عاد شرق البحر المتوسط إلى واجهة التوترات الإقليمية، بعد موافقة مجلس النواب الليبي في شرق البلاد، يوم الثلاثاء 20 أكتوبر، على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية السابقة في نوفمبر 2019. وأعادت الخطوة الخلاف حول الحدود البحرية وحقوق استكشاف الموارد الطبيعية إلى دائرة المواجهة السياسية والدبلوماسية.
ورفضت مصر واليونان وقبرص الاتفاق، فيما أكدت وزارة الخارجية المصرية أن المصادقة الليبية لا يترتب عليها أي أثر قانوني بالنسبة إلى مصر. في المقابل، رحبت تركيا بالقرار، معتبرة أن الاتفاق يتفق مع القانون الدولي ويحقق مصالح الطرفين.
وتتجاوز أهمية الخلاف مسألة ترسيم الحدود، إذ تتنافس دول المنطقة على استكشاف الغاز وتطوير الحقول البحرية والاستفادة من البنية التحتية لنقل الطاقة وتصديرها إلى الأسواق الأوروبية.
اتفاق 2019 يعود إلى الواجهة
تعود الأزمة إلى 27 نوفمبر 2019 عندما وقعت تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية مذكرة التفاهم الخاصة بترسيم مناطق الاختصاص البحري في البحر المتوسط في ودخلت حيز النفاذ في ديسمبر من العام نفسه، وفق سجل معاهدات الأمم المتحدة.
ورسمت المذكرة نطاقًا بحريًا بين تركيا وليبيا استنادًا إلى تفسير البلدين لحدودهما البحرية، وهو ما تعارضه اليونان ومصر وقبرص، خصوصًا فيما يتعلق بتأثير الجزر اليونانية في تحديد المناطق البحرية.
وظلت المذكرة محل خلاف منذ توقيعها، في ظل الانقسام السياسي الليبي بين سلطات في غرب البلاد، مقرها طرابلس، وسلطات في الشرق.
وكان مجلس النواب الليبي قد اتخذ في عام 2020 قرارات رافضة لاتفاقات التعاون مع تركيا، قبل أن يوافق على المذكرة البحرية في 20 أكتوبر الماضي، ملغيًا القرارات السابقة المرتبطة برفضها وقطع العلاقات السياسية مع أنقرة.
ويشكل القرار تحولًا في موقف المؤسسة التشريعية المتمركزة في شرق ليبيا، لكنه لا يحسم الخلاف حول توافق الاتفاق مع القانون الدولي للبحار، ولا يعني أن جميع المؤسسات الليبية تتبنى الموقف نفسه.
وجددت اليونان وقبرص رفضهما للمذكرة، معتبرتين أنها تمس حقوقهما البحرية. وأكدت مصر بدورها أن المصادقة الليبية لا تترتب عليها آثار قانونية بالنسبة إليها، بينما تتمسك تركيا والسلطات الليبية بمواقفهما المؤيدة للاتفاق.
⭕ مدافعاً عن سياسة أنقرة في شرق البحر المتوسط.. الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يقول إن ردود فعل الاتحاد الأوروبي وغيره على الموافقة على اتفاقية بحرية بين تركيا وليبيا لا أساس لها من الصحة ⭕ البرلمان الليبي كان قد وافق على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا لعام 2019، متراجعاً بذلك عن سنوات من المعارضة للاتفاقية ⭕ رفضت اليونان والاتحاد الأوروبي هذه الخطوة، معتبرين أن الاتفاقية تنتهك الحقوق السيادية لدول أخرى والقانون الدولي
— CNBC Arabia (@CNBCArabia) October 27, 2026
لماذا تتعارض المطالبات البحرية؟
تمنح القواعد الدولية الدول الساحلية حقوقًا في استكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها، وفق نوع المنطقة البحرية وموقعها، بما يشمل المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري.
ولكن يظل ترسيم هذه المناطق يصبح أكثر تعقيدًا عندما تقع جزر بين السواحل المتقابلة، كما هي الحال في شرق المتوسط. وتختلف تركيا واليونان بشأن مدى تأثير الجزر اليونانية في تحديد الحدود البحرية، وما إذا كان ينبغي منحها أثرًا كاملًا أو محدودًا عند الترسيم.
وتؤكد اليونان أن المذكرة التركية الليبية تتجاهل الحقوق البحرية للجزر اليونانية الواقعة بين الساحلين التركي والليبي، فيما تتمسك أنقرة بتفسيرها للقانون الدولي ومبدأ الإنصاف في ترسيم الحدود.
ولا يعني توقيع الاتفاق أو مصادقة البرلمان عليه أن الحدود الناتجة عنه تصبح ملزمة تلقائيًا للدول الأخرى. كما أن تسجيل مذكرة التفاهم لدى الأمم المتحدة لا يمثل حكمًا من المنظمة الدولية بصحة مضمونها أو حسمًا للخلاف القانوني بشأنها.
الغاز والنفط يقودان الخلاف في شرق المتوسط
ويمثل الغاز الطبيعي أحد عوامل التنافس في شرق المتوسط، في ظل الاكتشافات البحرية التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الماضيين، وإن لم تكن الموارد الطبيعية العامل الوحيد وراء الخلافات البحرية.
وقدّر المسح الجيولوجي الأميركي، في تقييم نُشر عام 2021 استنادًا إلى دراسة جيولوجية لعام 2020، متوسط الموارد غير المكتشفة القابلة للاستخراج تقنيًا من الغاز التقليدي في منطقة شرق المتوسط بنحو 286.2 تريليون قدم مكعبة، إضافة إلى نحو 879 مليون برميل من النفط التقليدي.
وشمل التقييم عدة أحواض وتكوينات جيولوجية، من بينها حوض بلاد الشام، ومنصة إراتوستينس، وحوض دلتا النيل، وحوض هيرودوت، ومنطقة الحيد المتوسطي.
ولا تمثل هذه التقديرات احتياطيات مؤكدة أو كميات جاهزة للإنتاج، بل موارد لم تُكتشف بعد. ويعتمد تحويلها إلى احتياطيات تجارية على نتائج الاستكشاف والتقييم، وتكاليف التطوير، وتوافر البنية التحتية والجدوى الاقتصادية.
وأظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن مصر كانت أكبر منتج للغاز الطبيعي في شرق المتوسط بين الدول التي تناولها التقرير، بمتوسط يقارب 2 تريليون قدم مكعبة سنويًا خلال الفترة من 2015 إلى 2024، تليها إسرائيل بمتوسط بلغ نحو 528 مليار قدم مكعبة سنويًا خلال الفترة نفسها.
وتعكس هذه الأرقام اختلاف مراحل تطوير قطاع الغاز بين دول المنطقة؛ فمصر وإسرائيل تمتلكان قاعدة إنتاجية قائمة، بينما تواصل قبرص تطوير اكتشافاتها البحرية تمهيدًا لبدء الإنتاج التجاري.
رؤى مختلفة لترسيم الحدود البحرية
ماريا غافونيلي، أستاذة القانون الدولي بجامعة أثينا ومديرة مركز أثينا للقانون الدولي العام، قالت في تصريح خاص لموقع CNBC عربية، إن مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وليبيا عام 2019 اتفاق دولي ملزم للطرفين الموقعين عليها دون غيرهما. وتوضح أن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الليبية وافق على المذكرة في ذلك الوقت، في ظل الظروف الاستثنائية التي كانت تمر بها البلاد، ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ، مشيرة إلى أن موافقة مجلس النواب الليبي الأخيرة تؤكد قرار المجلس الرئاسي.
وتؤكد غافونيلي أن الاتفاقية لا يمكن أن ترتب آثاراً قانونية على الدول غير الموقعة عليها، لافتة إلى أن دولاً أخرى في المنطقة أعلنت رفضها لها، وكان أحدث ذلك في بيان مشترك صدر في الأمم المتحدة.
وفي ما يتعلق بحقوق الجزر اليونانية في ترسيم الحدود البحرية، تشير غافونيلي إلى أن القانون الدولي، بموجب المادة 121 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والقانون الدولي العرفي، يمنح الجزر حق التمتع بمناطق بحرية تشمل البحر الإقليمي والجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة. وتضيف أن تركيا تقبل هذه القاعدة بالنسبة إلى الجزر الأخرى، لكنها تستثني جزر بحر إيجه، على أساس وجود ظروف خاصة، وهو موقف ترفضه الدول الأخرى.
وتصف غافونيلي الاتفاقيتين التركية الليبية والمصرية اليونانية الموقعة عام 2020 بأنهما تعكسان مطالبات بحرية متداخلة في المنطقة نفسها، معتبرة أنه يصعب التوفيق بينهما، لأن كلاً منهما يستند إلى رؤية مختلفة لترسيم الحدود البحرية.
أما بشأن الانقسام السياسي في ليبيا، فتوضح أن تحديد صلاحية المؤسسات الليبية لإبرام الاتفاقيات البحرية يخضع لأحكام الدستور الليبي، لكن الانقسام بين السلطات في شرق البلاد وغربها يزيد الوضع تعقيداً. وتشير إلى أن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي عموماً يعترفان بحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، بوصفها الحكومة الممثلة لليبيا.
وفي ما يخص ترسيم الحدود البحرية بين مصر وليبيا، توضح غافونيلي أن الدولة تستطيع تحديد نطاق بحرها الإقليمي من جانب واحد، وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والقانون الدولي العرفي، لكن ترسيم الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة يتطلب اتفاقاً بين الأطراف، يستند إلى القانون الدولي ويهدف إلى تحقيق حل منصف.
وتشرح أن المنهجية التي تتبعها المحاكم والهيئات الدولية تبدأ برسم خط وسط مؤقت، ثم تعديله وفقاً للظروف ذات الصلة، مثل وجود الجزر، قبل إجراء اختبار لعدم التناسب مقارنة بالسواحل المعنية. وتستشهد في هذا السياق بقضية الجرف القاري بين ليبيا ومالطا أمام محكمة العدل الدولية عام 1984.
الشركات التي تنفذ أنشطة التنقيب أو استغلال الموارد في المناطق المتنازع عليها قد تواجه خطر خسارة استثماراتها إذا جاء الترسيم النهائي مخالفاً للمطالبات التي استندت إليها
وعن سبل تسوية النزاعات البحرية، تقول غافونيلي إن المفاوضات والتحكيم واللجوء إلى محكمة العدل الدولية أو المحكمة الدولية لقانون البحار تظل خيارات متاحة بموافقة الأطراف. وتشير إلى أن التوفيق الإلزامي، المنصوص عليه في المادة 284 والملحق الخامس من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يمثل استثناءً محتملاً، إذ يفرض إجراء عملية التوفيق من دون ضمان الوصول إلى نتيجة ملزمة.
وتوضح أن هذا المسار متاح فقط للدول الأطراف في الاتفاقية؛ فمصر واليونان وقبرص وقّعت عليها وصدّقت عليها، بينما وقّعت ليبيا عليها دون تصديق، في حين لم توقّع تركيا الاتفاقية ولم تصدّق عليها.
وتحذر غافونيلي من أن الشركات التي تنفذ أنشطة التنقيب أو استغلال الموارد في المناطق المتنازع عليها قد تواجه خطر خسارة استثماراتها إذا جاء الترسيم النهائي مخالفاً للمطالبات التي استندت إليها. وتشير إلى قضية ترسيم الحدود البحرية بين غانا وساحل العاج أمام دائرة خاصة من المحكمة الدولية لقانون البحار عام 2017، بوصفها مثالاً على معالجة المحاكم والهيئات الدولية لهذه النزاعات.
وتشدد على ضرورة ألا تتجاوز الإجراءات التي تتخذها الأطراف للدفاع عن مطالباتها البحرية حدود القانون الدولي، خصوصاً حظر استخدام القوة المنصوص عليه في الفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة. وتستشهد بقضية التحكيم بين غيانا وسورينام عام 2007، حين اعتبرت هيئة التحكيم أن تحرك البحرية السورينامية ضد منصة نفطية تابعة لغيانا شكّل تهديداً غير مشروع باستخدام القوة بموجب القانون الدولي.
مصر.. بنية تحتية تمنحها دورًا محوريًا
تستمد مصر أهميتها في سوق الغاز بشرق المتوسط من موقعها الجغرافي وحجم سوقها المحلية، إلى جانب امتلاكها محطتي إدكو ودمياط لتسييل الغاز وتصديره.
وتتيح هذه المنشآت استقبال الغاز من حقول المنطقة وإسالته ثم إعادة تصديره إلى الأسواق الخارجية، وفقًا لتوافر الإمدادات والجدوى التجارية والظروف التشغيلية.
لكن امتلاك البنية التحتية لا يعني وجود فائض ثابت من الغاز. فقد أشارت إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى تعرض سوق الغاز المصرية لضغوط نتيجة تباطؤ نمو الإنتاج وارتفاع الاستهلاك المحلي، ما دفع البلاد إلى زيادة وارداتها من الغاز عبر الأنابيب من إسرائيل، إلى جانب استيراد الغاز الطبيعي المسال لتلبية الطلب.
وبالتالي، يرتبط دور مصر في تجارة الغاز الإقليمية بقدرتها على الموازنة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك والواردات، والاستفادة من محطات التسييل وخطوط النقل. كما تتيح اكتشافات الدول المجاورة فرصًا لتشغيل هذه المنشآت، لكن العوائد الفعلية تظل مرتبطة بالأسعار والتكاليف والعقود التجارية.
وتتجه قبرص إلى الاستفادة من هذه البنية التحتية لنقل الغاز من حقولها البحرية إلى مصر، حيث يمكن معالجته وتسييله قبل تصديره إلى الأسواق الأوروبية، بدلًا من إنشاء منشآت مستقلة للتسييل داخل الأراضي القبرصية.
قبرص.. اكتشافات جديدة وخطة للتصدير عبر مصر
تعمل قبرص على تطوير اكتشافاتها البحرية وربطها بالبنية التحتية المصرية، ومن أبرز هذه المشروعات حقل كرونوس في البلوك 6، الذي اكتُشف عام 2022.
وتقدّر وزارة الطاقة القبرصية موارد الغاز في مكمن «كرونوس» بنحو 3.1 تريليون قدم مكعبة، إضافة إلى 2.5 تريليون قدم مكعبة في اكتشاف «زيوس» بالبلوك نفسه. ولا تعني هذه التقديرات أن كامل الكميات قابلة للاستخراج تجاريًا.
وفي يوليو 2026، أعلنت شركتا «توتال إنرجيز» و«إيني» اتخاذ قرار الاستثمار النهائي لتطوير حقل «كرونوس»، على أن يُنقل الغاز عبر خط بحري إلى مصر لتسييله في محطة دمياط ثم تصديره إلى أوروبا.
وتستهدف الخطة الوصول بالإنتاج إلى 500 مليون قدم مكعبة يوميًا، بما يعادل نحو 2.8 مليون طن سنويًا من الغاز المسال، مع توقع بدء الإنتاج في عام 2028.
ويمثل المشروع نموذجًا للتعاون بين مصر وقبرص في استغلال موارد الغاز وتصديرها، لكن تنفيذه يظل مرتبطًا بالتقدم في الأعمال الفنية والتجهيزات البحرية والترتيبات التجارية.
وفي سبتمبر 2026، أكدت القمة الثلاثية بين مصر وقبرص واليونان أهمية تعزيز التعاون في قطاع الغاز وتسريع ربط الحقول القبرصية بالبنية التحتية المصرية، في إطار مساعٍ لتطوير سلاسل إمداد الطاقة في المنطقة.
هل يهدد النزاع استثمارات الغاز؟
يمكن أن تؤثر الخلافات البحرية في قرارات شركات الطاقة العالمية، خصوصًا إذا أثارت شكوكًا بشأن التراخيص أو الحدود البحرية أو حقوق تطوير الحقول. وتزداد أهمية هذه المخاطر في مشروعات المياه العميقة التي تتطلب استثمارات كبيرة وتقنيات متقدمة وجداول زمنية طويلة.
لكن التصعيد السياسي لا يؤدي بالضرورة إلى وقف الإنتاج أو تعطيل الملاحة فورًا. ويتوقف أثره على طبيعة المناطق المتنازع عليها، ومدى ارتباطها بحقول منتجة أو بمسارات خطوط الأنابيب، وأي قرارات رسمية قد تتخذها الشركات بشأن أنشطتها.
ولم تؤثر الموافقة البرلمانية الليبية الأخيرة بشكل مباشر على مشروع «كرونوس»، وفق المعلومات الواردة بشأن خطوات الشركات المشغلة، في غياب مؤشرات على تعطل الأعمال لأسباب قانونية أو تشغيلية مرتبطة بالقرار.
ولا تقتصر المخاطر على الغاز. ففي 15 أكتوبر 2026، أفادت التقارير بسعي مشروع الربط الكهربائي البحري بين اليونان وقبرص، المعروف باسم «Great Sea Interconnector»، والمقدرة قيمته بنحو 1.9 مليار يورو، إلى استئناف مسوحات قاع البحر بعد تأخيرات سابقة بسبب الخلافات البحرية مع تركيا.
ويبرز هذا المشروع امتداد التنافس البحري إلى مشروعات الربط الكهربائي والطاقة، وليس فقط عمليات التنقيب عن الغاز وإنتاجه.
تداخل مناطق النفوذ البحري
يرى د. محمد عبد الرؤوف، خبير اقتصاديات الطاقة والبيئة، أن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا تكتسب أهمية استراتيجية للطرفين، إذ تمنح أنقرة امتداداً بحرياً في شرق المتوسط، وتتيح لهما المطالبة بحقوق في استكشاف واستغلال الموارد الطبيعية، بما في ذلك النفط والغاز، ضمن المناطق التي تحددها الاتفاقية. لكنه يشير إلى أن الاتفاقية أثارت خلافات مع مصر واليونان وقبرص، بسبب تداخل مناطق النفوذ البحري وتعارضها مع مطالبات واتفاقيات قائمة، من بينها اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان الموقّع في أغسطس 2020.
ويضيف عبد الرؤوف في تصريح خاص لموقع CNBC عربية، أن الأهمية الاقتصادية لشرق المتوسط تنبع من كونه أحد أحواض الطاقة الناشئة، بما يتيحه من فرص استثمارية في التنقيب عن النفط والغاز واستكشافهما، وتسييل الغاز وتصديره، إلى جانب مشروعات الربط الكهربائي ومد خطوط الأنابيب. كما ازدادت أهمية المنطقة بالنسبة إلى أوروبا في ظل مساعيها لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الغاز الروسي.
وفي ما يتعلق بتداعيات الخلافات البحرية على أسواق الطاقة، يرى عبد الرءوف أن الجزائر قد تستفيد من التوترات في شرق المتوسط بوصفها خياراً بديلاً لتصدير الغاز، بينما تمثل الاتفاقية مصدر قلق لليونان، خصوصاً فيما يتعلق بحقوق التنقيب جنوب جزيرة كريت.
الاستثمارات المصرية في قطاع الغاز الطبيعي أسهمت في تعزيز موقع البلاد كمركز إقليمي لتداول الغاز وتصديره
أما مصر، فيوضح عبد الرءوف أنها تحرص على ضمان عدم تداخل أنشطة التنقيب التركية الليبية مع المربعات البحرية التي طرحتها للاستكشاف أمام الشركات العالمية في المياه العميقة بشرق المتوسط، فضلاً عن أهمية الحفاظ على تدفقات الغاز اللازمة لتشغيل محطتي الإسالة في إدكو ودمياط.
ويؤكد عبد الرءوف أن الاستثمارات المصرية في قطاع الغاز الطبيعي أسهمت في تعزيز موقع البلاد كمركز إقليمي لتداول الغاز وتصديره، مشيراً إلى أن استضافة القاهرة المقر الرئيسي لمنتدى غاز شرق المتوسط تعكس دورها في التنسيق الدبلوماسي والتعاون الإقليمي في قطاع الطاقة.
التنافس على الأسواق الأوروبية
تسعى دول شرق المتوسط إلى تعزيز موقعها في سوق إمدادات الطاقة الأوروبية، مستفيدة من قربها الجغرافي من القارة الأوروبية ومن إمكانات إنتاج الغاز ونقله وتسييله.
وتمنح محطات التسييل المصرية مرونة في توجيه شحنات الغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق الأوروبية وفق الأسعار والعقود. كما يتيح التعاون بين مصر وقبرص بناء سلسلة إمداد تبدأ من الحقول البحرية وتنتهي بالتصدير، من دون الحاجة إلى إنشاء بنية تحتية مستقلة للتسييل في قبرص.
في المقابل، تثير المطالبات البحرية المتعارضة تساؤلات بشأن استقرار بيئة الاستثمار وحماية المشروعات طويلة الأجل.
مواقف المؤسسات الليبية وتوازن العلاقات
تعيد مصادقة البرلمان الليبي على المذكرة البحرية فتح ملف الخلاف بين تركيا وليبيا من جهة، ومصر واليونان وقبرص من جهة أخرى، لكنها لا تحسم الوضع القانوني النهائي للاتفاق أو تأثيره المباشر في أنشطة الطاقة.
وتتركز المتابعة خلال المرحلة المقبلة على مدى انعكاس القرار على مواقف المؤسسات الليبية المختلفة، واحتمال اتخاذ أنقرة وطرابلس خطوات جديدة بشأن التراخيص والتنقيب في المناطق المتداخلة، إلى جانب التحركات الدبلوماسية والقانونية المضادة من مصر واليونان وقبرص.
كما ستظل قرارات شركات الطاقة العالمية بشأن الجداول الزمنية للمشروعات المعلنة مؤشرًا مهمًا إلى حجم التأثير الفعلي للخلافات البحرية في الاستثمار.
وبين التعاون القائم بين مصر وقبرص واليونان، وتمسك تركيا وليبيا بمذكرتهما البحرية، يبقى شرق المتوسط ساحة تتداخل فيها المصالح القانونية والسياسية والاقتصادية.
وستتوقف فرص تطوير موارده على كيفية التعامل مع النزاعات البحرية، وقدرة دول المنطقة على حماية استثماراتها وتجنب تعطيل مشروعات الطاقة والتجارة.
مصدر دبلوماسي ليبي سابق لـ CNBC عربية: الخلاف لن يُحسم في الوقت الحالي
وقال مصدر دبلوماسي ليبي سابق "فضل عدم ذكر اسمه" في تصريح لـCNBC عربية، إن التطورات الأخيرة فيما يتعلق بشرق المتوسط لا تعني أن الموضوع قد حُسم، فهو لم يُحسم بعد، مشيرًا إلى أن مذكرة التفاهم التي وقّعها الليبيون مع تركيا عام 2019 ظلت معلّقة، ولا تزال كذلك حتى الآن، في ظل وجود مباحثات بين الدول المعنية، فضلًا عن معارضة شديدة من دول مثل مصر واليونان.
وأضاف أن ردود الفعل المصرية الرسمية خلال الأيام الماضية شملت الإعلان عن تشكيل فريق قانوني لمتابعة تصديق البرلمان الليبي على الاتفاقية التي تعود إلى عام 2019، والتي سبق أن رفضها البرلمان الليبي، مؤكدًا أن الرد المصري لم يقتصر على إصدار بيان أو بيانين ثم التوقف، بل إن هناك غضبًا مصريًا مما حدث، ليس على المستوى الرسمي فحسب، بل أيضًا على المستوى الشعبي أيضًا.
التطورات الأخيرة فيما يتعلق بشرق المتوسط لا تعني أن الموضوع قد حُسم، ومذكرة التفاهم التي وقعت مع تركيا عام 2019 ظلت معلّقة، ولا تزال كذلك حتى الآن
وأكد أن الموضوع لن يُحسم في الوقت الحالي، بحيث يتم الشروع في مفاوضات متعددة الأطراف، بعيدًا عن فرض تفاهمات ثنائية تمس بحقوق أطراف أخرى؟ إذ يتطلب جهدًا دبلوماسيًا وسياسيًا بين الدول المعنية، مشيرًا إلى أن الملف معلق منذ فترة ليست قصيرة.
وأوضح أن الحدود البحرية بين ليبيا ومصر لم تُبحث بين الطرفين حتى الآن، وأن مصر أعلنت حدودًا بحرية حددتها في عام 2020.
وأضاف أن الليبيين واليونانيين بحثوا الحدود البحرية خلال فترة حكم معمر القذافي، حتى عام 2010، قبل أن يتوقف الملف، ثم عاد اليونانيون إلى التحرك مجددًا مع الليبيين في طرابلس، عبر زيارات متبادلة ولقاءات على مستوى الوزير ووفود فنية.
واختتم بالقول إن الملف متشعب، وسيحتاج إلى بعض الوقت، ولن يُحسم في الوقت الحالي.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي