مشتريات قطر من الغاز الأميركي.. خبراء يكشفون لـCNBC عربية الدوافع

نشر
آخر تحديث
AFP

استمع للمقال
Play

خاص- CNBC عربية - محمد سالم

 

يعكس اتجاه  قطر للطاقة QatarEnergy إلى شراء الغاز الطبيعي المسال الأميركي بعقود تمتد حتى 2054 تغيراً لافتاً في موقع أحد أكبر منتجي الغاز في العالم، فالشركة التي تستحوذ على نحو خُمس صادرات الغاز المسال العالمية تبني اليوم مصدر دخل من خارج الخليج العربي، بعد أن عطّل إغلاق مضيق هرمز صادراتها منذ اندلاع الحرب على إيران أواخر فبراير/شباط 2026.

وتأتي أحدث تصريحات الرئيس التنفيذي لقطر للطاقة ووزير الدولة لشؤون الطاقة سعد بن شريدة الكعبي، في خط متواز مع  أزمة الإمدادات.. وتقديرات مؤسسات مختلفة، من بينها ريستاد إنرجي Rystad Energy لحجم الأضرار التي أصابت قطاع الغاز فى قطر.


 


 

“

الشركة تشتري إمدادات طويلة الأجل من الغاز الطبيعي المسال من أميركا وموردين آخرين، ضمن استراتيجية لبناء مركز تحوط تجاري قائم على المتاجرة وفروق الأسعار

– سعد بن شريدة الكعبي، الرئيس التنفيذي لقطر للطاقة QatarEnergy ووزير الدولة لشؤون الطاقة 


 

كشف الرئيس التنفيذي لقطر للطاقة QatarEnergy ووزير الدولة لشؤون الطاقة سعد بن شريدة الكعبي أن الشركة تشتري إمدادات طويلة الأجل من الغاز الطبيعي المسال من أميركا وموردين آخرين، ضمن استراتيجية لبناء مركز تحوط تجاري قائم على المتاجرة وفروق الأسعار، يدر إيرادات إذا تعطلت صادراتها عبر مضيق هرمز مستقبلاً، بحسب تصريحاته لوكالة رويترز Reuters، الخميس 29 أكتوبر/تشرين الأول.

أوضح الكعبي أن الخطة تعالج سيناريو إغلاق المضيق، إذ ترتفع الأسعار فوراً وتحقق الشركة إيرادات ما كانت لتتحقق لولا هذه الصفقات. وأضاف أن الصفقات لا تتطلب أي إنفاق رأسمالي وهي أقل تكلفة بكثير من بناء خطوط أنابيب أو وحدات إسالة جديدة، متوقعاً عوائد معقولة حتى في الظروف الطبيعية.

أشار إلى توقيع اتفاقات بنحو 7 ملايين طن سنوياً خلال الأسبوعين الماضيين، تشمل 3 ملايين طن من مشروع لويزيانا للغاز المسال التابع لوودسايد Woodside لمدة 20 عاماً.

وتشمل أيضاً اتفاقين مع تشينير إنرجي Cheniere Energy لشراء 4 ملايين طن سنوياً حتى 2054، بواقع مليوني طن من كل من سابين باس وكوربوس كريستي، بسعر مرتبط بمؤشر هنري هب مضافاً إليه رسم ثابت وبنظام التسليم على ظهر السفينة، علماً بأن بدء التسليم مقرر في 2031.

توقع الكعبي توقيع المزيد من الاتفاقات طويلة الأجل مع أميركا وموردين آخرين بحلول نهاية 2026، بمستهدف أعلى بكثير من 7 ملايين طن سنوياً، وقال إن الشركة تتحدث مع الجميع، بمن فيهم فينتشر غلوبال Venture Global، وإنها ستشتري ممن يقدم أفضل الشروط التجارية.

وكانت رويترز قد ذكرت قبل أيام أن المحادثات مع فينتشر غلوبال متقدمة لتوريد ما لا يقل عن 3 ملايين طن سنوياً.

قطر وأميركا.. حجم الإنتاج والصادرات

حلّت قطر قبل الحرب على إيران في المرتبة الثانية عالمياً بعد أميركا في صادرات الغاز المسال، وكانت تصدر نحو 20% من إمدادات الغاز المسال العالمية عبر مضيق هرمز في 2025، بطاقة إنتاجية تقارب 77 مليون طن سنوياً.

غير أن شحناتها انهارت في الأشهر الثمانية التي أعقبت استهداف إيران منشأة راس لفان في مارس/آذار، وأعلنت الدوحة القوة القاهرة كل شهر منذ ذلك الحين، بحسب شبكة CNBC. 

بينما شهدت أميركا في المقابل طفرة تصديرية، إذ تجاوزت صادراتها من الغاز المسال 100 مليون طن في 2025 للمرة الأولى لأي دولة، وتتجه لتخطي 120 مليون طن في 2026، وفق تصريحات وزير الطاقة الأميركي كريس رايت في 22 سبتمبر/أيلول.

وسجلت الصادرات يوم 18 أكتوبر/تشرين الأول مستوى قياسياً بلغ 19.9 مليار قدم مكعبة يومياً بحسب بيانات ريستاد إنرجي Rystad Energy.

كما تتوقع إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن يرتفع إنتاج الغاز الجاف من رقم قياسي بلغ 107.6 مليار قدم مكعبة يومياً في 2025 إلى 112.2 مليار في 2026، ما يعني أن المشتري القطري يتجه إلى مورد يملك فائضاً متنامياً بعيداً عن مضيق هرمز.

خسائر الطاقة الإنتاجية القطرية

وكان الكعبي قد أكد أن خطة رفع الطاقة الإنتاجية من 77 إلى 142 مليون طن سنوياً لم تتغير، وأنه لم يُلغَ أي مشروع سبق الإعلان عنه، مع توقع بدء تشغيل بعض وحدات توسعة الحقل الشمالي الشرقي خلال 2027 والحقل الشمالي الجنوبي في 2028. واستبعد إنشاء خطوط أنابيب تتجاوز مضيق هرمز، موضحاً أن أي بنية تحتية في المنطقة قد تتعرض للاستهداف في أي موقع.


“

إصلاح وحدتي الإسالة المتضررتين من أصل 14 في الهجمات الإيرانية سيستغرق نحو ثلاث سنوات، ما يعني خسارة مؤقتة لـ%17 من الطاقة الإنتاجية

– سعد بن شريدة الكعبي، الرئيس التنفيذي لقطر للطاقة QatarEnergy ووزير الدولة لشؤون الطاقة 


وأشار الكعبي إلى أن إصلاح وحدتي الإسالة المتضررتين من أصل 14 في الهجمات الإيرانية سيستغرق نحو ثلاث سنوات، ما يعني خسارة مؤقتة لـ%17 من الطاقة الإنتاجية، أي نحو 12.8 مليون طن سنوياً، متوقعاً عودة مشروع بيرل لتحويل الغاز إلى سوائل بحلول الربع الأول من 2027.

يأتي هذا بينما قدّرت ريستاد إنرجي أن التعافي الكامل قد يستغرق حتى خمس سنوات، لأن التوربينات الكبيرة اللازمة لمصانع الإسالة لا يصنعها سوى ثلاثة مصنّعين عالميين، يعانون تراكم الطلبيات.

واشترت قطر للطاقة نحو 33 شحنة فورية من الغاز الأميركي، بنحو مليار دولار، لتزويد عملاء في كوريا الجنوبية وتايوان وبنغلاديش والهند واليابان بعد إعلان القوة القاهرة، بحسب ما نقلته رويترز في يوليو/تموز.

تساؤلات تتصاعد

وهنا تثار أسئلة عديدة وسط استمرار التوترات الجيوسياسية في الخليج وعدم اليقين بشأن موعد وكيفية عودة الصادرات القطرية من حقولها، فيما قفز المؤشر الأوروبي للغاز TTF هذا الأسبوع فوق 95 يورو للميغاواط ساعة.

 

 

ومن هذه الأسئلة كيف تحقق قطر أرباحاً من اتفاقات أُعلنت حديثاً في ظل ارتفاع الأسعار العالمية، وكيف تتعامل مع تقلب أسعار هنري هب الذي تقوم عليه التسعيرة، وما إمكانية استفادتها من أسطولها الذي يقارب 200 ناقلة في فتح أسواق جديدة في أميركا اللاتينية؟



ماذا يقول الخبراء؟

تتقاطع آراء الخبراء الذين تحدثوا إلى CNBC عربية حول أن توجه قطر للطاقة لشراء الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة يمثل خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز المرونة التجارية وتأمين استمرارية الإمدادات في ظل المخاطر الجيوسياسية المحيطة بمنطقة الخليج، إلا أنهم يختلفون في تقييم دوافع الخطوة وحجم العوائد المحتملة منها وكيفية قياس أثرها على المدى الطويل.

 



ويرى الخبير الاقتصادي والمستشار الدولي في شؤون الطاقة عامر الشوبكي أن التحرك القطري يندرج ضمن استراتيجية أوسع لبناء محفظة عالمية للطاقة تجمع بين الإنتاج والتجارة والنقل والتسويق، بما يخفف تركّز الإيرادات في منطقة جغرافية واحدة.

ويؤكد أن امتلاك مصادر إمداد خارج الخليج يمنح الشركة أداة تحوط مهمة في حال تعطل الصادرات عبر مضيق هرمز، إذ تستطيع تحقيق إيرادات من أصول وإمدادات قائمة خارج المنطقة والاستفادة من ارتفاع الأسعار العالمية المصاحب لأي تعطل محتمل للإمدادات.

ويتفق معه الخبير والمحلل في شؤون النفط والطاقة مصطفى البزركان في أهمية تنويع مصادر الإمداد، إلا أنه يربط هذه الخطوة بشكل أكبر بضرورة الوفاء بالالتزامات التعاقدية طويلة الأجل. ويشير إلى أن عقود الغاز الطبيعي المسال تمتد عادة ما بين 10 و20 عاماً، وأن قطر للطاقة معروفة بالتزامها التاريخي تجاه المشترين في آسيا وأوروبا.


“

التحرك القطري يندرج ضمن استراتيجية أوسع لبناء محفظة عالمية للطاقة تجمع بين الإنتاج والتجارة والنقل والتسويق

–  عامر الشوبكي، الخبير الاقتصادي والمستشار الدولي في شؤون الطاقة


ويرى أن المخاطر الأمنية الأخيرة، والتي ترافقت مع تعرض أكثر من 60 منشأة طاقة في منطقة الخليج للقصف خلال الأسابيع الستة الأولى من الحرب وفق تقديرات صحفية، عززت الحاجة إلى مصادر بديلة للإمدادات لتلبية الالتزامات التعاقدية عند الضرورة.

وفي ملف أمن الإمدادات، يتفق الشوبكي والبزركان على أن الاعتماد على شراء الغاز من الخارج قد يكون أكثر جدوى من الاستثمار في بنية تحتية جديدة لتجاوز مضيق هرمز.

ويشير الشوبكي إلى أن إنشاء خطوط أنابيب جديدة أو مرافق بديلة ينطوي على تكاليف رأسمالية مرتفعة، فضلاً عن أن هذه المنشآت ستظل عرضة للمخاطر الأمنية والاستهداف، بينما يرى البزركان أن تنويع منافذ الإمداد والأسواق يحقق الهدف نفسه بكلفة ومخاطر أقل.


 


 

أما أستاذ هندسة البترول والطاقة في الجامعة الأميركية بالقاهرة جمال القليوبي فيركز على الجانب التجاري للصفقات، موضحاً أن ربحية الشركة تأتي من الفرق بين تكلفة شراء الغاز وسعر إعادة بيعه بعد احتساب تكاليف التسييل والشحن والتأمين والتمويل.

 ويشير إلى أن اتفاق تشينير إنرجي الأميركي، المعلن في أكتوبر، ينص على توريد الغاز وفق سعر مرتبط بمؤشر هنري هب مضافاً إليه رسم ثابت، على أن تبدأ الإمدادات في 2031 وتستمر حتى 2054، بينما يشمل اتفاق وودسايد شراء 3 ملايين طن سنوياً لمدة 20 عاماً مع بدء التسليم المتوقع في 2030.

ويتفق الشوبكي والقليوبي على أن ربحية هذه العقود لا يمكن قياسها بأسعار الغاز الحالية أو بالظروف الاستثنائية التي تشهدها الأسواق اليوم. ويشير الشوبكي إلى أن الفارق السعري الحالي بين السوق الأميركية والأسواق العالمية يبدو جذاباً، موضحاً أن سعر الغاز في الولايات المتحدة يدور حول عُشر الأسعار المتداولة في بعض الأسواق الأوروبية والآسيوية.

إلا أن القليوبي يحذر من أن هذا الفارق ليس ثابتاً، وأن الأرباح الفعلية تعتمد على تطورات الأسعار وتكاليف النقل والتأمين ومستوى الطلب في الأسواق المستهدفة.


 

وفي الوقت الذي ترى فيه أستاذة الاقتصاد والطاقة وفاء علي أن التوترات الجيوسياسية الحالية قد تقود إلى "انفجار سعري" في أسواق الغاز، ما يمنح قطر للطاقة فرصة لتحقيق هوامش ربح أعلى من خلال إعادة بيع الإمدادات المشتراة مسبقاً، فإن القليوبي والشوبكي يتبنيان رؤية أكثر تحفظاً، مؤكدين أن ارتفاع الأسعار وحده لا يكفي للحكم على الربحية النهائية، لأن التكاليف التشغيلية واللوجستية قد ترتفع بالتوازي مع الأسعار.


“

التوترات الجيوسياسية الحالية قد تقود إلى "انفجار سعري" في أسواق الغاز

– وفاء علي، أستاذة الاقتصاد والطاقة 


وفي مسألة الالتزامات التعاقدية، يجمع الخبراء الثلاثة على أن استبدال الغاز القطري بإمدادات أميركية ليس إجراءً تلقائياً. فالشوبكي يشير إلى أن العديد من العقود تحدد موانئ التحميل بشكل واضح، فيما يؤكد البزركان أن العقود طويلة الأجل الموقعة مع المشترين تتضمن التزامات تفصيلية يجب احترامها.

ويضيف القليوبي أن إمكانية استبدال الإمدادات تتوقف على شروط كل عقد وما إذا كان يسمح بتغيير مصدر الغاز أو يتضمن بنوداً خاصة بالقوة القاهرة.


 


وفي ما يتعلق بالأسواق المستهدفة، يرى الشوبكي أن المحفظة الجديدة تفتح المجال أمام فرص في أميركا الجنوبية وأفريقيا، بما في ذلك أسواق مثل البرازيل وتشيلي ومصر.

ويتفق معه القليوبي على وجود فرص تجارية واعدة في تلك المناطق، لكنه يشدد على أن نجاح التوسع يعتمد على توافر محطات إعادة التغويز وقدرة العملاء على السداد ومستوى المنافسة مع مصادر الطاقة الأخرى.

كذلك يحظى أسطول النقل القطري بإجماع واسع بين الخبراء باعتباره أحد أهم عناصر القوة في الاستراتيجية الجديدة.

فالبزركان يؤكد أن الشركة تمتلك أحد أكبر وأحدث أساطيل الغاز المسال عالمياً، بما يضمن سرعة استعادة تدفقات التصدير فور استقرار الأوضاع الأمنية.

ويشير القليوبي إلى أن برنامج التوسع الحالي يتضمن 128 ناقلة جديدة، ما يمنح قطر قدرة أكبر على تجاوز اختناقات الممرات البحرية وتقليل الاعتماد على سوق التأجير الفوري.

وفي حين يصف الشوبكي هذه السياسة بأنها وسيلة لتحييد المخاطر الجغرافية وتعزيز استقرار الإيرادات، ويرى البزركان أنها أداة للحفاظ على الالتزامات التعاقدية والأسواق القائمة، يعتبر القليوبي أنها استراتيجية تجارية تستهدف تعظيم هوامش الربح عبر إدارة فروق الأسعار والشحن والعقود بكفاءة.

أما وفاء علي فترى أنها استراتيجية أوسع للحفاظ على النفوذ القطري في تجارة الغاز العالمية وضمان استمرار التوسع الإنتاجي، خاصة مع خطة رفع إنتاج الغاز الطبيعي المسال من 77 مليون طن سنوياً إلى 142 مليون طن سنوياً خلال السنوات المقبلة.

ومن ثم، فإن نقاط الاتفاق بين الخبراء تتركز حول أهمية تنويع مصادر الإمداد والأسواق، بينما يتمثل الخلاف الرئيسي في تقدير حجم المكاسب الربحية المتوقعة ومدى قدرة هذه الاستراتيجية على تحويل المخاطر الجيوسياسية إلى فرص تجارية مستدامة.


 


استثمار في المستقبل

تكشف هذه الصفقات أن قطر للطاقة لا تنتظر انتهاء الحرب لتعويض خسائرها، بل تحول قدراتها في المتاجرة والشحن إلى أداة تحوط تدر دخلاً إذا ارتفعت الأسعار بفعل اضطراب الإمدادات.

غير أن أثرها قد لا يظهر قبل بدء التسليم الفعلي، المتوقع في 2030 و2031 لجزء كبير من الكميات، ما يعني أنها استثمار في المستقبل وليست حلاً للأزمة الراهنة.

يمنح الأسطول الذي يقارب 200 ناقلة الدوحة، في المقابل، هامشاً للمناورة يحميها من اختناق الممرات البحرية، ويُبقيها لاعباً رئيسياً في سوق الغاز العالمية.

 

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة