قرر مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي تثبيت معدلات الفائدة، مفضلاً التريث في تقييم مسار التضخم والنمو الاقتصادي، في وقت لا تزال فيه الضغوط السعرية تمثل تحدياً أمام صانعي السياسة النقدية.
ويأتي القرار في ظل استمرار متانة الاقتصاد الأميركي، بالتزامن مع تصاعد المخاوف بشأن استدامة التضخم، ما يضع الفدرالي أمام معادلة دقيقة تتطلب الموازنة بين احتواء ارتفاع الأسعار وتجنب الإضرار بالنشاط الاقتصادي.
ويفتح تثبيت الفائدة الباب أمام تساؤلات بشأن الخطوات المقبلة للبنك المركزي الأميركي، خصوصاً مع تباين تقديرات صانعي السياسة النقدية حيال توقيت استئناف رفع الفائدة أو الانتقال لاحقاً إلى خفضها.
وفي حين تمنح مكاسب الإنتاجية الاقتصاد مساحة للنمو بوتيرة أسرع من دون توليد ضغوط تضخمية بالضرورة، تظل احتمالات انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى التضخم الأساسي وتوقعات الأسعار عاملاً رئيسياً في تحديد اتجاه السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.
وتتجه الأنظار الآن إلى البيانات الاقتصادية المقبلة، وفي مقدمتها مؤشرات سوق العمل والتضخم والنمو، بحثاً عن إشارات أكثر وضوحاً بشأن قرارات الفدرالي في اجتماعاته القادمة. كما تكتسب تصريحات رئيس البنك المركزي ومواقف أعضاء لجنة السياسة النقدية أهمية خاصة في قراءة توجهاتهم، وسط استمرار الضبابية الجيوسياسية وتباين توقعات الأسواق بشأن مسار أسعار الفائدة حتى عام 2027.
وفي تحليله للمشهد، يقول رئيس الأبحاث في مجموعة إكويتي، أحمد عزام، إن أهم نقطة لفتت الانتباه في اجتماع مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي هي التمييز بين قوة النمو الاقتصادي واحتمالات ارتفاع النشاط الاقتصادي إلى مستويات تؤدي إلى ضغوط تضخمية مفرطة.
ويضيف في حديثه مع CNBC عربية: "أعطى البيان إشارة واضحة إلى إعادة تقييم النظرة إلى النمو الاقتصادي الأميركي، من وصفه بأنه قوي إلى اعتباره متيناً".
وفي الوقت نفسه، أشار الفدرالي إلى أن تحسن الإنتاجية قد يسمح للاقتصاد بالنمو بوتيرة أسرع من دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى توليد ضغوط تضخمية موازية لمعدل النمو الاقتصادي.
وربما يفسر ذلك تصويت عشرة أعضاء من أصل اثني عشر عضواً ضد رفع أسعار الفائدة، رغم استمرار معدلات التضخم عند مستويات مرتفعة.
ومع ذلك، يقول عزام إن تصويت عشرة أعضاء مقابل صوتين يظل أمراً مهماً، لا سيما مع انضمام ليزا كوك وبيث هاماك إلى المطالبة برفع أسعار الفائدة فوراً.
ويعكس ذلك اتساع نطاق المخاوف بشأن استمرار التضخم، لتشمل أعضاء لا يُعرف عنهم تقليدياً الميل إلى التسرع في تبني سياسة نقدية متشددة، وهنا -بحسب عزام- تبرز أهمية العبارة الواردة في البيان بشأن الحاجة إلى تراكم مزيد من المعلومات قبل اتخاذ القرارات المقبلة، إذ يتعين على أعضاء اللجنة التحقق مما إذا كانت صدمة أسعار الطاقة قد بدأت تنتقل إلى التضخم الأساسي وتوقعات التضخم، بدلاً من الاكتفاء بتشديد السياسة النقدية استناداً إلى استمرار ارتفاع معدلات التضخم.
ويستطرد: "بالتأكيد، فإن متابعة عوائد السندات تظل مهمة جداً في تقييم اتجاهات السياسة النقدية..وبناءً على ذلك، يمكن وصف البيان بأنه يميل إلى التشدد".
لكنه يوضح أن المؤتمر الصحافي لكيفن وارش جاء أقل تشدداً من المتوقع، خصوصاً أنه لم يؤكد بوضوح احتمالات رفع معدلات الفائدة في ديسمبر/ كانون الأول.
وحتى الآن، لا توجد إشارة واضحة إلى أن رفع الفائدة في ذلك الاجتماع بات مرجحاً بصورة مؤكدة، وإن كنت عزام يرى أن هذا الاحتمال لا يزال قائماً.
وستكون البيانات الاقتصادية هي العامل الحاسم في تحديد الاتجاه المقبل، لا سيما أن يوم الجمعة المقبل، في أول جمعة من الشهر، سيشهد صدور بيانات الوظائف الأميركية.
ويستطرد رئيس الأبحاث في مجموعة إكويتي: "إذا قرر الفدرالي رفع معدلات الفائدة في ديسمبر، فسيطرح ذلك تساؤلاً بشأن ما إذا كان يبالغ في تقدير قدرة الاقتصاد على استيعاب الضغوط التضخمية بفضل مكاسب الإنتاجية".
ويتابع: "وإذا اتضح ذلك، فقد يستمر الفدرالي في تبني نظرته الحالية بشأن مسار السياسة النقدية خلال عام 2027، خصوصاً في ظل الضبابية المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية"
لذلك، من المتوقع أن تؤدي البيانات الاقتصادية المقبلة إلى تغييرات كبيرة في توقعات الأسواق وتسعيرها لأسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
وستكون بيانات سوق العمل، وقراءات التضخم، ومؤشرات النمو الاقتصادي عوامل أساسية في تحديد هذه التوقعات. لكن، في الوقت الحالي على الأقل، يمكن القول إن المؤتمر الصحفي لكيفن وارش جاء أقل تشدداً مما كانت تتوقعه الأسواق.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي