كردستان العراق أمام شبح الانقسام.. من يدفع فاتورة الحكومتين؟

نشر
آخر تحديث
مبنى البرلمان في إقليم كردستان العراق ذي الحكم الذاتي - AFP

استمع للمقال
Play

بعد تسع سنوات على استفتاء أراد به الانفصال عن العراق، يواجه إقليم كردستان احتمال انقسام سلطته من الداخل إلى حكومتين متنافستين، وهما واحدة في أربيل، تستند إلى نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود بارزاني في أربيل ودهوك، وأخرى محتملة في السليمانية، معقل الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة بافل طالباني.

وقد اقترب هذا السيناريو من المواجهة السياسية المفتوحة بعدما أعلن طالباني انسحاب حزبه من حكومة الإقليم، مهدداً بتشكيل سلطة موازية، في تصعيد يعيد استحضار تجربة الإدارتين التي انتهت بتوحيد الحكومة عام 2006، وفق البيان الرسمي للاتحاد الوطني الكردستاني.

ورغم أن التقسيم لم يتحول إلى واقع دستوري، فإن احتماله يطرح سؤالاً يتجاوز حدود الإقليم، وهو ماذا يخسر اقتصاد العراق إذا تنازعت أربيل والسليمانية إدارة الموارد والالتزامات؟ فمن عقود النفط وتدفقات الغاز المغذية لمحطات الكهرباء، إلى تحصيل الإيرادات وصرف الرواتب، قد يحوّل انقسام القرار السياسي المصالح الاقتصادية المتشابكة إلى ساحات نزاع، ويزيد الغموض أمام المستثمرين والضغط على المالية العامة.

وهنا تصبح كلفة الحكومتين المحتملتين مرتبطة بقدرتهما على إبقاء الأموال والطاقة والتجارة متدفقة، لا بمجرد تقاسم المناصب ومناطق النفوذ.

انقسام سبق حلم الاستقلال

شهد الإقليم حرباً داخلية بين 1994 و1998، ثم استمرت إدارتان منفصلتان في أربيل والسليمانية قبل توحيد الحكومة عام 2006.

وفي 25 سبتمبر/ أيلول 2017 أُجري استفتاء الاستقلال عن العراق، لكن المحكمة الاتحادية قضت بعدم دستوريته. لذلك فإن أزمة اليوم تستدعي تاريخ الإدارتين أكثر مما تمثل استمراراً مباشراً لمشروع الاستقلال.

هل يحكم العراق ثلاث حكومات؟

حتى الآن لا يوجد قانون أو دستور يقول إن العراق سيحكمه 3 حكومات، حيث توجد حكومة اتحادية وحكومة لإقليم معترف به ضمن الدولة العراقية، إلى جانب حكومات محلية للمحافظات.

وتعترف المادة 117 في الدستور العراقي بكردستان وسلطاته القائمة، وتحدد المادة 121 صلاحيات الأقاليم؛ أما المادة 119 فتنظم تكوين الأقاليم بطلب واستفتاء، ولا تجعل إعلان حزب كافياً لإنشاء إقليم جديد.

وإذا نُفذ التهديد، فقد تظهر ثلاثة مراكز تنفيذية رئيسية، وهي بغداد وأربيل والسليمانية، لكن «حكومة ثالثة» ستكون وصفاً لسلطة أمر واقع متنازع عليها، لا دليلاً على قيام ثلاثة كيانات متساوية دستورياً.

وحتى 6 نوفمبر/ تشرين الثاني، تثبت البيانات التي جرت مراجعتها الانسحاب والتهديد بالتعيينات الموازية، لا اكتمال هذا التحول، بحسب رسالة طالباني الرسمية في 5 نوفمبر/ تشرين الثاني.



النفط والكهرباء ينقلان الكلفة إلى بغداد

يهدد الانقسام، إن تحول إلى نزاع على التحصيل والتعاقد، انتظام الإيرادات في اقتصاد شكّل النفط نحو 88% من إيراداته الحكومية و91% من صادراته السلعية في 2025، وفق تقديرات البنك الدولي.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه نسب تخص العراق بأكمله؛ فلا تعني أن تعطل الإقليم يوقف القطاع النفطي العراقي بأكمله.

وتوضح آلية النفط المتفق عليها في أغسطس/ آب 2025 حجم الترابط الذي يظهر في تخصيص 50 ألف برميل يومياً للاستهلاك داخل الإقليم، وتسليم الباقي إلى «سومو» للتصدير، بحسب بيانات وزارة الثروات الطبيعية في حكومة الإقليم، وبناءً عليه فإن تعدد الجهات المطالبة بالعائدات أو بحق توقيع العقود قد يعقد التنفيذ والتحويلات، لكنه لا يؤدي تلقائياً إلى توقف الصادرات.

ولقياس الحساسية فقط، فإن تعطل تصدير 100 ألف برميل يومياً، بسعر افتراضي 70 دولاراً، يعني فقدان مبيعات إجمالية بقيمة 210 ملايين دولار خلال 30 يوماً، أو 2.56 مليار دولار سنوياً إذا استمر.

وللتوضيح فإن الحساب لا يمثل خسارة واقعة أو صافي إيراد الخزانة، ويستبعد التكاليف وأي تعويض للصادرات.

والغاز أكثر تعبيراً عن تشابك المصالح، فقد أعلنت حكومة الإقليم في أغسطس/ آب 2026 اعتراضها على بدء توريد غاز كورمور لوزارة الكهرباء الاتحادية دون موافقتها، معتبرة الخطوة مخالفة تعاقدية. وفي يوليو أعلنت وزارة كهرباء الإقليم أن خفضاً احترازياً لإمدادات الحقل سيخفض التوليد 2500 ميغاواط؛ وهذا يوضح حساسية الشبكة، ولا يعني أن الانقسام تسبب بالفعل في انقطاع الكهرباء.

الموظفون والشركات في مرمى الخسائر

أما الموظفون والشركات، فقد يواجهون تأخر المدفوعات وتضارب إجراءات الضرائب والتراخيص إذا ازدوجت الإدارة المالية، ويمكن أن ينتقل ضعف الإنفاق إلى التجارة والاستثمار.

وفي المقابل، يشكل استكمال توطين الرواتب والتنسيق مع المالية الاتحادية أداة محتملة لحماية دخل الموظفين من النزاع، وفق المسار الذي دعت إليه المحكمة.

أربعة مسارات.. والتقسيم ليس حتمياً

ويرى خبراء السياسة والاقتصاد أن ثمة 4 مسارات أمام تقسيم إقليم كردستان، فالمسار الأول وهو تسوية تعيد الشراكة، مستفيدة من دعوة الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى مشاركة بقية الأطراف، أما المسار الثاني فهو تشكيل حكومة بأغلبية برلمانية مع بقاء الاتحاد الوطني الكردستاني خارجها؛ وهو خيار يظل معرضاً لنزاع الشرعية والقدرة على تنفيذ القرارات في مناطق نفوذه.

ويتجسد المسار الثالث في استمرار إقليم موحد رسمياً مع اتساع الانفصال الإداري والمالي عملياً، والرابع تنفيذ التهديد بحكومة موازية، بما يفتح نزاعاً على الموارد والتمثيل. وبحسب الخبراء لا يزال تقسيم الإقليم قانونياً ليس نتيجة تلقائية لأي منهما.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة