدده قدرات النموذج البرمجي وحدها، بل تحدده أيضًا المنصة التي يُدمج فيها والصلاحيات التي تُمنح له. ومن ثم، تتوزع المسؤولية على ثلاثة أطراف: الشركة المطوِّرة للنموذج، والشركة التي تدمجه في الأنظمة العسكرية، والمؤسسة العسكرية التي تحدد صلاحيات استخدامه.

ولا يعني دمج النموذج في منصة عسكرية تجاوز القيود التي تضعها الشركة المطوّرة، لكنه يثير تساؤلات بشأن مدى فاعلية تلك القيود عند تشغيل النماذج ضمن منظومات عسكرية معقدة.

خلاف البنتاغون وأنثروبيك.. من يملك القرار العسكري الأخير؟

تجلّت هذه المعضلة في الخلاف الذي تصاعد في فبراير 2026 بين وزارة الدفاع الأميركية وشركة «أنثروبيك» حول حدود الاستخدام العسكري لنماذج Claude. فقد طالب البنتاغون بإتاحتها لجميع الأغراض العسكرية المشروعة قانونًا، بينما أصرت الشركة على استثناء المراقبة الجماعية للمواطنين الأميركيين والأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل بالكامل من دون رقابة بشرية مناسبة؛ إذ رأت أن النماذج الحالية لا تتمتع بالموثوقية الكافية لتفويضها قرارات استخدام القوة القاتلة.

بلغ الخلاف ذروته في 27 فبراير 2026، حين وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب الوكالات الفدرالية إلى وقف استخدام تقنيات أنثروبيك تدريجيًّا، وصنّف البنتاغون الشركة خطرًا على سلاسل التوريد العسكرية. ثم انتقل النزاع إلى القضاء، وفي 14 أكتوبر 2026 طلبت أنثروبيك إعادة النظر في حكم استئنافي يتعلق بهذا التصنيف.



تجاوز هذا النزاع أبعاده التجارية ليطرح سؤالًا استراتيجيًّا: من يملك السلطة النهائية لتحديد حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب؟ إن قرارات كهذه لا ينبغي أن تخضع لإرادة شركة أو مؤسسة عسكرية بمفردها، بل يجب أن تستند إلى ضوابط تشريعية ودولية واضحة.

أخلاقيات الذكاء الاصطناعي.. بقاء الإنسان في دائرة القرار

لتفادي خروج الأنظمة عن السيطرة، يبرز مبدأ الإنسان داخل دائرة القرار، الذي يقتضي خضوع القرارات الحساسة لموافقة بشرية واعية. وهناك مفهوم الإنسان المشرف على دائرة القرار، الذي يتيح للنظام تنفيذ بعض المهام مع استمرار الرقابة البشرية وإمكانية التدخل لإيقافه.

لا تكفي الرقابة البشرية إذا كانت صورية، أو إذا كانت سرعة النظام تمنع المشرف من فهم توصياته قبل تنفيذها. فالرقابة الفاعلة تتطلب إنسانًا يملك الوقت والمعلومات والصلاحيات اللازمة للتقييم والتدخل وتحمل المسؤولية. وفي هذا السياق، دعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى حظر الأسلحة ذاتية التشغيل التي لا يمكن التنبؤ بتصرفاتها بدرجة كافية، وكذلك الأنظمة المصممة لاستهداف البشر مباشرة، مع فرض قيود صارمة على الأنظمة الأخرى.

هل تتراجع أهمية القوة النارية؟

من الخطأ الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيجعل الأسلحة التقليدية غير ضرورية؛ فالحروب لا تزال تتطلب قدرات مادية للسيطرة على الأرض وتدمير الأهداف العسكرية. ويعمل الذكاء الاصطناعي بوصفه مضاعِفًا للقوة، عبر تحسين التنسيق وتوزيع الموارد وتقليل الهدر.

قد يتفوق جيش أقل قوة نارية، لكنه يمتلك معلومات أدق ويتخذ قرارات أسرع، على جيش أكبر يفتقر إلى هذه المزايا. ومع ذلك، لا يعوّض الذكاء الاصطناعي النقص الحاد في الذخائر، كما لا تعوّض سرعة القرار سوء التقدير الاستراتيجي. لذلك، لن يكون التفوق المستقبلي للقوة النارية وحدها ولا للذكاء الاصطناعي بمفرده، بل للتكامل بين الذكاء والسرعة والقوة المادية والخبرة البشرية.

 التفوق دون فقدان السيطرة

لا يكمن أخطر تحول في مستقبل الحروب في امتلاك أنظمة أشد ذكاءً فحسب، بل في اتساع دورها من تحليل المعلومات ودعم القرار إلى التأثير المباشر في مسار المعركة. ومن ثم، تصبح السيطرة البشرية والمساءلة شرطين أساسيين لاستخدامها.
وعليه، لا يُقاس التفوق العسكري في عصر الذكاء الاصطناعي بقوة الأنظمة وحدها، بل بقدرة المؤسسات على توظيفها بسرعة ودقة، مع ضبط صلاحياتها ومراقبة قراراتها وتحديد المسؤولية عن نتائجها.

وبقدر ما تتسع استقلالية هذه الأنظمة وصلاحياتها التنفيذية، ينبغي أن تزداد صرامة الرقابة البشرية، وأن تتضح آليات التدخل والمساءلة؛ فالتفوق الذي يفقد الإنسان سلطة التحكم لا يظل تفوقًا مأمونًا.

لذلك، ينبغي أن يبقى الذكاء الاصطناعي أداةً تعزز قدرة الإنسان على اتخاذ قرارات أسرع وأدق، من دون أن تنتزع منه سلطة الحكم النهائي أو المسؤولية عن القرارات التي تحدد من يعيش ومن يموت.


المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها، ولمزيد من المقالات يمكنكم زيارة صفحة "مقالات الرأي"

 

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة