سوق العمل الأميركي في اختبار ما بعد الانتخابات: هل تدعم الوظائف رهانات الفدرالي أم تفتح الطريق لعودة الذهب؟

نشر
آخر تحديث
AFP

استمع للمقال
Play

كريم مجدي 

 

مدير قسم تحليل الأسواق المالية في وندسور بروكرز 

تقف الأسواق العالمية هذا الأسبوع أمام مفترق طرق نقدي ومالي حقيقي؛ فبينما تحاول المحافظ الاستثمارية الكبرى هضم التداعيات الاقتصادية لنتائج انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، تتجه الأنظار إلى تقرير الوظائف بغير القطاع الزراعي لشهر أكتوبر. هذا التقرير لا يمثل مجرد قراءة إحصائية دورية، بل يأتي كحكم فصل في توقيت بالغ الحساسية لتحديد ما إذا كان الاحتياطي الفدرالي سيمضي قدماً نحو تشديد نقدي إضافي في ديسمبر، أم سيكتفي بمراقبة أثر الفائدة المرتفعة على النشاط الاقتصادي.

حسابات ما بعد الانتخابات ومعضلة التضخم

دخلت الأسواق تداولات هذا الأسبوع وسط تحول واضح في تدفقات السيولة العالمية عقب حسم المشهد الانتخابي؛ إذ استجابت مؤشرات الأسهم الأميركيةبالصعود وتراجع الدولار وعوائد سندات الخزانة، على الرغم من أن الأجندة الاقتصادية للديمقراطيين تتضمن مقترحات برفع الضرائب على الشركات.

ويعود هذا التفاعل الإيجابي في جوهره إلى أن السيولة المؤسسية تسعّر "المحصلة النهائية" على التضخم وتكلفة التمويل؛ فالتوجه نحو إلغاء الرسوم الجمركية يرفع عبئاً مالياً فورياً عن سلاسل الإمداد ويخفض تكاليف الإنتاج على الشركات، كما أن التهدئة الدبلوماسية وتراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية أسهما في هبوط أسعار النفط، وهو ما يترجمه المستثمرون كعامل كابح للتضخم المستورد يخفف الضغط عن عوائد السندات، في حين تظل أي تعديلات ضريبية رهينة مفاوضات تشريعية طويلة الأمد.

غير أن هذا التفاؤل يصطدم بمعضلة نقدية معقدة أمام الاحتياطي الفدرالي؛ فالاقتصاد الأميركي أظهر متانة لافتة بنمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.4% في الربع الثالث، مع بقاء التضخم العام مرتفعاً عند 3.7% والتضخم الأساسي عند 2.6%، مقابل تباطؤ حاد في تقرير الوظائف للشهر الماضي الذي سجل إضافة 29 ألف وظيفة فقط مع مراجعات سلبية للأشهر السابقة قاربت 60 ألف وظيفة. هذا التباين جعل لجنة السياسة النقدية في حالة انقسام واضح، وأبقى خيار رفع الفائدة في ديسمبر مطروحاً وفق تصريحات رئيس الفدرالي "كيفن وارش".

ماذا تقول المؤشرات الاستباقية؟ فجوة إحصائية ترجّح مفاجأة إيجابية

عند قراءة المؤشرات الاقتصادية الاستباقية الصادرة هذا الأسبوع، نجد فجوة إحصائية واضحة تشير إلى أن التوقعات الرسمية لإجماع السوق (البالغة نحو 65 ألف وظيفة واستقرار البطالة عند 4.2%) تبدو متحفظة، وأن الاقتصاد يمتلك زخماً كافياً لتسجيل قراءة أعلى تتراوح بين 75 إلى 95 ألف وظيفة:
تماسك توظيف القطاع الخاص: أضاف القطاع الخاص الأميركي 86 ألف وظيفة في أكتوبر، مطابقاً لقراءة الشهر السابق ومتجاوزاً للتقديرات، مع نمو في الأجور هو الأسرع منذ ربيع 2024.

توسع التوظيف الخدمي والصناعي: سجل مكون التوظيف في مؤشر مديري المشتريات لقطاع الخدمات (المحرك الأكبر للعمالة الأمريكية) ارتفاعاً إلى 51.4 نقطة، وحافظ التوظيف الصناعي على بقائه في منطقة التوسع عند 52.4 نقطة بالتزامن مع قفزة الإنتاج الصناعي إلى أعلى مستوياته في خمس سنوات.
غياب عمليات التسريح: تراجعت مطالبات إعانات البطالة الأسبوعية إلى 194 ألف مطالبة (أدنى مستوى منذ يوليو)، بالتوازي مع ارتفاع فرص العمل الشاغرة إلى أكثر من 7.5 مليون فرصة، ما يعكس تمسك الشركات بالعمالة.

حساسية الأجور والأسعار: مع استقرار مؤشرات الأسعار المدفوعة في قطاعي الخدمات والصناعة فوق مستويات الـ 73 نقطة، ستكون قراءة متوسط الأجور (المتوقع نموها بـ 0.3% شهرياً) هي الرقم الأكثر حساسية لدى الفدرالي لقياس مدى انتقال ضغوط الأسعار إلى الرواتب.

زاوية الرؤية: هل نحن أمام قوة هيكلية أم خدعة موسمية؟

القراءة المتعمقة لما وراء الأرقام تفرض التفرقة بين "التوظيف الهيكلي الدائم" و"التعيينات الموسمية المؤقتة". شهر أكتوبر هو تاريخياً نقطة انطلاق موسم التسوق والعطلات للربع الأخير من العام، حيث تتوسع شركات التجارة الإلكترونية والتجزئة والشحن في تعيين العمالة المؤقتة.

وتكشف تفاصيل بيانات القطاع الخاص أن قاطرة التوظيف الحالية تتركز بالفعل في قطاع التجارة والنقل والمرافق (الذي استحوذ وحده على 39 ألف وظيفة، أي قرابة نصف الإجمالي) وقطاع الضيافة والترفيه (19 ألف وظيفة)، إلى جانب الرعاية الصحية، في حين انكمشت وظائف الخدمات المهنية والإدارية عالية الأجر بنحو 27 ألف وظيفة.

وعلى الرغم من أن مكتب إحصاءات العمل يطبق نماذج التعديل الموسمي لخصم هذه الزيادة المعتادة، فإن التوظيف المبكر من قِبل شركات التجزئة قد يمنح الرقم الرئيسي للوظائف دفعة ظاهرية. لذلك، فإن تقييم المؤسسات المالية الكبرى لتقرير الغد لن يتوقف عند الرقم الإجمالي، بل سيركز على "جودة الوظائف المضافة" من خلال مراقبة نسبة عقود الدوام الكامل مقابل الدوام الجزئي، ومتوسط ساعات العمل الأسبوعية؛ لأن أي تراجع في ساعات العمل أو هيمنة للعمالة الموسمية سيعني أن سوق العمل أضعف مما يبدو على السطح.

إلى أين تتجه السيولة الكبرى؟

أمام هذه المعطيات، تقف الأسواق العالمية أمام مسارين استراتيجيين سيعيدان توجيه بوصلة الأموال الذكية خلال الفترة المتبقية من العام:

المسار الأول: تأكيد المتانة الهيكلية وعودة تسعير التشديد النقدي إذا تجاوزت الوظائف حاجز الـ 80 ألفاً بدعم من وظائف الدوام الكامل وتسارع في نمو الأجور، فستعتبر الأسواق أن كبوة سبتمبر كانت عارضة وأن الاقتصاد لا يزال ساخناً. هذا المشهد سيعيد إحياء رهانات رفع الفائدة في ديسمبر، ليمنح الدولار الأميركي وعوائد السندات دفعة قوية لاستعادة زخمها الصاعد، بينما سيتعرض الذهب لضغوط بيعية تدفعه للتراجع واختبار مناطق التمركز السعري الأدنى دون مستويات الـ 3,850 دولاراً للأوقية، بالتوازي مع عودة الضغوط على العملات الأوروبية.

المسار الثاني: انكشاف الهشاشة الموسمية وانطلاق موجة التعافي الكبرى في المقابل، إذا جاءت الأرقام دون التوقعات، أو أدركت صناديق الاستثمار أن النمو مقتصر على العمالة الموسمية المؤقتة مع تباطؤ في نمو الأجور وساعات العمل، ستترجم الأسواق ذلك كإشارة حاسمة تُنهي دورة التشديد النقدي للفيدرالي وتكمل موجة تراجع الدولار التي بدأتها نتائج الانتخابات وانخفاض أسعار الطاقة.

في هذه الحالة، سيكون الذهب هو المستفيد الاستراتيجي الأول؛ إذ سيتحرر المعدن النفيس من عبء العوائد الحقيقية المرتفعة ليبني قاعدة انطلاق جديدة تتجاوز نطاقاته الحالية وتفتح الطريق أمام السيولة المؤسسية للعودة تدريجياً واستهداف مناطق تتخطى حاجز الـ 4,300 دولار للأوقية على المدى المتوسط، مدعوماً بتحول السياسة النقدية العالمية من مرحلة التشديد إلى مرحلة تثبيت الفائدة وحماية النمو.


المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها، ولمزيد من المقالات يمكنكم زيارة صفحة "مقالات الرأي"

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة