ما هي القيمة العادلة للجنيه المصري أمام الدولار؟

نشر
آخر تحديث
صورة مولدة باستخدام الذكاء الاصطناعي

استمع للمقال
Play

 

خاص CNBC عربية- أمل نبيل

 

بعد الارتفاعات القياسية التي سجلها الدولار أمام الجنيه المصري، متجاوزاً مستوى 56 جنيهاً خلال أكتوبر تشرين الأول الماضي، تتزايد التساؤلات بشأن القيمة العادلة للعملة المصرية، في ظل الضغوط التي تعرضت لها خلال الفترة الأخيرة، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع تدفقات الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن الجنيه المصري قد يكون مقوماً بأقل من قيمته العادلة، مع احتمال تراجع الضغوط على سوق الصرف تدريجياً حال انحسار التوترات الإقليمية واستقرار تدفقات النقد الأجنبي، مقدّرين أن القيمة العادلة للدولار قد تقترب من 50 جنيهاً.

وتجاوز سعر الدولار حاجز 56 جنيهاً مقابل الجنيه المصري خلال تعاملات الأسبوع الماضي، قبل أن يتراجع إلى أقل من 54 جنيهاً خلال تعاملات اليوم الخميس.

وقال الخبير الاقتصادي هاني جنينة إن القيمة العادلة للدولار أمام الجنيه المصري تتراوح بين 48 و50 جنيهاً، مشيراً إلى أن العملة المحلية قد تكون مقوّمة بأقل من قيمتها بنحو 10%، في ظل الضغوط المؤقتة التي تتعرض لها سوق الصرف. واعتبر أن الجنيه المصري دخل مرحلة من المبالغة في انخفاض قيمته، أو ما يُعرف اقتصادياً بحالة «البيع المفرط» (Oversold)، نتيجة الضغوط الحالية على سوق الصرف.

وأضاف جنينة لــ CNBC عربية أن ارتفاع الدولار خلال الفترة الأخيرة لا يعكس بالضرورة تراجعاً هيكلياً في قيمة الجنيه، بقدر ما يرتبط بمجموعة من العوامل الاستثنائية، تشمل خروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين الحكومية، إلى جانب التخارج من بعض السندات والأسهم، مدفوعاً بتزايد المخاوف من تصعيد عسكري في المنطقة، وزيادة احتياجات الشركات من النقد الأجنبي لإعادة تكوين مخزوناتها من السلع والمواد الخام، فضلاً عن ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن.

وفقد الجنيه نحو 15% من قيمته أمام الدولار منذ بداية 2026، ليصبح من بين أسوأ عملات الأسواق الناشئة أداءً خلال العام الجاري، وفقاً لـ«كابيتال إيكونوميكس».

ويمثل التراجع الحالي الموجة الثانية من الضغوط التي يتعرض لها الجنيه منذ اندلاع الحرب مع إيران. ووفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي، تراجع الجنيه إلى 54.5 مقابل الدولار بنهاية مارس آذار، قبل أن يتعافى إلى 49.2 بنهاية يونيو حزيران، مع عودة تدفقات الأموال الساخنة، ثم تجاوز مستوى 50 جنيهاً للدولار مجدداً في يوليو تموز.وكان الجنيه قد سجل 47.6 مقابل الدولار بنهاية عام 2025.



 

وفيما يتعلق بالضغوط على سوق الصرف، أوضح جنينة أن جزءاً منها يرتبط باحتياجات الشركات إلى استيراد مخزونات جديدة من السلع والمواد الخام، بعد استهلاك المخزونات التي كانت قد اشترتها قبل اندلاع الحرب، والتي كانت تكفي بعض الشركات لفترات تتراوح بين 3 و9 أشهر، بمتوسط يبلغ نحو 6 أشهر.

وأضاف أن الشركات الأكبر حجماً كانت أكثر قدرة على تكوين مخزونات استراتيجية، بفضل ملاءتها المالية وقدرتها على الاقتراض، بينما تواجه الشركات الأصغر ضغوطاً أكبر مع حاجتها إلى إعادة الشراء بأسعار مرتفعة، وهو ما يدفعها إلى طلب كميات أكبر من الدولار لتأمين احتياجاتها الاستيرادية.

ولفت إلى أن الطلب على النقد الأجنبي قد يشهد زيادة خلال الفترة المقبلة مع اقتراب مواسم استهلاكية مهمة، تشمل أعياد الميلاد وشهر رمضان، إلى جانب احتياجات موسم العودة إلى المدارس، موضحاً أن شركات الأغذية والمنتجات الاستهلاكية تستعد عادة لزيادة الطلب خلال هذه الفترات.

وأضاف أن زيادة الطلب على الدولار لا تقتصر على القطاع الخاص، إذ تحتاج الدولة أيضاً إلى تعزيز مخزوناتها الاستراتيجية من السلع الأساسية، مثل القمح والأرز والفول، إلى جانب المنتجات البترولية، في ظل التحديات المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد.

 

 مرونة سعر الصرف

 

أشار الخبير الاقتصادي هاني جنينة إلى أن السماح لسعر الصرف بامتصاص الصدمات يمثل حماية للاحتياطيات الأجنبية، ويضمن توافر النقد الأجنبي لتلبية احتياجات الاقتصاد. وأوضح أن استقرار سعر العملة لا ينبغي أن يكون على حساب توافر الدولار، إذ إن القدرة على تأمين الاحتياجات الاستيرادية، حتى بتكلفة أعلى، أفضل من عدم توافر العملة اللازمة للاستيراد.

ورأى أن مرونة سعر الصرف أثبتت أهميتها في تعزيز قدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع الأزمات، مؤكداً أن العودة إلى سياسات تثبيت الجنيه، أو خفض معدلات الفائدة رغم الضغوط التضخمية، أو إجراء تخفيضات مفاجئة للعملة، أصبحت أقل احتمالاً في ضوء الدروس التي اكتسبها الاقتصاد خلال السنوات الماضية.



وتوقع أن تتراجع الضغوط على سوق الصرف تدريجياً مع استقرار تدفقات الاستثمارات الأجنبية، وإعادة بناء المخزونات الاستراتيجية للدولة والقطاع الخاص، فضلاً عن هدوء أسعار الطاقة وتكاليف الشحن، مشيراً إلى أن العوامل الحالية الضاغطة على الجنيه قد تكون مؤقتة.

وفي هذا السياق، أكد صندوق النقد الدولي، عقب استكمال المراجعة السابعة لبرنامج التمويل المصري في يوليو تموز 2026، أهمية استمرار مرونة سعر الصرف باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة الصدمات الخارجية وتقلبات تدفقات رؤوس الأموال.

وشدد الصندوق على ضرورة الحفاظ على سياسة نقدية متشددة بالقدر الكافي لاحتواء الضغوط التضخمية، بالتوازي مع استمرار مرونة سعر الصرف وتعزيز الانضباط المالي وتسريع الإصلاحات الهيكلية.

وفي تطور يعكس استمرار الحذر تجاه المخاطر التضخمية، رفع البنك المركزي المصري معدلات الفائدة الأساسية بواقع 100 نقطة أساس خلال اجتماعه في 29 أكتوبر تشرين الأول الماضي، في أول زيادة منذ مارس آذار 2024، ليصل سعر عائد الإيداع لليلة واحدة إلى 20%، وسعر الإقراض إلى 21%.

 

تدفقات النقد الأجنبي تدعم الجنيه

 

وتأتي هذه التقديرات في وقت تشير فيه بيانات البنك المركزي المصري إلى تحسن عدد من مصادر النقد الأجنبي، رغم استمرار الضغوط على الحساب الجاري.

وسجل ميزان المدفوعات المصري فائضاً كلياً بلغ 2.8 مليار دولار خلال العام المالي 2025-2026، مقابل عجز قدره 2.1 مليار دولار خلال العام المالي السابق، بدعم من ارتفاع صافي التدفقات في الحساب الرأسمالي والمالي إلى 23.2 مليار دولار، مقابل 10.2 مليار دولار.

وارتفع صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى نحو 18 مليار دولار، مقابل 12.2 مليار دولار، فيما سجلت استثمارات المحافظ المالية صافي تدفقات داخلة بقيمة 4.2 مليار دولار، مقارنة بنحو 1.6 مليار دولار خلال العام المالي السابق.

 

وفي المقابل، اتسع عجز الحساب الجاري إلى 22.5 مليار دولار، مقابل 15.4 مليار دولار، متأثراً بارتفاع عجز الميزان التجاري وزيادة مدفوعات دخل الاستثمار.

وساعدت تحويلات المصريين العاملين بالخارج في تخفيف الضغوط على الحساب الجاري، بعدما ارتفعت بنسبة 29.6% إلى نحو 47.3 مليار دولار خلال العام المالي 2025-2026، فيما زادت الإيرادات السياحية بنسبة 10.3% إلى 18.4 مليار دولار، وارتفعت إيرادات قناة السويس بنسبة 21.6% إلى 4.4 مليار دولار.

وتعكس هذه المؤشرات تحسناً في قدرة الاقتصاد على جذب التدفقات الأجنبية وتوفير موارد النقد الأجنبي، لكنها تظهر في الوقت نفسه استمرار احتياجات الاقتصاد التمويلية، خصوصاً مع اتساع عجز الميزان التجاري والحساب الجاري.

وارتفع صافي الاحتياطيات الدولية لدى البنك المركزي المصري إلى مستوى قياسي جديد يبلغ 57.5 مليار دولار بنهاية أكتوبر تشرين الأول 2026، محققاً زيادة قدرها 152 مليون دولار مقارنة بشهر سبتمبر أيلول من العام نفسه، بما يوفر هامشاً من الحماية في مواجهة التقلبات الخارجية والالتزامات الدولية.

 

 مخاطر ارتفاع سعر الصرف

 

يترتب على تراجع الجنيه خطران رئيسيان، أولهما زيادة الضغوط التضخمية، رغم انخفاض التضخم السنوي إلى 13.9% في سبتمبر أيلول، مقابل 14.5% في أغسطس آب، وفقاً لبيانات البنك المركزي المصري. ومع ذلك، لا يزال التضخم أعلى بكثير من مستهدف البنك المركزي البالغ 7%، بزيادة أو نقصان نقطتين مئويتين.

أما الخطر الثاني، فيتمثل في ارتفاع تكلفة خدمة الدين المقوم بالعملات الأجنبية، إذ تزيد حصة هذا الدين على 40% من إجمالي الدين الحكومي، بما يعادل 37% من الناتج المحلي الإجمالي.

وقدّر جيسون توفي، نائب كبير الاقتصاديين المعنيين بالأسواق الناشئة لدى «كابيتال إيكونوميكس»، أن كل تراجع بنسبة 10% في قيمة الجنيه أمام الدولار يضيف ما بين 3.5 و4 نقاط مئوية إلى نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي.

 

هل يستطيع الدولار العودة إلى مستوى 50 جنيهاً؟

 

يرتبط احتمال عودة الدولار إلى مستويات تقترب من 50 جنيهاً بمدى تراجع الضغوط الحالية على موارد النقد الأجنبي، خصوصاً تدفقات استثمارات الأجانب في أدوات الدين، وتكلفة واردات الطاقة، واحتياجات القطاع الخاص إلى إعادة بناء مخزوناته الاستيرادية.



ويرى جنينة أن الضغوط الحالية قد تكون مؤقتة، مع توقع تراجع الطلب الاستثنائي على الدولار بمجرد استقرار تدفقات الاستثمارات الأجنبية، واستكمال الشركات والدولة إعادة تكوين مخزوناتها الاستراتيجية، فضلاً عن هدوء أسعار الطاقة وتكاليف الشحن.

لكن هذه التقديرات تظل مشروطة بعدم حدوث تصعيد جديد في المنطقة، إذ إن استمرار الحرب أو اتساع نطاقها قد يؤدي إلى زيادة فاتورة الواردات وتراجع تدفقات السياحة والاستثمار، بما يفرض ضغوطاً إضافية على موارد النقد الأجنبي.

وتتوقع «كابيتال إيكونوميكس» أن ينهي الجنيه عام 2027 عند مستوى 60 جنيهاً للدولار، بما يمثل تراجعاً إضافياً بنحو 6%، إذا انخفضت أسعار الطاقة خلال العام المقبل وفقاً لتوقعاتها.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة