تآكل الدخل وتراجع الإنجاب في مصر.. مصادفة أم علاقة اقتصادية؟

نشر
آخر تحديث
مصدر الصورة:AFP/,المركزي المصري,معدل الفائدة,مصر,الجنيه,الإنجاب

استمع للمقال
Play

 

أسماء باسل فكري- منتجة أخبار في CNBC عربية

في 23 سبتمبر 2026، أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر عن النتائج الأولية للمسح الصحي للأسرة المصرية خلال 2025، والذي بيّن انخفاض معدل الإنجاب الكلي في مصر إلى 2.33 طفل لكل سيدة في عام 2025، مقابل 2.85 طفل في عام 2021، أي تراجع بنسبة 18.2%. 

 

وما كشفه التقرير عن انخفاض متوسط عدد الأطفال لكل سيدة بين عامي 2021 و2025، يعد مؤشراً على إمكانية تحقيق الهدف الاستراتيجي للخطة العاجلة للسكان والتنمية للوصول إلى 2.1 طفل لكل سيدة بنهاية عام 2027.

وأظهر المسح تراجع معدل إنجاب المراهقات (أقل من 20 سنة) إلى 34.6 مولود لكل ألف سيدة مقابل 50 مولوداً في عام 2021، بنسبة انخفاض 31%، كما أظهر المسح ارتفاع نسبة السيدات اللاتي حصلن على رعاية حمل منتظمة إلى 92.4% ونسبة الولادات على يد مقدم خدمة مؤهل إلى 98% والولادات داخل المنشآت الصحية إلى 96%، وأشار المسح أيضاً الى ارتفاع نسبة الموافقة لدى الشباب غير المتزوجين على استخدام وسائل تنظيم الأسرة قبل أول حمل إلى 28% مقابل 18% فقط في 2021. 



هذه الأرقام ربما تعبر عن مسار مستهدفات الاستراتيجية القومية للسكان والتنمية في مصر 2023 - 2030، والتي تحتوي على مستهدفات كمية أبرزها معدلات الإنجاب، والتي تستهدف فيها الاستراتيجية خفض معدل الإنجاب إلى 2.1 طفل لكل سيدة، ومن ثَم ضبط الزيادة السكانية تقديرياً إلى نحو 117.8 مليون نسمة بحلول عام 2032 كعدد سكان مستهدف بعد خفض معدلات الإنجاب، ورفع نسبة استخدام وسائل تنظيم الأسرة من 66.4% إلى 75%.

تعد كل هذه الإجراءات خطوات أو مستهدفات رسمية، ضمن مخططات واستراتيجيات مرصودة زمنياً، لكن ما الذي دفع المواطنين السير وراء هذه المستهدفات في ظل مجتمعات تتمسك بثقافة الإنجاب والأسرة الممتدة، هل كان العامل الاقتصادي ضاغطاً إلى الحد الذي لعب نوعاً ما دوراً في تقبل هذه السياسات؟ أم تغير معدلات سن ومتطلبات الزواج؟ أم متطلبات الصحة الإنجابية وعلاقتها بالقدرة المادية؟ 

انخفاض ديموغرافي تزامناً مع تآكل الدخل

بالنظر إلى مسار العامل الاقتصادي خلال آخر خمس سنوات في مصر، والذي يشمل معدلات التضخم ومستوى دخل الفرد ومعدلات الأجور الحقيقية وحركة العملة المحلية وتجاوبها مع الأحداث المحيطة خاصةً التوترات الجيوسياسية، والتي نالت منها مصر نصيباً عبر توتر الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس والتي ساهمت بإيرادات بلغت 4.4 مليار دولار خلال العام المالي 2026/2025، ستبرز عوامل عدة أثرت بشكل مباشر في انخفاض معدل الإنجاب الكلي في مصر، لكنها لصيقة بالحراك الاقتصادي خلال الأعوام الأخيرة الماضية في مصر. 

ووفقاً لبيانات البنك الدولي، فقد ارتفع الحد الأدنى الشهري للأجر من 2400 جنيه في 2022 إلى 7000 جنيه في مارس 2025، بينما ظل التضخم عند مستويات مرتفعة، بعدما سجل 13.9% في 2022 وبلغ نحو 14.1% في 2025، وفق البيانات المشار إليها، وتطرح هذه المؤشرات سؤالًا حول مدى قدرة الزيادات في الأجور على مواكبة تكاليف المعيشة، وما إذا كانت الضغوط على ميزانيات الأسر تؤثر في قرارات الزواج والإنجاب.



وفي نهاية 2022 وصل الدولار إلى نحو 24.5 جنيه نتيجة ضغوط النقد الأجنبي، وفي مطلع 2024 تحرك الدولار من نحو 30.9 إلى 50 جنيهاً بالتزامن مع اعتماد سعر صرف أكثر مرونة، إلى أن وصل في 2026 إلى مستويات الـ 56 جنيهاً للدولار الواحد، إثر تداعيات حرب إيران وتعطل الملاحة في قناة السويس إلى حد ما، وهروب الأموال مع تصاعد الأحداث بالمنطقة، لكن وسط كل هذا ربما قد تتأثر قرارات المواطنين المتعلقة بالإنفاق حال ثبات الدخل أو تسارع التضخم أو انخفاض قيمة العملة المحلية، ومن بينها قرارات الشراء والإنجاب، وهي قرارات متعلقة بشكل مباشر بالإنفاق واقتطاع جزءاً لا بأس به من الدخل الشخصي للفرد، مع زخم المبادرات والمساهمات الرسمية للضغط نحو خفض معدل الإنجاب وارتفاع الوعي بالحقوق الإنجابية والصحية.

ففي دراسة أكاديمية منشورة على PubMed أُجريت بين 2019 و2021 بعنوان "تأثير الخلفية الاجتماعية والديموغرافية على أنماط دوافع الإنجاب في محافظة بني سويف، صعيد مصر" خلُصت إلى أن 44.7% من النساء اللاتي شملتهن الدراسة اعتبرن الظروف الاقتصادية أهم دافع سلبي تجاه الإنجاب، ووجد الباحثون علاقة ذات دلالة إحصائية بين توجهات الإنجاب والدخل الشهري والمهنة إلى جانب التعليم والعمر وعدد الأطفال. 

مسارات رسمية للوصول إلى مستهدف الإنجاب 

تم إطلاق المشروع القومي لتنمية الأسرة المصرية، الذي كان مخططاً له التنفيذ بين عامي 2021 و2023، وشمل المحور الثاني منه خدمة توفير وسائل تنظيم الأسرة بالمجان للجميع، عبر إتاحة وسائل تنظيم الأسرة وتوطين 1500 طبيبة مدربة على تلك الوسائل، وتوزيعهن على المنشآت الصحية، بالإضافة إلى زيادة مشاركة الجمعيات الأهلية التي تقدم خدمات تنظيم الأسرة لتصل إلى 400 جمعية، وإمدادها بوسائل تنظيم الأسرة بمستوى تخزين آمن. 

وفي 2018 أطلقت وزارة التضامن الاجتماعي مبادرة "اتنين كفاية" ضمن الاستراتيجية القومية للحد من الزيادة السكانية، وتوعية السيدات بمفهوم الأسر الصغيرة وأهمية المباعدة بين الولادات، ومنح السيدات وسائل تنظيم الأسرة بالمجان حال رغبتهن في ذلك. 



أما في مايو 2025، فقد شارك صندوق الأمم المتحدة للسكان في إطلاق الخطة العاجلة للسكان والتنمية 2025 - 2027 بقيادة وزارة الصحة في مصر، وأبرز أهداف الخطة هي تقليل الحاجة غير الملباة لتنظيم الأسر والحمل غير المبرر، ربما كانت هذه المحاور ذات صلة ما بتحقيق مستهدف الاستراتيجية القومية للسكان والتنمية في مصر 2023 - 2030 بخفض معدل الإنجاب إلى 2.1 طفل لكل سيدة بنهاية 2030، أو على الأقل الوصول إلى معدل إنجاب بلغ 2.33 طفل لكل سيدة في عام 2025، مقابل 2.85 طفل في عام 2021.

ربما كانت هذه عوامل ساعدت في المُضي قدماً نحو مستهدفات 2030 لخفض معدل الإنجاب الكلي في مصر، لكن ربما أيضاً يكون للسياق الاقتصادي الشخصي لكل فرد أثراً في هذه القرارات نحو المساهمة في خفض معدلات الإنجاب مقابل البحث عن فرص أفضل للدخل وتحسين المعيشة. 

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة