البورصات المالية ليست منصات لتوزيع التفاؤل، ولا تملك مؤشراتها مهارات تجميل الواقع الاقتصادي، كما أنها لا تتقن لغة المجاملات. فهي لا تجيد قراءة البيانات الرسمية التي ترغب الحكومات في سماعها، ولا تسعّر الاقتصادات وفقاً لما يصدر من تصريحات، بل تتحرك على وقع ما ترصده الأسواق من أرباح ومخاطر وتوقعات، وما تشهده الاقتصادات من تطورات سياسية واقتصادية. قد تخطئ في تقدير الاتجاه، وقد تبالغ في الخوف أو التفاؤل، لكنها لا تستطيع، بأي حال، تجاهل الحقائق طويلاً.
منذ اندلاع النزاع الإقليمي واتساع نطاق المواجهة في نهاية فبراير شباط 2026، لم تعد أسواق المال الخليجية بمنأى عن تداعياته. فاضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتعطل سلاسل الإمداد، وتراجع حركة التجارة، انتقلت تدريجياً من عناوين الأخبار إلى دفاتر الشركات وبياناتها المالية، ثم إلى شاشات التداول ومحافظ المستثمرين.
بدأت التداعيات في صورة مخاوف وتوقعات، قبل أن تتحول إلى أرقام في نتائج الأعمال الفصلية للشركات، وتنعكس على تقييمات الأسهم واتجاهات السيولة. وهذا ما يجعل قراءة البورصات أكثر أهمية من الاكتفاء بما تعلنه الحكومات والمؤسسات الرسمية عن قدرة اقتصاداتها على امتصاص الصدمات، في تكرار لسيناريوهات المكابرة التي تتجدد مع كل أزمة تعصف بالمنطقة.
في الخليج، لم تكن الخسائر متساوية، كما لم تكن قدرة الاقتصادات على احتواء التداعيات واحدة. فالدول الأكثر ارتباطاً بممرات التصدير عبر مضيق هرمز، كقطر والكويت والبحرين، واجهت ضغوطاً مباشرة أكبر، بينما كانت السعودية والإمارات أقل تعرضاً لبعض تلك الضغوط، بفضل تنوع مسارات التصدير ومصادر الدخل. في المقابل، بدت سلطنة عُمان بمنأى عن التداعيات المباشرة إلى حد كبير، إذ سجل مؤشرها العام نمواً بنحو 26% منذ بداية العام، خلافاً لأداء معظم أسواق وبورصات المنطقة.
وتكشف حركة المؤشرات منذ بداية العام حجم الضغوط التي تعرضت لها الأسواق. فحتى إغلاق 29 أكتوبر تشرين الأول 2026، تراجع مؤشر بورصة قطر بنحو 15%، ومؤشر بورصة الكويت بنحو 6.4%، ومؤشر سوق أبوظبي بنحو 5.2%، فيما خسر مؤشر السوق السعودية نحو 5.4%. وهي تراجعات تعكس، إلى جانب العوامل المحلية، ارتفاع علاوة المخاطر وتراجع شهية الاستثمار في ظل استمرار حالة عدم اليقين.
ولم تكن تلك التحركات مجرد انعكاس لمزاج المستثمرين أو مبالغة في تسعير المخاطر، فقد بدأت النتائج المالية تكشف جانباً من التكلفة الفعلية للنزاع. ففي قطر، تراجعت الأرباح الصافية المجمعة للشركات المدرجة خلال الربع الثالث بنحو 21% إلى 11.36 مليار ريال، تحت ضغط رئيسي من قطاع الصناعة، فيما واجهت قطاعات النقل والخدمات تداعيات اضطراب الملاحة وارتفاع تكاليف التشغيل.
ولم تتوقف التداعيات عند الشركات الأكثر ارتباطاً بحركة التجارة والملاحة، بل امتدت إلى قطاعات أخرى عبر قنوات التضخم وتكلفة التمويل وتراجع الثقة. فارتفاع تكاليف الطاقة والشحن والتأمين يضغط على هوامش الربحية ويغذي أسعار السلع والخدمات، فيما تدفع المخاطر المتزايدة الشركات إلى تأجيل الاستثمارات وتقليص الإنفاق الرأسمالي.
مقال رأي | قطر.. من يدفع الفاتورة؟
وفي مواجهة هذه الصورة، ظهرت محاولات لاحتواء الضغوط عبر ضخ السيولة وتدخل المؤسسات والصناديق الوطنية، في مسعى للحفاظ على تماسك المؤشرات ومنع تدهور الثقة. لكن ثمة فارقاً بين دعم السوق ومعالجة أسباب تراجعه: الأول قد يؤجل الهبوط أو يخفف حدته، أما الثاني فيحتاج إلى تحسن حقيقي في النشاط الاقتصادي وأرباح الشركات وتوقعاتها.
المشكلة لا تكمن في تدخل الصناديق الوطنية لدعم أسواقها، بل في أن يتحول هذا الدعم من أداة لاقتناص الفرص وحماية الاستقرار إلى وسيلة لحجب الخسائر وتجميل المؤشرات. فالسوق الذي يحتاج باستمرار إلى مشترٍ مؤسسي أو حكومي كي يحافظ على تماسكه، لا يقدم بالضرورة دليلاً على متانة الاقتصاد، بل ربما يكشف حجم اختلالاته.
فالسيولة تستطيع شراء الوقت، لكنها لا تستطيع شراء أرباح غير موجودة، أو إعادة حركة التجارة إلى مساراتها، أو إزالة المخاطر الجيوسياسية. كما أن الصناديق السيادية نفسها باتت مطالبة بإعادة تقييم أولوياتها الاستثمارية والتزاماتها في ظل التكلفة المتزايدة للنزاع، بدلاً من استنزاف أدواتها في إدارة تقلبات الأسواق أو حماية المؤشرات من انعكاس الحقائق الاقتصادية.
أما المشهد الأكثر دلالة، فجاء من مصر، حيث تداخلت الضغوط الاقتصادية والنقدية مع التطورات السياسية والأمنية. ففي 25 أكتوبر تشرين الأول، شهدت البورصة موجة بيع واسعة، هبط خلالها مؤشر EGX70 بنسبة 11.1%، وتجاوز تراجع مؤشر EGX100 مستوى 10%، ما استدعى وقف التداول لمدة نصف ساعة، فيما تراجعت القيمة السوقية بنحو 177 مليار جنيه، وخسر مؤشر EGX30 نحو 3.5%.
وجاء ذلك بالتزامن مع ضغوط متزايدة على الجنيه المصري، الذي سجل في 26 أكتوبر تشرين الأول مستوى قياسياً منخفضاً عند نحو 56 جنيهاً للدولار. ولم يكن تراجع العملة تفصيلاً منفصلاً عن أداء البورصة، فضعف الجنيه يرفع تكلفة الواردات ويغذي التضخم، كما يقلص العائد الحقيقي للمستثمر الأجنبي عند تحويل استثماراته إلى العملات الأخرى.
وفي هذا المناخ، جاء طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي تفويضاً برلمانياً لاتخاذ الإجراءات اللازمة لدعم السعودية والدفاع عنها إذا اقتضت الحاجة، قبل موافقة مجلس النواب بأغلبية الثلثين. ولا يمكن اختزال هبوط البورصة في هذا التطور أو اعتباره ردة فعل مباشرة على الموقف السياسي، لكن تزامنه مع تصاعد المخاطر الإقليمية أضاف طبقة جديدة من عدم اليقين إلى سوق تواجه أصلاً ضغوطاً نقدية وتمويلية.
القاهرة، التي تحتاج إلى تدفقات النقد الأجنبي والاستثمارات لتعزيز احتياطياتها وتخفيف أعباء التمويل، لا تملك رفاهية تجاهل أثر التوترات الإقليمية على ثقة المستثمرين. كما أن مرونة سعر الصرف، التي يدافع عنها البنك المركزي باعتبارها خط الدفاع الأول أمام الصدمات الخارجية، تعني عملياً انتقال جانب من تلك الصدمات إلى العملة والتضخم وتكاليف الشركات والقوة الشرائية.
قصارى القول، إن المشكلة الحقيقية تكمن في ميل بعض القراءات الرسمية إلى التعامل مع ارتفاع المؤشرات باعتباره دليلاً على متانة الاقتصاد، ومع تراجعها باعتباره حركة تصحيحية أو استجابة مؤقتة لمخاوف المستثمرين. وبين القراءتين تضيع حقيقة أكثر أهمية: أن أسعار الأسهم تعكس توقعات بشأن الأرباح المستقبلية، وأن تراجع النتائج المالية وتزايد تكاليف التشغيل وتآكل القوة الشرائية لا يمكن معالجتها بضخ السيولة أو التصريحات المتفائلة.
البورصات ليست معصومة من الخطأ، وقد تبالغ في الخوف كما تبالغ في التفاؤل، لكنها تظل أكثر صدقاً من الخطابات التي تنتقي من الأرقام ما يناسب روايتها. فالمؤشرات قد ترتفع بفعل تدخلات استثنائية، وقد تتماسك بمشتريات المؤسسات الوطنية، لكن ذلك لا يعني أن الشركات تجاوزت خسائرها، أو أن الاقتصادات تخلصت من مخاطرها.
ختاماً، البورصات لا تكذب، لكنها لا تجامل أيضاً. قد تنجح الصناديق في شراء الوقت، وقد تنجح الحكومات في إدارة المشهد، لكن لا هذه تستطيع خلق أرباح من لا شيء، ولا تلك تستطيع تحويل الخسائر إلى مجرد تصحيح عابر.
المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها، ولمزيد من المقالات يمكنكم زيارة صفحة "مقالات الرأي"
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي