رئيس الأبحاث في مجموعة إكويتي
حدث في وول ستريت يوم الخميس 15 أكتوبر ما يستحق اهتمام المستثمر أكثر من كثير من توقعات نهاية العام. أعلنت الولايات المتحدة ارتفاع أسعار المنتجين بنسبة 6.3% سنويًّا، في أقوى قراءة منذ نهاية 2022، ومع ذلك اتجهت الأموال إلى شراء سندات الخزانة الأميركية، فانخفض عائد السنوات العشر إلى نحو 5.09%، بعدما تجاوز 5.3% قبل أيام قليلة. وفي الوقت نفسه، كانت أسهم شركات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي تتعرض لموجة بيع بسبب القلق من ديونها وقدرتها على تمويل التوسع.
هذا التحول مهم لفهم ما قد يحدث في الأسابيع المتبقية من 2026. طوال الأشهر الماضية، كانت الأسواق تخشى استمرار التضخم وارتفاع الفائدة. واليوم بدأ خوف آخر ينافسه: ماذا لو أصبحت تكلفة التمويل المرتفعة تهدد الاستثمارات الضخمة التي دعمت النمو وأرباح الشركات وارتفاع الأسهم الأميركية؟
بين هذين الخطرين تتشكل الفرص الاستثمارية للربع الأخير. فالمستثمر يستطيع الحصول على عائد يتجاوز 4% سنويًّا من أدوات خزانة أميركية قصيرة الأجل، في حين باتت بعض الشركات تحتاج إلى أرباح استثنائية لتبرير أسعار أسهمها. وقد تكون الفرصة الأهم خلال ما تبقى من العام في استغلال هذا التغير في تكلفة رأس المال، واختيار الأصول التي تستطيع مواجهة تباطؤ النمو أو استمرار التضخم من دون الاعتماد على نجاح سيناريو اقتصادي واحد.
حين يعود العائد إلى السندات... وتصبح مدته مصدر الخطر
كانت الأسهم خلال السنوات التي أعقبت الأزمة المالية العالمية تتمتع بميزة يصعب منافستها. الفائدة المنخفضة والعوائد الحقيقية الضعيفة جعلتا المستثمر أكثر استعدادًا لدفع تقييمات مرتفعة مقابل أرباح مستقبلية. وعندما أصبحت الأموال شبه مجانية، استطاعت شركات كثيرة تمويل التوسع طويل الأجل بتكلفة محدودة.
تغيرت هذه المعادلة بصورة واضحة..
عائد السندات الأميركية لأجل عامين يدور قرب 4.75%، بينما يبلغ عائد السنوات العشر نحو 5.1%، وتتيح السندات المحمية من التضخم لأجل عشر سنوات عائدًا حقيقيًّا يقارب 2.8%. وتلك مستويات تمنح المستثمر خيارات لم تكن متاحة بالقدر نفسه خلال العقد الماضي.
لكنني أعتقد أن الخطأ الأكبر حاليًّا سيكون التعامل مع عائد 5% باعتباره ضمانًا لتحقيق ربح مماثل قبل نهاية ديسمبر. فهذا العائد يُعبّر عن معدل سنوي حتى الاستحقاق وفق شروط محددة، بينما تتأثر القيمة السوقية للسند طويل الأجل بتحركات الفائدة. وقد تؤدي زيادة العوائد نقطة مئوية واحدة إلى خسارة سعرية تقارب 8% لسند تبلغ مدته المعدلة ثماني سنوات، حتى إن بقيت الحكومة الأميركية قادرة على سداد التزاماتها بالكامل.
لهذا أميل إلى إعطاء الأولوية لأذون الخزانة والسندات القصيرة، مع امتداد مدروس إلى آجال تتراوح بين عامين وخمسة أعوام. الجزء القصير يمنح دخلًا وسيولة، والجزء المتوسط يتيح الاستفادة إذا بدأت العوائد بالتراجع نتيجة تباطؤ الاقتصاد. أما التوسع الكبير في السندات طويلة الأجل فيحتاج إلى اقتناع بأن موجة التضخم والقلق من العجز المالي اقتربت من نهايتها.
وهنا توجد نقطة مهمة يغفلها كثيرون. السند الحكومي يمكن أن يؤدي وظيفتين مختلفتين تبعًا للصدمة الاقتصادية. إذا انهارت الأسهم بسبب مخاوف الركود، قد تنخفض العوائد وترتفع أسعار السندات. أما إذا جاءت الأزمة من ارتفاع النفط والتضخم، فقد تخسر الأسهم والسندات الطويلة معًا، كما حدث خلال أجزاء مهمة من 2022.
شهدنا هذا التحول بالفعل خلال الأيام الأخيرة. ارتفاع التضخم لم يمنع شراء السندات عندما بدأت الأسواق تخشى تباطؤ الإنفاق على الذكاء الاصطناعي. لذلك فإن توزيع آجال السندات أصبح بالنسبة إلي أكثر أهمية من مجرد البحث عن أعلى عائد متاح.
وول ستريت تواجه امتحانًا لم تخضه منذ سنوات
تقترب الأسهم الأميركية من نهاية العام وهي تحمل مزيجًا غير معتاد من قوة الأرباح وارتفاع تكلفة رأس المال. مؤشر ستاندرد آند بورز 500 يتداول قرب 7,700 نقطة، بينما تشير توقعات الربع الثالث إلى نمو الأرباح بنحو 30.6% على أساس سنوي.
الرقم يبدو قويًّا للغاية، إلى أن نستبعد الشركات السبع الكبرى. عندها ينخفض نمو الأرباح المتوقع لبقية شركات المؤشر إلى نحو 5% فقط.
هذه الفجوة تفسر حجم الحساسية التي وصلت إليها السوق. المستثمر الذي يشتري المؤشر يراهن بصورة كبيرة على استمرار عدد محدود من شركات التكنولوجيا في تحقيق أرباح استثنائية. وفي منتصف أكتوبر، كان نحو 62% من شركات ستاندرد آند بورز 500 يتداول دون متوسطاته المتحركة لخمسين يومًا، رغم بقاء المؤشر نفسه قريبًا من قمته.
لذلك تستحق نتائج الشركات خلال الأسابيع المقبلة متابعة دقيقة. ارتفاع الأرباح الإجمالية قد يخفي ضعفًا أوسع في النشاط، واستمرار الشركات الكبرى في تجاوز التوقعات أصبح شرطًا أساسيًّا للحفاظ على زخم السوق.
الأكثر أهمية أن سوق الائتمان بدأت تختبر الأساس المالي لطفرة الذكاء الاصطناعي. شركة CoreWeave، التي توسعت سريعًا في تمويل مراكز البيانات، ارتفعت تكلفة التأمين ضد تعثر ديونها إلى أكثر من 1,100 نقطة أساس، فيما وصلت عوائد بعض سنداتها إلى نحو 16%. وتعرضت سندات شركات تكنولوجية أخرى لضغوط متزايدة مع ارتفاع تكلفة الاقتراض.
هذه الأرقام تكشف انتقال النقاش من حجم الطلب على الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاديات تمويله. بناء مركز بيانات يحتاج إلى رأسمال ضخم قبل سنوات من استرداد الاستثمار، والإنفاق على الرقائق والطاقة والبنية التحتية يستمر بينما تتغير الأسعار والتكنولوجيا بسرعة. وقد تكون الشركة قادرة على زيادة إيراداتها، وتبقى مع ذلك معرضة لضغوط مالية إذا كانت تكلفة ديونها أعلى من العائد الذي تحققه على رأس المال المستثمر.
تذكّرنا هذه المرحلة بأحد دروس فقاعة التكنولوجيا مطلع الألفية. فقد غيّر الإنترنت الاقتصاد العالمي فعلًا، واستمرت البنية التحتية للاتصالات في التوسع، لكن نجاح التكنولوجيا لم يمنع خسائر ضخمة للمستثمرين الذين دفعوا أسعارًا مرتفعة مقابل نمو مستقبلي بالغ التفاؤل.
وأعتقد أن هذا الدرس أصبح مهمًّا لأسهم الذكاء الاصطناعي خلال الربع الأخير. التمييز المطلوب سيكون بين الشركات التي تستخدم التدفقات النقدية المتحققة لتمويل توسعها، وتلك التي تعتمد على استمرار استعداد المقرضين لتقديم الأموال.
من هنا أرى فرصًا في شركات تحقق أرباحًا فعلية من خدمات التكنولوجيا والبرمجيات، وكذلك في المعدات الكهربائية وشبكات الطاقة والأتمتة الصناعية، مع الانتباه إلى تقييماتها. فالإنفاق على مراكز البيانات يزيد الطلب على الكهرباء والمعدات، لكن استفادة القطاع من موجة استثمارية قوية لا تضمن أن يكون كل سهم فيه جذابًا بالسعر الحالي.
وقد تكون شركات الرعاية الصحية والأدوية والسلع الاستهلاكية الأساسية ذات الميزانيات القوية أكثر قدرة على مواجهة تقلبات السوق، خصوصًا عندما تتداول بتقييمات معقولة. أفضلية هذه القطاعات تأتي من استقرار الطلب وقدرتها على توليد التدفقات النقدية، وهي خصائص تزداد قيمة كلما ارتفعت كلفة التمويل.
أين توجد الفرص خارج الأسهم الأميركية؟
أحد الأخطاء التي قد يرتكبها المستثمر الآن هو اعتبار شراء مؤشرات أسهم من دول مختلفة تنويعًا كافيًا. فالاعتماد على التكنولوجيا الأميركية يمتد إلى بورصات أخرى، خصوصًا أسواق الرقائق في آسيا. وأظهرت خسائر الأسهم الكورية واليابانية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي خلال أكتوبر مدى سرعة انتقال ضغوط وول ستريت إلى الأسواق العالمية.
لهذا أفضّل البحث عن اختلاف في مصادر الأرباح والمخاطر الاقتصادية.
توجد في أوروبا شركات صناعية ودوائية ومجموعات متخصصة في المعدات الكهربائية والدفاع تتمتع بحضور عالمي وتقييمات أقل من بعض نظيراتها الأميركية. لكن ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط على المالية العامة الفرنسية يجعل التركيز على الشركات ذات المديونية المحدودة والقدرة على توليد النقد أكثر أهمية من شراء السوق الأوروبية ككل.
وفي اليابان، تبرز فرصة مختلفة. فقد ساعدت إصلاحات حوكمة الشركات وتحسين استخدام رأس المال على زيادة الاهتمام بالسوق، لكن اتجاه بنك اليابان نحو التشديد وتحركات الين يضيفان مخاطرة لا ينبغي تجاهلها. ارتفاع الين قد يحسن عائد المستثمر الأجنبي بعد تحويل العملة، بينما يضغط على أرباح الشركات اليابانية المعتمدة على التصدير.
أما في الأسواق الناشئة، فارتفاع أسعار الطاقة والعوائد الأميركية يفرض انتقائية أكبر. الدول المستوردة للنفط قد تواجه ضغطًا على العملات والحسابات الخارجية، في حين تستفيد بعض الاقتصادات المصدرة للطاقة من الإيرادات المرتفعة، مع بقاء المخاطر المرتبطة بالشحن والتجارة والإنفاق الحكومي.
هذه الاختلافات هي التي يمكن أن تمنح التنويع الجغرافي قيمة فعلية، خصوصًا إذا بدأت الأسهم الأميركية مرحلة إعادة تقييم خلال ما تبقى من أكتوبر ونوفمبر.
الذهب يعود إلى المحافظ من باب مختلف
الذهب يستحق مكانًا في هذه المعادلة، لكن وظيفته تختلف عن وظيفة السندات أو الأسهم.
خلال الربع الثالث، استقطبت صناديق الذهب العالمية نحو 31 مليار دولار، وهو أعلى تدفق فصلي مسجل، وارتفعت حيازاتها إلى مستوى قياسي يبلغ 4,256 طنًا. والأكثر لفتًا للانتباه أن سبتمبر شهد دخول نحو 10 مليارات دولار إلى هذه الصناديق رغم تراجع الذهب بأكثر من 8% خلال الشهر.
هذه الحركة تكشف أن جزءًا من المستثمرين يستخدم الذهب لتنويع المخاطر المرتبطة بالديون والتضخم والأسواق المالية، حتى عندما تصبح كلفة الاحتفاظ به مرتفعة نتيجة صعود العوائد الحقيقية.
لكنني أرى أن بناء مركز كبير في الذهب خلال الربع الأخير يحمل مخاطرة واضحة، خصوصًا مع استمرار الفيدرالي في إبقاء باب التشديد مفتوحًا. ارتفاع الدولار والعوائد الحقيقية قد يؤدي إلى موجة ضغط جديدة على الأسعار. لذلك يبدو الاحتفاظ بحصة تحوطية، مع زيادة المراكز تدريجيًّا عند التصحيحات، أكثر اتساقًا مع البيئة الحالية من المراهنة على صعود سريع إلى القمم السابقة.
أما النفط، فقد تحول إلى عامل يحدد أداء أصول كثيرة أخرى. خام برنت قرب 105 دولارات يرفع إيرادات بعض الشركات المنتجة، لكنه يضغط في الوقت نفسه على استهلاك الوقود والنقل وأرباح الصناعات كثيفة الطاقة. وقد يدفع استمرار هذه المستويات إلى تباطؤ الطلب العالمي، ما يجعل الاستثمار المباشر في الخام شديد الحساسية لأي تغير سياسي أو تحسن في الإمدادات.
لذلك فإن التعرض الانتقائي لشركات الطاقة القادرة على تحقيق تدفقات نقدية وتوزيعات مستقرة قد يكون أكثر ملاءمة لبعض المستثمرين من الاعتماد على استمرار ارتفاع العقود النفطية.
ما الذي يمكن أن يغيّر اتجاه الأموال قبل نهاية ديسمبر؟
أرى أن السوق دخلت مرحلة توازن دقيق بين التضخم ومخاطر النمو. وإذا استمرت الطاقة مرتفعة وأظهرت البيانات مزيدًا من الضغوط السعرية، فقد تعود العوائد إلى الصعود ويصبح الاستثمار في أدوات الدين القصيرة والشركات الأقل مديونية أكثر جاذبية نسبيًّا. وفي هذه البيئة، ستبقى الأسهم ذات التقييمات المرتفعة والسندات الطويلة أكثر عرضة للتقلبات.
أما إذا امتدت الضغوط المالية من بعض شركات الذكاء الاصطناعي إلى قطاعات الائتمان الأخرى، فقد تتحول السوق تدريجيًّا نحو حماية رأس المال. عندها قد تستفيد السندات الحكومية المتوسطة الأجل والأسهم الدفاعية من تراجع توقعات النمو والفائدة، بينما تواجه الشركات المعتمدة على التمويل الخارجي ضغوطًا إضافية.
يبقى الاحتمال الثالث مرتبطًا بانحسار صدمة الطاقة وتراجع التضخم من دون تدهور كبير في الاقتصاد. هذا المسار قد يعيد المستثمرين إلى الأسهم، ويوسع المكاسب نحو القطاعات الصناعية والشركات متوسطة الحجم والأسواق الخارجية، بعدما تركز جانب كبير من النمو داخل التكنولوجيا الأميركية.
لهذا أرى أن المحفظة الملائمة للمرحلة الحالية ينبغي أن تجمع بين أدوات حكومية قصيرة ومتوسطة الأجل توفر دخلًا وسيولة، وأسهم منتقاة تستطيع تمويل نموها من أرباحها، وحصة من الذهب للتحوط، مع تجنب الإفراط في التعرض للديون الائتمانية المرتفعة المخاطر.
الأهم أن تبقى هناك سيولة يمكن استخدامها عندما تعيد الأسواق تسعير أصل جيد تحت ضغط موجة بيع واسعة. ففي بيئة توفر فيها أذون الخزانة عائدًا يتجاوز 4% سنويًّا، أصبح الاحتفاظ بالسيولة خلال الانتظار أقل تكلفة من السنوات التي كانت فيها الفائدة قريبة من الصفر.
مع ذلك، تختلف هذه الخيارات حسب موعد حاجة المستثمر إلى أمواله. من يحتاج السيولة قبل نهاية العام ستكون أولويته حماية رأس المال من تقلبات الأسعار، بينما يستطيع المستثمر الذي يمتلك أفقًا أطول زيادة تعرضه للأصول المنتجة للأرباح عند تراجع تقييماتها.
في تقديري، أفضل فرص الربع الأخير ستظهر عندما يبالغ المستثمرون في تسعير أحد الخطرين اللذين يواجهان الأسواق حاليًّا: استمرار التضخم، أو تباطؤ النمو بفعل ارتفاع تكلفة التمويل.
فإذا اشتدت المخاوف من التضخم، قد تصبح بعض السندات والشركات عالية الجودة أرخص مما تبرره أساسياتها. وإذا طغت مخاوف النمو، قد تظهر فرص في الأسهم القادرة على الحفاظ على أرباحها خلال التباطؤ.
الميزة التي أبحث عنها حتى نهاية 2026 هي الجمع بين عائد قائم اليوم، وقدرة على تحمل التقلب، وسيولة تسمح بشراء أصول جيدة عندما تصبح أسعارها أكثر جاذبية.
مقال رأي| قرار الاحتياطي الفدرالي.. هل يثبت الفائدة أم يفاجئ الأسواق؟
مقال رأي| ارتفاع عوائد السندات الأميركية.. الفدرالي والتضخم والدين العام يعيدون رسم المشهد
المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها، ولمزيد من المقالات يمكنكم زيارة صفحة "مقالات الرأي"
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي