الذهب الشفاف

طباعة

منذ وقت طويل فرضت بعض العوائل والدول بصورة مباشرة أو خفية سيطرتها على الذهب الصافي، أو ما يسمى بالذهب الأصفر، وكذلك النفط، الذي يطلق عليه الذهب الأسود. واليوم نحن أمام صراع جديد للسيطرة على ذهب جديد لا يقل عن الذهبين الأصفر والأسود، والذي يتمثل في التكنولوجيا، ويمكن أن نطلق عليها "الذهب الشفاف". 

 فالتكنولوجيا أصبحت عصب الحياة والتي من دونها لا يمكن أن نتخيل وجوداً للحياة بعد أن دخلت في كثير من تفاصيل حياتنا اليومية، والسباق على السيطرة التكنولوجية لم ينحصر على تطوير التكنولوجيا، ولكن دخلت في إطار السيطرة والصراعات الحامية، والتي أطرافها دول وشركات كبرى، وذلك للاستحواذ على ما يحققه الذهب الشفاف من مزايا مالية، بالإضافة إلى أسر تقني لأكبر عدد من مستخدمي وسائل الاتصالات وتوظيف ذلك لخدمة أهدافه الاقتصادية والسياسية وغيرها من الأهداف. 

 كما أن الذهب الشفاف يشغل حيزاً كبيراً من حسابات صراعات الدول في الوقت الحاضر، كالتي نشاهدها بين الولايات المتحدة الأميركية والصين وانحياز كل دولة لتقنياتها الإلكترونية، فبصرف النظر عن أسباب اعتقال السيدة "منغ وانزهو" ابنة مؤسس عملاق التكنولوجيا الصينية "هواوي" ورئيسها التنفيذي من قِبَل السلطات الكندية لصالح الحكومة الأميركية، فإن دور الصراع على السيطرة على الذهب الشفاف لا يمكن استبعاده من هذه الحسابات. 

فإذا كانت معظم الدول التي تتعامل مع التقنيات الحديثة تحاول جاهدة وضع دفاعات وتحصينات لعدم اختراقها، فإن هناك من الدول وبالتعاون مع كبريات شركات الذهب الشفاف تعمل على اختراق هذه التحصينات في المستقبل للسيطرة على الاقتصاد العالمي. 

وما نشهده من صراع بارد حول الذهب الشفاف هو تمهيد للسلاح الاستراتيجي التي تريد الدول أن تملكه للاستعداد للصراعات الساخنة، والتي ستتمثل في حروب إلكترونية بإمتياز، ستقضي على الحروب التقليدية التي نشهدها حالياً، فمجرد اختراق منظومة وزارة أو هيئة أو مؤسسة كفيلٌ بشل حركة أي دولة وزرع الفوضى فيها ومساومة الآخرين وإجبارهم على الرضوخ لمن يسيطر على الذهب الشفاف. 

فالذهب الشفاف استطاع اختراق الجدران دون أن يُرى، ويتفاعل مع أي شخص من خلال الأزرار،حتى أدت استخداماته لسقوط حكومات ورفع أسهم شركات، وبث الإشاعات الكفيلة بتغيير الموازين الاقتصادية والسياسية وغيرها، وإذا كان البعض تضرر من تطور الذهب الشفاف ويضعه تحت خانة الخسائر، فإن البعض الآخر شكل له تطور الذهب الشفاف ثروة سواءً على مستوى الحكومات أو الشركات أو حتى الأفراد، فها هو بيل غيتس منذ سنوات وهو في قائمة أثرياء العالم وكثيراً ما تربع على عرش هذه القائمة، كما أن مالكي بعض منصات التواصل الاجتماعي وتقنية المعلومات تمكنوا من أن يكونوا من الأثرياء في وقت قصير بفضل الذهب الشفاف. 

 

 

المحلل الاقتصادي/ حسن جمعه الرئيسي