لعبة المال والاقتصاد والسياسة في استفتاء بريطانيا

طباعة

مع إقتراب ساعة الصفر على موعد الاستفتاء حول عضوية بريطانيا في الاتحاد الاوروبي، تشهد البلاد انقساما على الصعيد الجغرافي ايضا اذ تؤيد غالبية المدن الكبرى في اسكتلندا البقاء في أوروبا بينما تفضل الحملة الانكليزية الخروج منه، واختصر الرئيس السابق لمعهد "يوغوف" لاستطلاعات الرأي  بيتر كيلنر الموقف بالقول انه "الريف الانكليزي" ضد لندن واسكتلندا وايرلندا الشمالية. وقبل تفصيل التوزع الجغرافي للناخبين البريطانيين ومن سيصوت مع البقاء ومن سيصوت ضده، نتوقف عند ما تقوله لغة الأرقام التي تعتبر بحسب تحليلات الخبراء والاعلاميين الحرب الاكثر ضراوة اذ يختار كل جانب البيانات التي تناسبه حتى لو اضطر الى تحريف الوقائع. فالمال يشكل عصب العديد من الحروب، والاستفتاء المقرر الخميس حول عضوية بريطانيا في الاتحاد الاوروبي ليس استثناء في معركة بين معسكري البقاء Remain والخروج Leave.

موازنة الاتحاد الاوروبي يقول انصار الخروج من الاتحاد الاوروبي ان المساهمة البريطانية في موازنة الاتحاد الاوروبي تبلغ 350 مليون جنيه استرليني اسبوعيا اي 454 مليون يورو، الا ان هذا الرقم يتجاهل الحسم الشهير الذي حصلت عليه رئيسة وزراء بريطانيا انذاك مارغريت تاتشر العام 1984 ويختصر بعبارة "اريد استعادة نقودي". وعليه فان بريطانيا تدفع اسبوعيا 280 مليون جنيه الى الاتحاد الاوروبي، بحسب ايان بيغ الباحث لدى كلية لندن للاقتصاد ومعد دراسة بعنوان "كم تدفع بريطانيا للاتحاد الاوروبي؟". في عام 2015 دفعت لندن 12.9 مليارات جنيه مساهمة في موازنة الاتحاد الاوروبي بدلا من 17.8 مليار مقررة دون الحسم بحسب تقديرات البرلمان البريطاني. وفي المقابل حصلت بريطانيا على نحو 6 مليارات جنيه من الاعانات المخصصة للزراعة والابحاث العلمية، ويشدد مؤيدو البقاء على انه مبلغ لا يستهان به بينما يرى معسكر الخروج ان الحكومة البريطانية ستنفق هذه الاموال بشكل افضل. وبالقياس الى المساهمة الصافية اي الفارق بين المساهمة في الموازنة الاوروبية والاعانات التي تتلقاها بريطانيا بالمقارنة مع حجم اقتصادها فانها ليست الخاسر الاكبر وتحل في المرتبة التاسعة للدول بحسب ارقام المفوضية الاوروبية للعام 2014 بينها هولندا والمانيا وفرنسا.     الهجرة القادمة من الاتحاد الاوروبي     تعتبر هذه المسالة من القضايا الاساسية التي يحركها مؤيدو الخروج مع تزايد اعداد المهاجرين باكثر من الضعف بين 2004 و2015 ليبلغ ثلاثة ملايين شخص بحسب مرصد الهجرة. وهذه الزيادة مرتبطة بانضمام بولندا ورومانيا والمجر الى الاتحاد الاوروبي وايضا بوصول اعداد كبير من الايطاليين والاسبان بسبب الازمة الاقتصادية في هذين البلدين التابعين لمنطقة اليورو منذ اواخر سنوات العقد الاول من الالفية. واعتبر وزير العدل مايكل غوف المؤيد لخروج البلاد انه اذا بقيت بريطانيا في اوروبا فانها ستشهد وصول اكثر من خمسة ملايين مهاجر في السنوات الخمس عشرة المقبلة ما سيشكل عبئا لا يحتمل على قطاعي الصحة والتعليم، الا ان هذه التوقعات تفترض انضمام تركيا والبانيا وصربيا ومونتينيغرو الى الاتحاد الاوروبي بحلول 2020 بينما استبعد رئيس الوزراء ديفيد كاميرون ان تنضم تركيا قبل عقود.     التجارة   الاتحاد الاوروبي ليس الشريك التجاري الاول لبريطانيا وشكل 44% من صادراتها للعام 2015 و5% من وارداتها بحسب ارقام الحكومة.     الوظائف     تقول الحكومة البريطانية ان ثلاثة ملايين وظيفة مرتبطة بالتجارة مع الاتحاد الاوروبي بشكل مباشر او غير مباشر. ويحتسب هذا الرقام بناء على القيم المضافة الى اجمالي الناتج الداخلي من خلال انتاج سلع وخدمات يتم تصديرها الى الاتحاد الاوروبي. الا ان البرلمان يلفت الى ان "هذا التقدير مرتبط بالتجارة مع الدول الاخرى، لذلك ليس الامر نفسه عندما نقول ان اكثر من ثلاثة ملايين وظيفة مرتبطة بالعضوية في الاتحاد الاوروبي".     من يريد البقاء؟     كيف تبدو الخارطة بحسب استطلاعات الرأي؟ لندن، العاصمة البريطانية التي يبلغ عدد سكانها 8.6 ملايين نسمة تعتبر بحسب كل الاستطلاعات مؤيدة لبقاء البلاد في اوروبا بنسب تقارب ال60%. وبفضل حي الاعمال "ذي سيتي" الذي يؤيد بغالبيته الاتحاد الاوروبي، تملك بريطانيا احد اكبر المراكز المالية في العالم كما انها مدينة متنوعة ولد 37% من سكانها في الخارج. واوضح البروفسور رون جونستون المتخصص في جغرافيا الانتخابات "الاماكن الاكثر تأييدا للاتحاد الاوروبي في بريطانيا هي الاكثر تنوعا والتي سكانها معتادون على التبادل مع أوروبا وهم أفضل تعليما واكثر تقبلا للعولمة بشكل عام". وما ينطبق على لندن ينطبق ايضا بشكل أقل على المدن الانكليزية الكبرى الاخرى. وقال معهد "يوغوف" في دراسة ان "المدن الجامعية ذات السكان الشباب مثل ليفربول ومانشستر ويورك وبريستول تعتبر من الاكثر تاييدا لاوروبا". اسكتلندا: تعتبر اسكتلندا الاكثر تاييدا لاوروبا بالمقارنة مع المقاطعات الاربع التي تشكل المملكة المتحدة. واظهر استطلاع اجراه معهد "ايبوس موري" مؤخرا ان 64% يؤيديون البقاء في مقابل 36% يفضلون الخروج. واشار جونستون الى ان "اسكتلندا تقيم منذ زمن علاقات وثيقة مع اوروبا خصوصا فرنسا"، مضيفا ان "أدنبرة وليس لندن كانت في صلب قرن التنوير البريطاني. وجامعات أدنبرة وسانت اندروز وغلاسكو اقدم من غالبية الجامعات البريطانية وبالتالي فهي اكثر تنوعا". ويستند الحزب الوطني الاسكتلندي "اس ان بي" الى هذا التيار المؤيد لاوروبا في حججه للمطالبة باستقلال البلاد، حيث يعتبر جونستون أن تاييد أوروبا فرصة للبعض "من اجل التخلص من الانكليز". ايرلندا الشمالية: أما ايرلندا الشمالية فمؤيدة ايضا بغالبيتها لاوروبا. واكد تشارلز باتي استاذ الجغرافيا في جامعة شيفيلد أن "وضع ويلز مثير للاهتمام فهو ليس اكثر تاييدا للخروج من انكلترا لكن بالتاكيد اكثر ميلا لهذا الخيار من اسكتلندا وايرلندا الشمالية".     من يريد الخروج؟     الريف الانكليزي: يشكل الريف الانكليزي او "الحزام الاخضر" بمساحاته الخضراء التي تطوق المدن الكبرى المعقل الاساسي لمؤيدي خروج البلاد. في هذه المناطق يعيش السكان الذين يشعرون بانهم اكثر عرضة للتهديد من الهجرة لانهم سيفقدون من اراضيهم بالاضافة الى ما سيترتب على قدومهم من اعباء على الخدمات العامة. وحذر كريس غيرلينغ رئيس مجلس العموم الذي يعتبر من كبار مؤيدي الخروج من ان "الهجرة باعداد كبيرة سترغمنا على البناء في قسم كبير من "الحزام الاخضر" لتلبية الطلب على المساكن". واشار باتي الى أنّ "هناك تاييد اكبر للخروج في قلب انكلترا خصوصا المناطق الوسطى حول المدن الصناعية القديمة في الشمال والسواحل الجنوبية والشرقية للبلاد". أما المنتجعات أو المدن الساحلية تعتبر مؤيدة لاوروبا وتشكل المكان المفضل الذي يشن فيه حزب يوكيب الشعبوي المشكك في اوروبا حملاته. ويقع معقل النائب الوحيد للحزب دوغلاس كارسويل في كلاكتون على الساحل الشرقي. ويقول جونستون ان المنتجعات التي كان يقصدها المصطافون حتى خمسينات القرن الماضي "تدهورت بشكل كبير باستثناء بريستول" مع انتشار الرحلات الى دول مشمسة باسعار مقبولة، واستبدل التجار والسياح بسكان مسنين غالبا غير مؤهلين والقسم الاكبر منهم من البيض "الذين ارغموا على ترك المدن الكبرى بسبب ايجارات البيوت الباهظة التي لم يعودوا قادرين على تسديدها".