الجنيه الإسترليني .. سقوط حر بعد نتيجة الاستفتاء

طباعة

  في طريق اللاعودة.. ماذا بعد انفصال بريطانيا؟ (2) في الحلقة الثانية من سلسلة "في طريق اللاعودة.. ماذا بعد انفصال بريطانيا؟" نستعرض أسباب التراجع الحاد للجنيه الاسترليني إثر ظهور نتائج إستفتاء بريطانيا، وهل سيتابع مسلسل التراجع ليتساوى مع الدولار كما تقول بعض التحليلات؟   رغم ان الأسواق كانت على علم بأن احتمالات انخفاض سعر صرف الجنيه الإسترليني كبيرة في حال تصويت البريطانيين مع الخروج من الاتحاد الاوروبي، إلا ان تحقق نجاح التصويت للانفصال كان بمثابة الصدمة المدوية في الأسواق العالمية. الصدمة الأولى... انهيار الإسترليني امام الدولار الأمريكي إلى أدني مستوى منذ 31 عام المتابع لعملية فرز الأصوات في وقت متأخر من صباح يوم 24 يونيو شهد كيف كانت الضغوط تتزايد على الجنيه الإسترليني مع استمرار عملية الفرز وتقدم معسكر الانفصال عن معسكر البقاء. المحصلة النهائية هو انخفاض حاد للجنيه الإسترليني ليصل إلى مستويات لم يشهدها منذ عام 1985 مسجلا 1.3224 دولاريوم  الجمعة 24 يونيو، ويمتد نزيف الانهيار إلى يوم الاثنين 27 يونيو ليسجل مستوى تاريخيا جديدا عند 1.3118 دولار، بنسبة تراجع ناهزت 11% على مدار يومين متتالين وبانخفاض قدره 1650 نقطة. هذا التراجع الدراماتيكي صنّفته صحيفة "الفايننشال تايمز" ضمن ضمن أسوأ عشرة انخفاضات (لمدة يومين) شهدها الإسترليني في تاريخه كما يظهر الرسم البياني اليومي التالي:   اما بالنسبة لزوج اليورو امام الجنيه الإسترليني فقد ارتفع إلى أعلى مستوى منذ مارس/اذار 2014 خلال جلستين متتاليتين وخسر الإسترليني من قيمته امام اليورو اقل من 8% ولا ننسى ان منطقة اليورو تمثل الشريك التجاري الأكبر لبريطانيا. هل سيواصل الإسترليني الانخفاض؟ حتى الآن جميع الاحتمالات ممكنة، لاسيما وأن حالة عدم اليقين لا تزال تغلف المشهد ولا يعرف حتى الآن كيف ستتم عملية الطلاق.. طلاق بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.. إذ لا نزال في المراحل المبكرة لعملية الانفصال، ولم تقم بريطانيا بتفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة التي تنص على اخطار الدولة المنسحبة الاتحاد الأوروبي برغبتها في الانفصال من دون ان تحدد مهلة او موعدا معينا للإخطار. ومن ثم لا أحد يعلم على وجه التأكيد وبشكل رسمي حتى كتابة هذا المقال كيف ستكون محددات المرحلة الانتقالية. ورغم الانخفاض الحاد الذي شهده الإسترليني امام الدولار الأمريكي إلا انه لم يحقق سوى نصف المستويات المتوقعة للهبوط من قبل المؤسسات العالمية. 1.25-1.20 مستويات محتملة

وتوقع مصرف HSBC والمعهد الوطني للأبحاث الاقتصادية والاجتماعية NIESR انخفاض الجنيه الإسترليني امام الدولار الأمريكي بنسبة 20% وهو ما يعني احتمال ان يصل الإسترليني إلى مستويات 1.25-1.20 على المدى المتوسط بعد انفصال بريطانيا. فيما كانت توقعات وزارة الخزانة أكثر تفاؤلاً حيث توقعت انهيار الإسترليني في حدود 15% على أسوأ تقدير كتأثير مباشر وآني بعد الانفصال. وطالما لا يزال المشهد ضبابياً بشأن مستقبل بريطانيا، فإن احتمالات هبوط الإسترليني لاتزال قائمة، وحتى لو اتضحت الرؤية بعض الشيء، فإن صدمة الطلاق عن الاتحاد الأوروبي قد تؤدي إلى ضرر هائل للاقتصاد البريطاني وبالتبعية تدهور قيمة الإسترليني. وتتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD ان يتقلص الاقتصاد البريطاني لأكثر من 5% بسبب الانفصال ويتقلص النمو السنوي بنسبة 0.5% حتى عام 2018، بينما ترى وزارة الخزانة البريطانية ان الاقتصاد قد يتقلص 6% بعد عامين من الانفصال! ومن المتوقع أن تصل تبعات انكماش الاقتصاد البريطاني إلى الوظائف لترفع عدد العاطلين عن العمل بمقدار 800 ألف شخص أو 2.4% إلى معدل البطالة (5% ابريل/نيسان 2016 والادنى في عشرة أعوام) على أسوأ تقدير وفقا لوزارة الخزانة البريطانية، الى جانب انكماش متوسط الأجور السنوي 4%. ويتزامن ذلك مع ارتفاع للمستوى العام للأسعار إلى 2.75% (0.3% مايو 2016) خلال عام واحد فقط بعد الانفصال وهنا تنشأ معضلة أخرى مرتبطة بانخفاض قيمة الإسترليني. مسار جوهري لنمو منخفض ومسار بارز لارتفاع التضخم

"مسار جوهري لنمو منخفض، ومسار بارز لارتفاع مستويات التضخم" هكذا وصف بنك إنكلترا المركزي تبعات انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي ضمن محضر اجتماع البنك في شهر مايو/أيار 2016. بالرغم من ان انخفاض قيمة الإسترليني سيكون له تأثير إيجابي على الصادرات البريطانية في ضوء انخفاض أسعار السلع البريطانية في الخارج نظرا لانخفاض قيمة العملة، إلا أن أثر انخفاض قيمة الإسترليني سيظهر بشكل واضح على ارتفاع أسعار الواردات البريطانية، في ظل ارتفاع أسعار السلع والخدمات المستوردة من الخارج ومن ثم ارتفاع مستويات التضخم التي من شأنها ان تقلص من القوة الشرائية للبريطانيين. وفي معرض رده لى على أسئلة مراسلة من لجنة الخزانة في مجلس العموم البريطاني ذكر محافظ بنك إنكلترا المركزي "أن انخفاض قيمة الإسترليني يدعم الصادرات البريطانية، وربما يشجع الأسر والشركات ان تستغني عن السلع والخدمات المستوردة وتستبدلها بالمنتجة محليا، ومع ذلك فإن ارتفاع أسعار الواردات يؤدي بالتبعية إلى انخفاض الدخل الحقيقي للمستهلكين ويقلل من مستويات الطلب على المنتجات المحلية او المستوردة على حد سواء". معضلة بنك إنكلترا المركزي مع استمرار تدهور الإسترليني اين تكمن المعضلة امام بنك إنكلترا المركزي مع استمرار تدهور سعر صرف الإسترليني؟ وفقا لنموذج توقع مستويات التضخم وعلاقتها بمستوى سعر صرف الإسترليني لدى بنك إنكلترا المركزي، فإن استمرار ارتفاع او انخفاض بمقدار 10% لسعر الصرف الفعلي (ERI) للجنيه الإسترليني، يؤدي إلى ارتفاع او انخفاض معدل التضخم السنوي بمقدار 0.75% بعد سنتين إلى ثلاث سنوات من نقطة الأساس، بينما قد يؤثر على أسعار المستهلكين بمقدار 2.75% بعد أربع سنوات. وللعلم فإن البنك يضع مستهدف التضخم كمستهدف لاستقرار الأسعار عند 2% كحد أدني و3% كحد اعلى، لذلك فإن ارتفاع التضخم في الظروف العادية يعني قيام البنك المركزي برفع الفائدة للسيطرة على ارتفاع مستويات الأسعار. لكن في حالة انفصال بريطانيا، ومع وجود ضعف اقتصادي حاد وانخفاض لإنفاق المستهلكين، من شأنه ان يقوض مناورات البنك المركزي لدعم النمو او حتى السيطرة على ارتفاع الأسعار، لاسيما في ظل البدائل القليلة المتاحة في الوقت الراهن.. فهل سيتمكن بنك إنكلترا من النجاة بالاقتصاد البريطاني بعد إتمام عملية الطلاق الاوروبي؟   بقلم: محمد جلال محلل الاسواق العالمية في CNBC Arabia @mgalalmgalal   (المقال القادم: تأثير انفصال بريطانيا على سوق الأسهم البريطاني)