بهذه الكلمات استقبل ترامب نتيجة الانتخابات النصفية، بعد ساعة تقريباً من نشره لصورة قبعة على حسابه على موقع "تروث سوشال" كُتب عليها "VETO".

قبل الإجابة على هذا السؤال، يجب عليك، عزيزي القارئ، في البداية معرفة قوانين الأغلبية في هذين المجلسين، وكيف ستؤثر على إقرار القوانين، إذ تختلف قوانين تحديد الأغلبية في مجلسي الكونغرس الأميركي بحسب عدد المقاعد الشاغرة والحاضرين، وما إذا كان التصويت يتطلب أغلبية بسيطة أو أغلبية موصوفة.
مجلس النواب الأميركي
يتألف هذا المجلس من 435 مقعداً، وتبلغ الأغلبية المطلقة فيه 218 مقعداً، وهي العدد اللازم للسيطرة على المجلس في حال شغل جميع المقاعد. أما إقرار التشريعات فيتطلب عادةً أغلبية أصوات الأعضاء المصوتين، بشرط توافر النصاب القانوني، الأمر الذي يعني أن عدد الأصوات المطلوبة قد يكون أقل من 218 إذا لم يشارك جميع الأعضاء في التصويت.
ويتطلب تجاوز الفيتو الرئاسي – الذي لمح إليه ترامب في الصورة التي نشرها وتحدثنا عنها - أغلبية الثلثين من الأعضاء المصوتين في مجلس النواب، بشرط توافر النصاب القانوني، وليس بالضرورة 290 صوتاً في جميع الحالات.
مجلس الشيوخ الأميركي
يتألف مجلس الشيوخ الأميركي من 100 مقعد، وتبلغ الأغلبية المطلقة فيه 51 مقعداً، وهي العدد اللازم للسيطرة على المجلس في حال شغل جميع المقاعد.
ويُقر المجلس التشريعات عادةً بأغلبية أصوات الأعضاء المصوتين، مع توافر النصاب القانوني، فيما يمكن لنائب الرئيس الأميركي كسر التعادل بصوته المرجّح.
ويتطلب إنهاء النقاش حول معظم التشريعات وتجاوز التعطيل المعروف باسم "الفيليبستر" عادةً 60 صوتاً، بينما يتطلب تجاوز الفيتو الرئاسي أغلبية الثلثين من الأعضاء المصوتين، أي 67 صوتاً عند اكتمال عدد أعضاء المجلس.
ما هو الفيليبستر؟
الفيليبستر هو إجراء يُستخدم في مجلس الشيوخ الأميركي لإطالة النقاش حول مشروع قانون أو تأخير التصويت عليه، بهدف منع إقراره أو الضغط لتعديل بنوده.
يُعد هذا الإجراء من أبرز أدوات الأقلية في مجلس الشيوخ، إذ يمكن لأعضاء الحزب المعارض تعطيل تمرير التشريعات، حتى لو كان الحزب المؤيد لها يمتلك الأغلبية البسيطة.
في حال أراد حزب ما المضي بـ " الفيليبستر " بشأن قانون معين، يمكن للسيناتور إطالة النقاش حول هذا القانون، أو استخدام إجراءات برلمانية للتأخير. تاريخياً، كان ذلك يتطلب خطابات طويلة ومجهدة، ولكن اليوم فقد يكفي التهديد بالتعطيل لإجبار الأغلبية على التفاوض.
ولإنهاء الفيليبستر، يلجأ مجلس الشيوخ إلى إجراء يُعرف باسم “كلوتشر “وهو التصويت على إنهاء النقاش. ويتطلب هذا الإجراء عادةً موافقة 60 عضواً من أصل 100، وفق قواعد المجلس، الأمر الذي يمنح الأقلية قدرة على تعطيل التشريعات حتى عندما يمتلك الحزب المؤيد لها 51 مقعداً فقط.
والآن وقد علمنا كيف تؤثر الأغلبية على إقرار القوانين والتشريعات، سننتقل إلى الجزء الأهم في الموضوع، وهو الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والذي من الممكن أن تكون أحداث اليوم بمثابة فتح باب البيت الأبيض للخروج من منصبه.
ترامب الآن في مأزق، هذا ما تخبرنا به ألوان خارطة أميركا التي تظهر تفوق الديمقراطيين في المجلسين. مأزق سياسي واقتصادي وحتى شخصي، إذ من الممكن أن يصل به الحال إلى خارج البيت الأبيض، وكلمة السر هنا هي "موازين القوى في واشنطن"، إذ سيصبح للحزب المعارض، وهنا هو الديمقراطي، صوت مؤثر يقف في وجه ترامب في أغلب قراراته، إن لم يكن جميعها، وقدرة على تحويل التشريعات وقرارات الإنفاق إلى مناقشات ماراثونية قد تصل في النهاية إلى تأخير اتخاذ قرار يهم الشعب الأميركي، وبالتالي زيادة السخط في الشارع.
في المجال الاقتصادي، والذي يتحدث عنه ترامب كـ "ملعبه"، قد يؤدي فوز الديمقراطيين بالأغلبية في المجالس إلى زيادة الضغوط على سياسات ترامب التي تتعلق بالتجارة، وخاصةً الرسوم الجمركية التي أثارت موجة من المخاوف والتوترات بشأن ارتفاع الأسعار وتكاليف الاستيراد وحتى العلاقات مع الدول الأخرى وعلى رأسها الصين ودول الاتحاد الأوروبي، إذ سيتمكن الديمقراطيون من عقد جلسات استماع للتحقيق في تأثير الرسوم على الشركات والمستهلكين الأميركيين، ومحاولة تمرير تشريعات تحد من بعض هذه السياسات "الترامبية".
ولكن في الحقيقة، فإن قدرة الكونغرس على إلغاء الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب بقرارات تنفيذية ستظل محدودة، لأن الرئيس الأميركي يمتلك صلاحيات واسعة في موضوع التجارة الخارجية، وذلك بحكم قوانين تمنحه سلطة فرض رسوم جمركية دون العودة إلى الكونغرس أو طلب موافقة مسبقة منه. لذلك، فإن التأثير الأهم سيكون من خلال زيادة الضغوط السياسية والقانونية، وليس بالضرورة إلغاء الرسوم فوراً.
وعلى صعيد ملف الموازنة، والذي يعد من أبرز نقاط المواجهة بين ترامب والأغلبية، فقد يستخدم الديمقراطيون قدرتهم على رفض أو تعديل مشاريع الإنفاق للضغط على الإدارة، ما قد يعيد مخاطر الإغلاق الحكومي إلى الواجهة، وهو الأمر الذي حدث 3 مرات خلال فترتي ترامب الرئاسيتين، واستمر آخرها بفترة 43 يوماً في نوفمبر 2025، ليكون بذلك أطول إغلاق في تاريخ الحكومة الأميركية.
ولكن في المقابل، قد يدفع هذا الوضع الطرفين، الجمهوريين والديمقراطيين، إلى التفاوض بشكل أكثر فاعلية، لتجنب تعطيل المؤسسات الحكومية أو الإضرار بالاقتصاد.
وبالحديث عن الأسواق المالية، فقد يؤدي الصدام بين البيت الأبيض والكونغرس إلى زيادة حالة عدم اليقين بشأن السياسات الاقتصادية والضرائب والإنفاق الحكومي، الأمر الذي قد يؤدي بالمستثمرين إلى الانتقال إلى ملاذات آمنة بعيداً عن سوق الأسهم الأميركي، وبالتالي تراجع في وول ستريت.
بعد فوز الديمقراطيين المرتقب واختلاف خطتهم في الانفاق.. ماهي التأثيرات الممكنة على الاقتراض وسوق السندات؟ https://t.co/5zACjZisbZ
— CNBC Arabia (@CNBCArabia) November 4, 2026
نظرياً وباختصار فالإجابة هي "نعم".
ولكن عملياً، هل تم عزل أي رئيس أميركي؟ الإجابة هي "لا".
تمر رحلة "عزل الرئيس" بعدة مراحل، فهي ليست عملية سهلة بطبيعة الحال، فهي اتهام صريح بعدم كفاءة رئيس الولايات المتحدة لإدارة الدولة.
تبدأ الرحلة في مجلس النواب الأميركي، الذي يمتلك صلاحية توجيه اتهامات للرئيس والمطالبة بعزله. ويمكن للديمقراطيين في حالة المجلس الذي تم انتخابه، إذا امتلكوا الأغلبية البسيطة، التصويت لصالح مواد عزل الرئيس وإقرارها، الأمر الذي يعني توجيه اتهامات رسمية لترامب، ولكنه لا يعني إقالته من منصبه بعد، فهي مجرد اتهامات.
وهنا ننتقل إلى الجزء الأصعب، مجلس الشيوخ، والذي تتطلب إدانة الرئيس فيه وإقالته من منصبه موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الحاضرين، أي نحو 67 صوتاً إذا حضر جميع الأعضاء.
📌التجديد النصفي في أميركا: الأزرق يسيطر في النواب والشيوخ
— CNBC Arabia (@CNBCArabia) November 4, 2026
وبالتالي، فإن امتلاك الديمقراطيين لأغلبية بسيطة في المجلسين لا يكفي لإقالة ترامب، ما لم يحصلوا على دعم عدد كبير من الجمهوريين.
تاريخياً، فقد واجه 3 رؤساء أميركيين إجراءات العزل رسمياً، وهم آندرو جاكسون عام 1868، بيل كلينتون عام 1998، دونالد ترامب عامي 2019 و2021، ولكن لم يصل أحد إلى العزل رسمياً بسبب تبرئة مجلس الشيوخ لهم.
وبالحديث عن العزل، فيجب ألا ننسى الرئيس ريتشارد نيكسون، والذي كان في طريقه للعزل بعد فضيحة ووترغيت عام 1974، ولكنه استقال من تلقاء نفسه قبل تصويت مجلس النواب النهائي.
هل انتهى ترامب؟
بالنهاية، هناك سؤال يجب علينا إجابته، إلا وهو "هل انتهى تأثير ترامب على العالم؟"
في الواقع، لا، وذلك لأن الكونغرس من الممكن أن يقف في وجهه في العديد من التشريعات والأنظمة، ولكنه ما يزال يمتلك العديد من الأدوات التي يمكنه من خلالها، وبحكم القانون الأميركي، تخطي الكونغرس، مثل الأوامر التنفيذية، والتي لا تتطلب موافقة مسبقة من الكونغرس، ولكنها في ذات الوقت لا تعتبر قوانين جديدة، ولكنها تعتبر بمثابة التوجيهات لعمل الجهات الفدرالية.
وهنا يجب أن نتذكر أن ترامب باق حتى عام 2028، ولكن كـ "بطة عرجاء".
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي