يكتسب النحاس أهمية استراتيجية متزايدة بالنسبة للحكومات والقطاعات الصناعية، في ظل تزايد الطلب عليه نتيجة التوسع في مجالات الذكاء الاصطناعي، والاستثمار في شبكات الطاقة، والإنفاق الدفاعي.
وقد تفوق أداء هذا المعدن، الذي يُعد عنصراً أساسياً في الإلكترونيات والبناء والنقل، وغالباً ما يُنظر إليه كمؤشر على مستوى النشاط الاقتصادي، على أداء الذهب هذا العام، وذلك مع تزايد الحاجة إلى تأمين إمدادات موثوقة منه.
سجل النحاس ارتفاعاً بنسبة 15.8% منذ بداية العام، وبأكثر من 30% خلال الأشهر الاثني عشر الماضية.
وفي المقابل، تراجعت عقود الذهب الآجلة بنسبة 4.11% منذ بداية العام، وبنسبة 4.52% خلال الأشهر الاثني عشر الماضية. أما الذهب الفوري، فقد انخفض بنسبة 4.89% خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، وبنسبة 4% منذ بداية العام.

سجل سعر النحاس لعقد الثلاثة أشهر في بورصة لندن للمعادن مستوى قياسياً تاريخياً بلغ 14,779 دولاراً للطن يوم الثلاثاء الماضي، مواصلاً مكاسبه للجلسة الرابعة على التوالي، قبل أن يتراجع قليلاً نحو 14,630 دولاراً صباح الأربعاء.
وفي الولايات المتحدة، يُتداول النحاس في بورصة كومكس COMEX عند مستوى يقارب 6.50 دولار للرطل، مدفوعاً بنفس العوامل التي تحرك الأسعار في لندن.
وفي حديثه لشبكة CNBC، قال تايلور ملفين، الرئيس التنفيذي لشركة Ivanhoe Electric، إن الدول والمناطق والقطاعات الصناعية باتت تولي اهتماماً متزايداً لتأمين الوصول إلى المعادن، وذلك لدواعي الأمن القومي، والنمو الاقتصادي، وتطوير البنية التحتية التكنولوجية. وأشار ملفين إلى أن هذا التحول ساهم في دعم أسعار النحاس.
وأكد ملفين، الذي تدير شركته، ومقرها أريزونا، عمليات في مجالات التعدين والاستكشاف، مع التركيز على النحاس والذهب والفضة والنيكل والكوبالت: "إنه بالتأكيد وقت مناسب للعمل في قطاع تعدين النحاس على مستوى العالم، ولا سيما في الولايات المتحدة".
وأضاف ملفين، الذي جاءت تصريحاته تزامناً مع انطلاق "أسبوع بورصة لندن للمعادن" (LME Week)، وهو التجمع السنوي لصناعة المعادن العالمية، في لندن يوم الاثنين: "نحن نعيش في عالم أصبحت فيه المعادن التي كنا وما زلنا نصنفها كمعادن حيوية، تتحول فعلياً إلى معادن استراتيجية بكل ما تحمل الكلمة من معنى".
الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي وقطاع الدفاع
يأتي هذا التحول في وقت يتساءل فيه المستثمرون عن مدى استدامة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي وتوسيع مراكز البيانات الضخمة (hyperscaler build-out)، وهو ما أدى مؤخراً إلى حالة من عدم الاستقرار في أسهم شركات التكنولوجيا.
ومع ذلك، أعرب ملفين عن اعتقاده بأن النحاس سيظل صامداً في وجه التقلبات الأخيرة.
"إنه مجال جديد للطلب، ويمكن القول إن الطلب على النحاس في هذا القطاع غير مرن تقريباً"، هكذا وصف حاجة قطاع التكنولوجيا لهذا المعدن. وأضاف: "من الصعب تصور أن تتخذ إحدى شركات التكنولوجيا الكبرى قراراً استثمارياً بشأن إنشاء مركز بيانات ضخم بناءً على تكلفة النحاس".
وتابع قائلاً: "ينطبق هذا النوع من غياب المرونة أيضاً على مجال آخر بدأ يبرز فيه الطلب، وهو قطاع الأمن القومي وميزانيات الدفاع الوطني. لذا، عند النظر إلى الطلب على النحاس وتأثير التكنولوجيا وبنية تحتية للذكاء الاصطناعي، يمكننا جميعاً الاتفاق على أن هذا السوق في حالة نمو".
وأضاف "صحيح أنه حدث تراجع، أو انحسار، في تقييمات شركات التكنولوجيا، لكن يمكن للأمرين أن يكونا صحيحين في آن واحد؛ فقد تشهد أسواق المال تغيراً في المعنويات تجاه قيم الأسهم، وفي الوقت ذاته، تواصل تلك القطاعات نموها، مما سيخلق طلباً إضافياً على معدننا".
وتواصل مراكز البيانات، وإنتاج السيارات الكهربائية، وتوسيع شبكات الطاقة، المرتبطة جميعها بالتحول الطاقوي، زيادة الطلب على معدنٍ لا ينمو إنتاجه العالمي من المناجم إلا بجزء ضئيل من وتيرة نموه التي شهدها في تسعينيات القرن الماضي. هذا هو السياق الذي يشير إليه المحللون عند الحديث عن فجوة في الإمدادات تمتد لسنوات، وليست مجرد دورة اقتصادية عابرة، وهو السبب الذي يدفع المشترين إلى عدم انتظار عودة "رسوم المعالجة" إلى مستوياتها الطبيعية، بل يسارعون لتأمين إمداداتهم فوراً.
الرسوم الجمركية الأميركية على النحاس
من جانب آخر، ساهمت حالة عدم اليقين بشأن ما إذا كانت الولايات المتحدة ستفرض رسوماً جمركية على النحاس المكرر في تعزيز هذا الصعود. ففي عام 2025، أوصت وزارة التجارة بفرض رسوم جمركية بنسبة 15% بدءاً من الأول من يناير 2027، لكن لم يُعلن بعد عن أي قرار نهائي بشأن هذه الرسوم المقترحة.
في هذا الإطار، قال إيان بايل، مدير الاستثمار الأول في شركة أبردين إنفستمنتس Aberdeen Investments والمشارك في إدارة صندوق "أبردين للمعادن المستقبلية": "نظراً لاحتمالية فرض الولايات المتحدة رسوم جمركية، بات جزء كبير من مخزونات النحاس العالمية مخزناً داخل الولايات المتحدة، وليس من الواضح ما إذا كانت هذه المخزونات ستكون متاحة لبقية السوق".
وأضاف: "في الوقت ذاته، تبدو المخزونات في الصين منخفضة للغاية، كما تشهد علاوات الأسعار هناك ارتفاعاً".
وفي مذكرة بتاريخ 15 أكتوبر، وصف بايل النحاس بأنه "أوضح مثال" على سوق يعجز فيها العرض عن مواكبة الطلب، مشيراً إلى أن "الأمر يتطلب حوافز أكبر، تتمثل في استمرار ارتفاع أسعار النحاس".
وتابع قائلاً: "لا تزال هناك مخاطر لحدوث تراجع في الأسعار تزامناً مع الإعلان عن أي تعريفات جمركية، لكننا نرى أن العوامل الأساسية للسوق تشير بوضوح إلى اتجاه صعودي، كما تزايدت احتمالية حدوث قفزة في الأسعار".
أكثر الدول إنتاجاً للنحاس
تتصدر تشيلي على رأس الدول العشرة الأكثر إنتاجاً للنحاس، وفق آخر بيانات صادرة عن هيئة المساحة الجيولوجية الأميركية في يوليو/ تموز الماضي، وهي تنتج 5,300,000 طن متري، تليها كونغو الديموقراطية 3,200,000 طن متري، بيرو 2,700,000 طن متري، الصين 1,800,000 طن متري، روسيا 1,300,000 طن متري، الولايات المتحدة 1,000,000 طن متري، زامبيا 940,000 طن متري، أستراليا 730,000 طن متري، إندونيسيا 710,000 طن متري، كازاخستان 710,000 طن متري، مكسيكو 690,000 طن متري، كندا 500,000 طن متري، بولندا 410,00 طن متري.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي