الحاجة لإنعاش النظام المصرفي الأمريكي

طباعة

وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرا تنفيذيا لإعادة النظر في قانون الأنظمة المالية الصادر عام 2010 والمعروف باسم دود-فرانك، والذي يعتبره البعض في وول ستريت شديد التقييد للسوق وذلك بغية  تقليص الضوابط التنظيمية للخدمات المالية في الولايات المتحدة.

والقانون قدمه الرئيس أوباما عام 2010 كرد فعل معاكس للانهيارات المصرفية والمالية التي حدثت في العام 2008 في أمريكا وسمي باسم " قانون دود - فرانك" اقتباسا لأسم الشخصين الذين عملا على هذا القانون. والغرض من إصدار هذا التشريع الهام كما تقول أحدى الدراسات كان يتمثل في عدة نقاط من أهمها وضع معايير جديدة للشفافية و الإفصاح ومبدأ تحمل المسئولية في الشركات، خاصة المسجلة بالبورصات و البنوك و شركات التأمين، بغرض الحد من المخاطر الكبيرة التي تعصف بها و من ثم بالنظام المالي الأمريكي مع العمل علي السيطرة علي هذه المخاطر.

و القانون يوجه هذه المؤسسات المالية الكبيرة لتحمل مسئولياتها بدلا من ترقب إنقاذ الحكومة، كما يجري الحال، مع توفير أسس المراقبة التنظيمية التي تضمن حماية المستهلك من الممارسات المالية و المصرفية و التأمينية الخاطئة. و مسعى القانون أن تعتمد الشركات علي نفسها عند الضيق و عدم ضخ أموال من أموال دافعي الضرائب أي عدم تقديم الدعم الحكومي و إلزام الشركات لتحمل نتائج أعمالها.

وعند صدور القانون آنذاك اعتبر القانون أنه يمثل سعي جاد من الحكومة الأمريكية للوصول إلي طريق الاستقرار المالي و استقلاليته خاصة و أن القانون تضمن تكوين مجلس أعلي، برئاسة وزير الخزانة، من العديد من الوكالات الفدرالية، مع وجود بعض الأعضاء المستقلين من مراقبي البنوك والبورصات و التأمين دون أن يكون لهم حق التصويت. والجهات المكونة للمجلس ذات اختصاص مباشر يمكنها من توجيه الأمور نحو ما يقود إلي الاستقرار المالي و تجنب المخاطر المحتملة. كما أعطى القانون اللجنة العليا الصلاحيات التي تمكنها من القيام بدورها، و كل هذا لمحاولة تجاوز إخفاق مجلس الاحتياطي الأمريكي في مقابلة المخاطر أو التنبوء الصحيح بحدوثها و الفشل في فهمها.

كما أعتبر عند قيام الأزمة العالمية عام 2008 إن وجود الشركات الكبيرة كان من المشاكل التي أدت للانهيارات، لأن هذه الشركات وصلت إلي قناعة بأنها "أكبر من الفشل" و فوق الجميع، و لذا فان القانون الجديد أتي بنظرة مختلفة تتضمن أحكاما للحد من سلطات الشركات المالية الكبيرة خاصة وأن هذه السلطات ساعدت أو قد تساعد في حدوث الخلل الذي قد يقود بدوره إلي الانهيارات. و يركز القانون علي تحقيق أعلي درجات حوكمة الشركات و الإدارة الرشيدة الفعالة و من ضمنها وضع أسس جديدة لتحديد رواتب و مزايا و منح أعضاء مجالس الإدارة والإدارات التنفيذية العليا في الشركات.

و من الأحكام الهامة التي استحدثها قانون دود - فرانك توفير عدة طرق متطورة لتقديم التحذير و الإنذار المبكر و التنبيهات المسبقة عن الخلل و كيفية تداركه وفق المعايير التي يضعها المجلس الأعلى، و الذي بدوره يقوم برفع تقارير سنوية و دورية للكونغرس لتوفير المزيد من الرقابة (التنفيذية و التشريعية) علي هذه القطاعات الهامة و بما يضمن تطوير الارتقاء بالأداء لحماية المستثمرين و المستهلكين و قبل كل هذا الخزينة العامة و دافع الضرائب المسكين و المغلوب علي أمره. كما نصل القانون على تشكيل هيئة حماية المستهلكين ويفرض على المصارف الاحتفاظ بنسبة أعلى من رؤوس الأموال لتفادي المديونية المفرطة والخضوع سنويا لاختبارات الملاءة لتقييم صلابتها في حال حصول أزمة.

ونحن بطبيعة الحال ننظر إلى قرار الرئيس الأمريكي بإعادة النظر في القانون في إطار خطته التي أعلن عنها لتحفيز الاقتصاد الأمريكي والتي تتمحور حول ثلاثة منطلقات أساسية، هي  الخفض الضريبي الذي يستهدف استقطاب حوالي تريليوني دولار أمريكي من الاستثمارات الأمريكية التي ذهبت للخارج لتفادي سقف الضريبة العالي في بلادها بمنحها خفضاً مقداره 10% لمرة واحدة على أمل مساهمة هذه الأموال العائدة في زيادة التوظيفات الاستثمارية وخلق فرص عمل للأمريكيين، إضافة إلى خفض السقف الضريبي العام من 39.6% إلى 33%؛ وحزمة إجراءات تحريرية لحركة رأس المال من الضوابط بما فيها تلك التي أنشأتها المؤسسة الحاكمة، الرئاسية والتشريعية، للتعامل مع الأزمة المالية‏ الاقتصادية لعام 2008، وحزمة التحفيز المالي.

وتهدف الخطة أيضا إلى استعادة آليات السوق، وهي لذلك ستقوم بإزالة الضوابط التي اضطرت إدارة أوباما لوضعها، خصوصاً على القطاعين المالي والمصرفي في أعقاب الأزمة المالية لعام 2008، فيما يتعلق بحدود الاتجار في العقارات الممولة بقروض متناسخة تحت مسمى المشتقات، وانفلات أعمال تمويل الاستهلاك ببطاقات الائتمان المصرفية. علماً بأن ما يسمى بالديون العقارية المسمومة هي التي أطلقت شرارة تلك الأزمة.

نحن نفترض هنا أن القانون وبعد نحو ست سنوات من تطبيقه استطاع أن يؤدي وظائفه المطلوبة وفرض توجهات وضوابط معينة استطاع النظام المالي والمصرفي الأمريكي تجاوز العديد  من الصعوبات التي كان يواجهها. ولكننا لا نجزم أنه استطاع تجاوز كل الصعوبات. ولعل التوجه لإعادة النظر في القانون المذكور، تماشيا مع تعافي الاقتصاد الأمريكي والعودة لرفع سعر الفائدة، هو بهدف  تمكينه من التغلب على صعوبات أخرى يواجهها وخاصة الأصول السامة من جهة وتعزيز دوره في التعافي الاقتصادي من جهة أخرى.

 

بقلم: عدنان أحمد يوسف

رئيس اتحاد المصارف العربية سابقا