تجاوز العائد على السندات الحكومية الفرنسية القياسية لأجل 10 سنوات حاجز 5% لفترة وجيزة يوم الأربعاء، وذلك للمرة الأولى منذ عام 2002، في وقت تواجه فيه البلاد أزمات متعددة.
وشهدت عطلة نهاية الأسبوع اضطرابات مدنية واسعة النطاق، تخللتها احتجاجات عنيفة وأعمال شغب، وسط حالة من الاستياء الشعبي العام. وفي الوقت ذاته، تواجه الحكومة الفرنسية صعوبات في تمرير الميزانية العامة عبر برلمان منقسم، في ظل تزايد ضغوط الأسواق المطالبة بإجراء إصلاحات مالية جذرية، استجابةً لتفاقم الدين العام واتساع عجز الميزانية.
وبلغ العائد على السندات الحكومية الفرنسية (OAT) لأجل 10 سنوات نحو 4.9794%، مرتفعاً بنحو 6 نقاط أساس، بعدما تجاوز مستوى 5% قبيل الساعة 11:30 صباحاً بتوقيت باريس (5:30 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة).
وتُمارس الأسواق المالية ضغوطاً متزايدة على فرنسا لإصلاح أوضاعها المالية، إذ يخشى المستثمرون أن يواجه البرلمان، الذي يعاني من انقسامات سياسية، صعوبة في التوصل إلى اتفاق بشأن خفض الإنفاق اللازم للحد من العجز المتضخم والدين العام.
ويجري المشرعون حالياً مفاوضات بشأن ميزانية عام 2027، حيث صرّح رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو بأن الحكومة تستهدف خفض الإنفاق بقيمة 54 مليار يورو (60.6 مليار دولار).
وتخضع فرنسا حالياً لـ«إجراءات العجز المفرط» التي يفرضها الاتحاد الأوروبي، إذ يوصي التكتل باريس بخفض عجزها العام إلى نحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنسبة 5.1% المسجلة في نهاية العام الماضي.
وأصبحت مناقشات الميزانية مصدراً لاضطرابات سياسية كبيرة في فرنسا خلال السنوات الأخيرة. فبعد تعثر مفاوضات العام الماضي، لجأ ليكورنو في فبراير/شباط إلى تشريعات طارئة لتمرير ميزانية ذلك العام دون الحصول على موافقة البرلمان.
وفي تصريحات لإذاعة «آر تي إل» (RTL) الفرنسية يوم الأربعاء، أشار وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور إلى أن الحكومة مستعدة لتجاوز البرلمان مجدداً، إذا لزم الأمر، لضمان تمرير ميزانية العام المقبل.
وأكد ليسكور، خلال حديثه للإذاعة ذاتها، ثقته في إمكانية إقرار الميزانية ضمن الإطار الزمني المحدد، قائلاً: «أنا على يقين من ذلك، لأنه ببساطة ليس لدينا خيار آخر. نمتلك الأدوات اللازمة لتمرير الميزانية، لذا أنا على يقين بأننا سننجح».
وأشار إلى أن الحكومة تمتلك «ضمانات» يمكنها اللجوء إليها لفرض إقرار الميزانية، بما في ذلك المادة 49.3 من الدستور الفرنسي، التي تتيح لرئيس الوزراء تمرير مشروع قانون في الجمعية الوطنية دون الحاجة إلى إجراء تصويت.
وقال للإذاعة: «إذا انحرفنا عن المسار، فسنفعّل هذه الضمانات».
يُذكر أن حكومات سابقة سقطت عندما بلغت الخلافات حول الإنفاق ذروتها. وقد استقال ليكورنو نفسه بعد أقل من شهر على توليه منصبه بسبب خلافات حول الميزانية، لكن الرئيس إيمانويل ماكرون أعاد تعيينه بعد أيام قليلة.
غير أن جهود الحكومة للسيطرة على العجز المالي في فرنسا تواجه تعقيدات بسبب احتجاجات واسعة النطاق، اتخذت طابعاً أكثر عنفاً منذ انطلاقها كحركة طلابية في باريس الشهر الماضي. وبلغت هذه الاضطرابات ذروتها خلال عطلة نهاية الأسبوع، مع أعمال شغب ونهب قدّرت السلطات الأضرار الناجمة عنها بمئات الملايين من اليورو.
كما يترقب المتعاملون في سوق السندات الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في الربيع المقبل، باعتبارها مصدراً محتملاً لمزيد من عدم الاستقرار. وكانت مارين لوبان، مرشحة اليمين التي تتصدر حالياً استطلاعات الرأي، قد صرّحت في وقت سابق من هذا الشهر بأنها قادرة على خفض العجز إلى أقل من 3% في غضون 18 شهراً من انتخابها، إلا أن منتقديها يشككون في مدى مصداقية خطط التوفير التي تقترحها.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي