هل يمثل فيروس كورونا تحدّي للرأسمالية ؟

طباعة

بقلم: نادر حدّاد
محلل مالي 

كلنا نتذكر الأزمات المالية التي مرّ بها العالم إما أن نكون عشنا هذه الأزمات و كان لها تأثيرا مباشرا على حياتنا أو سمعنا ذلك في شاشات التلفاز و القنوات الإخبارية . فأزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 2008 و ما تسمى بال subrime crisis كان لها تأثيرات مباشرة و غير مباشرة على حياتنا اليومية و طريقة تفكيرنا بعد انهيار بنك Lehman and Brothers . هذه الأزمة خلفت العديد من الأضرار الاقتصادية في البلدان المتقدمة كالبطالة و تراجع القدرة الشرائية و مزيد الفقر والبطالة في الدول الأكثر فقرا مما دفع عدد كبير من هذه البلدان الى الهجرة فأسهمت هذه الظروف بطريقة أو بأخرى بإنتشار المد اليميني المتطرف و ارساء سياسات اقتصادية حمائية .

1) أزمة الكورونا ( المالية )

ما نلاحظه اليوم في أزمة الكورونا التي ألقت بثقلها في السوق المالية أن واقع الانسان بجميع اختلافاته و خلافاته أثّر مباشرة في الأسواق المالية و حرك سعر الذهب ، و ووضع قادة الدول في وضعية جدّ حرجة رغم اتخاذ اجراءات اقتصادية عاجلة مثل الخفض من سعر الفائدة في الولايات المتحدة و دول الخليج العربي و الدول الآسيوية كما رصدت هذه الدول حزمة انقاذ تتمثل في كتل نقدية ضخمة لانعاش الاقتصاد العالمي ، لكن رغم كل هذه الاجراءات كانت ردّة فعل السوق عكسية و سجلت المؤشرات الأوروبية و الآسيوية و الأمريكية أكبر الخسائر و تزعزع استقرار السندات السيادية و نزول سعر الذهب الذي يعتبر الملاذ الآمن وقت الأزمات ، فكانت عمليات البيع للملذات الآمنة هو بحث السوق عن السيولة لتغطية عجر الرهون استجابة لما يسمى margin calls .

2) انقلاب منحى العائد على السندات و تحدي أزمة فيروس كورونا للرأسمالية

سنة 2019 تراجع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً إلى أدنى مستوى على الإطلاق خلال تعاملات شهر ، شهد منحنى العوائد انقلاباً خطيراً حين انعكس منحنى العائد بين السندات إلى مستوى قياسي منخفض دون 2% في حين انخفضت عوائد السندات القياسية لأجل عشرة أعوام إلى أدنى مستوى في ثلاث سنوات.

فالمعروف عن منحنى العائد بأنه خط يحدد الفائدة على السندات تصطحب فيها جدارة ائتمانية متوازنة، لكنها مختلفة في الاستحقاق من سنتين ، عشرة سنوات و ثلاثين سنة ، بمعنى فارق الفائدة بين السندات لأجل عامين ولأجل عشر سنوات، ويجري الاحتفاظ بالسند لفترات أطول في مواجهة مخاطر التضخم أو عدم اليقين باعتباره ملاذا آمنا و قيمة ثابتة وقت الأزمات .

ويتخذ منحنى العائد عادة اتجاهاً صعودياً، ولكن عندما ينقلب بأن يكون العائد على السندات الأقصر أجلاً أعلى من العائد على الأطول أجلاً، يشكل اشارة واضحة بوقوع أزمة مالية.

من بين الأسباب أن العائد على السندات القصيرة الأجل يرتفع لأن السياسة النقدية تتسبب أحيانا في تباطىء نمو الاقتصاد أو لوجود مخاوف لدى المستثمرين بشأن مستقبل النمو أو لاندفاع المستثمرين نحو السندات الطويلة الأجل مما يدفع العائد عليها نحو الانخفاض.

كان جميع المحللين و مدراء المحافظ في السوق مدركين بأن شيئا ما سيحصل في الأسواق الى يوم انتشار فيروس كورونا في العالم و بدء ناقوس الخطر تدق أجراسه منظمة الصحة العالمية ، فتسارعت الدول في خفض الرحلات ثم ايقافها نهائيا مما أعطى اشارة للأسواق أن تعطيل الحركة الاقتصادية أمر أصبح واقعا وهذا سيخفض الطلب على المنتوجات بجميع انواعها .

فسجلت البورصات العالمية خسائر غير مسبوقة و تراجع مؤشر S&P500 الى أكثر من 4% من معدل آخر 50 يوم تداول ، فكانت الخسارة في حدود العشرة ترليون دولار في شهر واحد، كما تراجع مؤشر الكاك 40 الفرنسي الى أكبر خسارة له تاريخيّا فقد في يوم واحد 12%، وفقد مؤشر الداو جونس الصناعي قرابة 11% فكان أسوء يوم في وال ستريت منذ 33 عام.

فرغم الاجراءات التحفيزية الضخمة و الغير مسبوقة من الدول في دعم اقتصادهم تفاديا لحالة الركود التي سيعيشها الاقتصاد العالمي في الفترة القادمة الاّ ان الأسواق كان لها رأيا مخالفا و يرجع ذلك لعدة أسباب منها أن النظام الرأسمالي الحالي لم يستثمر في الانسان الذي يعتبر هو مركز الكون المحرك الاقتصادي الأهم بل كان الاستثمار في طاقته الاستهلاكية و عمل هذا النظام طيلة عقود على تطوير الانتاج من جهة و تشجيع الاستهلاك من جهة أخرى.

هذا يفسر عجز الدول على مجابهة الأزمة الصحية لنقص الاستثمار في الصحة كعدم توفر العدد الكافي من الأسرة أو عجز دول أخرى توفير أقنعة واقية لمواطنيها.

وهذا دليل اضافي أن النظام الرأسمالي القائم اليوم لم ينتبه الى المخاطر الصحية التي يمكن أن تشكل خطرا كبيرا على ديمومة الانسان ، فجفاء الأرقام و محاولة تطويع قواعد العرض و الطلب في السوق جعلت من مدراء البنوك و المستثمرين يعطون تعريفا لإدارة الأزمات بعيدا كل البعد على ما يمكن أن تشكله أي أزمة من خطر على حياة الانسان أو سلامته الجسدية.

كما أن السياسات التحفيزية مثل التسيير الكمّي أو عمليات repo ( اي ضخ سيولة مقابل شراء أصول ) هي في الأصل للحفاظ على ديناميكية العرض و الطلب خاصة للحث على الطلب في النموذج الكينيزي الغير معدل ، و هو بالأساس انقاذ للشركات من مخاطر الائتمانية التي تتمثل في الافلاس و انكشاف البنوك و مؤسسات أخرى مما يحدث سقوط اقتصادي مدوي شبيه بقطع الدومينو هذا من جهة ، من جهة أخرى هي عملية كميّة تعديلية ليست حركة اصلاحية بالأساس بل هي جرعة تخدير للسوق و للحركة الاقتصادية التي ترفض اليوم الاستجابة لهذه الاجراءات التي لا تتبنى اي توجه اصلاحي رغم مرور أكثر من 10 سنوات على وقوع الأزمة الأخيرة.

فكل المراجعات التي قام بها المشرعون بعد أزمة 2008 من Dodd franck act و Basel 3 و غيرهم من القوانين هي ترمي في الأساس الى وضع قيود حول رأس المال و المخاطر الكميّة التي تهدد استمرارية الحركة الاقتصادية ، ولم تتطرق هذه القوانين التي كلفت البنوك مئات المليار إلى التركيز على صحة الانسان و سلامته فكان الاستثمار في قطاع صناعة الأدوية هي بالأساس عملية مضاربة في السوق مبنية على نتائج الشركات المالية و الأرباح التي تحققها لا استثمار في صحة الانسان .

كل هذه التراكمات جعلت اليوم من أصحاب القرار في التفكير في تأميم الشركات الكبرى المتعثرة و قد أعرب عن ذلك صراحة وزير المالية الفرنسي برونو لومار ، كما أن شراء الأصول للشركات التي تشكو صعوبات تعتبر شراكة غير معلنة من الدولة و تداخل في القطاع الخاص و هذا في حد ذاته مخالف لقواعد الرأسمالية .

أزمة كورونا بكل ما تحمله من مساوئ و ما تمثله من خطورة على صحة الانسان و حريته في التنقل ، الا أنها فرصة للإنسانية عامة و رجال الاقتصاد خاصة في اقامة مراجعات عميقة في النظام الرأسمالي الحالي الذي طرد الانسان من جميع معادلاته و فضل الأرباح المادية على حساب ديمومة الانسان و سلامته الجسدية و الاقتصادية.