07:06 09-10-2021

النزوح وتغير المناخ.. نظرة حول الماضي والمستقبل

طباعة

يتوقع البنك الدولي أن 216 مليون إنسان قد يتعرضون لمخاطر الهجرة مع حلول عام 2050، هرباً من الآثار المرتبطة بتغير المناخ، كتراجع الأراضي القابلة للزراعة وشح المياه وارتفاع مستوى مياه البحار.

وتفيد التقديرات بأن نصيب جنوب الصحراء في إفريقيا سيكون حوالي 86 مليون مهاجر، وشرق آسيا والمحيط الهادئ 49 مليوناً، وجنوب آسيا 40 مليوناً، وشمال أفريقيا 19 مليوناً، وأميركا اللاتينية 17 مليوناً، وأوروبا الشرقية وآسيا الوسطى 5 ملايين.

وحسب تقديرات لجنة التنمية المستدامة في البنك الدولي، فإن الإجراءات الاحترازية السليمة يمكن أن تخفض معدل هذه الهجرة إلى 80%، لتنخفض إلى 44 مليون إنسان.

تعد الكوارث الناجمة عن تغير المناخ المحرك الرئيسي لحركة النزوح الداخلي حول العالم، على خلاف الشائع بين الناس بأن الصراعات المسلحة والحروب هي المحرك الرئيسي لها.

وتعتبر حركة النزوح الناجمة عن الكوارث البيئية الشديدة والعاجلة كالأعاصير والفيضانات والحرائق الواسعة أعلى بسبع مرات من الكوارث المتوسطة الزمن كالناتجة عن الظواهر الجيوفيزيائية كالزلازل والبراكين، وأعلى بثلاث مرات من الصراعات المسلحة.

وأفادت دراسة حديثة لمركز رصد النزوح الداخلي (IDMC) بالتعاون مع منظمة أوكسفام، بأن عدد الكوارث المناخية الشديدة أدت لنزوح أكثر من 20 مليون إنسان، وأن هذا الرقم قد تضاعف خمس مرات خلال العقد الفائت من القرن العشرين، ويمثل هذا الرقم قرابة 87% من إجمالي عدد الأشخاص النازحين داخلياً بسبب الكوارث خلال نفس الفترة.

إضافة لذلك، نزح ملايين من البشر واضطروا لترك ديارهم جراء الكوارث المناخية البطيئة، كالجفاف وارتفاع منسوب مياه البحار.

وتعتبر المجتمعات الأشد فقراً حول العالم، هي الأكثر تعرضاً للنزوح والهجرة بسبب تغيرات المناخ، في حين أن الفئات الأكثر غنى هم الأقل تعرضاً لترك أماكن سكنهم الأصلية.

من جانب آخر يعتبر سكان  الدول منخفضة ومتوسطة الدخل الأدنى كالصومال والهند، أكثر عرضة بنسبة أربع مرات للتشرد نتيجة لكوارث الطقس القاسية مقارنة بسكان الدول ذات الدخل المرتفع مثل إسبانيا والولايات المتحدة.

ففي الفترة الممتدة بين عامي 2008 و 2019، كان عدد النازحين بسبب الظروف الجوية القاسية أعلى بمقدار 11 مرة من البلدان منخفضة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى منه في البلدان ذات الدخل المرتفع، يعيش قرابة 80% من هؤلاء النازحين في القارة الآسيوية، التي تشكل موطناً لقرابة 60% من سكان العالم، وأكثر من ثلث سكان العالم الذين يعيشون في فقر مدقع.

وتعتبر المدن صغيرة ومتوسطة الحجم في المناطق الساحلية المنخفضة الأكثر عرضة بشكل خاص لارتفاع مستويات سطح البحر والعواصف، فعلى سبيل المثال، تسبب إعصار فاني الذي ضريب كلاً من الهند وبنغلادش في أيار/ مايو 2019  في نزوح ما يقرب من 3.5 مليون شخص.

وفي عام 2018 ، وحسب منظمة أوكسفام  فإن 3.8 مليون شخص نزحوا نتيجة الظواهر الجوية الشديدة في الفلبين، وذات العدد في الصين.

 

الدول الجزرية

 

تعتبر الدول الجزرية الصغيرة النامية الأكثر تعرضاً لحركة النزوح نتيجة تغير المناخ، ولا سيما في منطقة البحر الكاريبي والمحيط الهادئ، فسبعة دول من العشرة الأكثر تعرضاً للمخاطر هي عبارة عن جزر عائمة في المياه، مثل توفالو ودومينيكان وكوبا، كما أن 5% من سكان  هذه المناطق قد تعرضوا للنزوح بين عامي 2008 و 2018، الأمر الذي يشبه نزوح نصف سكان العاصمة الإسبانية مدريد.

وتختلف الأرقام  اختلافاً كبيراً بين عام وآخر، ففي المتوسط ، شردت الأحداث المناخية الشديدة والمفاجئة أكثر من 1% من الأشخاص الذين يعيشون في الدول الجزرية الصغيرة النامية بين عامي 2008 و 2018.

وتساعد المياه الدافئة على تضخيم العواصف وهطول الأمطار، ويزيد ارتفاع مستوى سطح البحر في حدوث المزيد من العواصف المدمرة، ويعتبر خطر النزوح بسبب الأحداث الجوية المتطرفة هو أعلى بـ 150 مرة لسكان الدول الجزرية النامية، مقارنة بالأشخاص الذين يعيشون في أوروبا، وأعلى بـ 12 مرة من سكان ذات الدخل المرتفع، وأربع مرات أعلى من المتوسط العالمي.                                                                                                                                                                      

إضافة لذلك ترزح هذه الجزر تحت تهديد التأثر بتغيرات المناخ البطيئة، كارتفاع منسوب مياه البحر والجفاف، فعلى سبيل المثال بين عامي 2006 و 2016، كان معدل ارتفاع مستوى سطح البحر أعلى بـ 2.5 مرة أكبر من المعدل المسجل خلال القرن العشرين، وخصوصاً الدول ذات الطبيعة المرجانية ككيريباتي وجزر مارشال، وجميع هذه الجزر من بين الدول الخمسين الأكثر عرضة لخطر النزوح بسبب الظواهر الجوية الشديدة.

ومع الانحسار التدريجي للكثير من المساحات التي لا يزيد ارتفاعها عن بضعة أمتار فوق مستوى سطح البحر، تضطر  الدول إلى التفكير في إعادة توطين نسبة كبيرة من سكانها مع ارتفاع مستويات سطح البحر التي تبتلع الأرض و المساكن وتلوث التربة ومصادر مياه الشرب.

وتتعاظم المخاطر بزوال هذه الجزر عاماً بعد عام، الأمر الذي يهدد زوال هويات ثقافية بأكملها.

في المتوسط، يتحمل الأشخاص الذين يعيشون في الدول ذات الدخل المرتفع 3 أضعاف انبعاثات الغازات الملوثة للفرد الواحد من سكان الدول الجزرية الصغيرة النامية، ففي توفالو في (جزيرة إليس) الواقعة في المحيط الهادي، وهي أكثر الدول الجزرية الصغيرة النامية ضعفاً، يتحمل سكان الدول ذات الدخل المرتفع المسؤولية عن سبعة أضعاف حصة الفرد من الانبعاثات السامة في الجو، والتي تعتبر المسؤول الأول عن تغير المناخ.

بعد رحلة النزوح واللجوء، تزداد الحياة تعقيداً، وخاصة لأولئك الذين كانوا يعتمدون في مواردهم على الأرض أو الزراعة أو صيد الأسماك لكسب لقمة العيش، حيث يفتقرون إلى التعليم والمهارات اللازمة للعثور على عمل جديد في أماكن اقامتهم الجديدة.

وتمتد آثار النزوح إلى ما هو أبعد من انعدام الأمن وفقدان سبل العيش، كإضعاف الروابط المجتمعية والبعد عن الأراضي الأصلية، مما يؤثر بشدة على الهوية الأصلية والتماسك الاجتماعي.

 

الجفاف

 

تعتبر الكوارث المناخية البطيئة من أكثر الكوارث المناخية خطورة، نتيجة عدم اهتمام الحكومات برصدها وإيجاد حلول لها، ونتيجة لكونها كوارث بطيئة لا يبدي غالبية السكان اهتماماً بها، وتفاقم هذا النوع من الكوارث أزمة الجوع وانعدام الأمن الغذائي.

فعلى سبيل المثال، في إفريقيا يعاني أكثر من 52 مليون شخص من خطر المجاعة في حالة الجفاف أو عدم كفاية الأمطار أو الفيضانات المفاجئة.

ويتأثر القرن الإفريقي بشكل خاص بمخاطر الجفاف، ففي عام 2018، سجلت إثيوبيا والصومال وجنوب السودان والسودان نزوح قرابة 4 مليون شخص، 80% منهم يمارسون زراعة الكفاف وتربية الماشية.

وفي الصومال، أحد أفقر البلدان في العالم، يشكل نصيب الفرد من الانبعاثات خِمسَ نصيب أبناء البلدان مرتفعة  الدخل كأوروبا والولايات المتحدة والخليج، وتعرض 547000 من الصوماليين حديثي الولادة، أي 3.6% من السكان، للنزوح بسبب الظواهر الجوية الشديدة، و 578000، أي 3.9% بسبب الصراع.

هذا وتؤكد الأدلة العلمية أن موجات الجفاف الأكبر والمتكررة، وارتفاع مستويات سطح البحر، وذوبان الأنهار الجليدية، وتغير الفصول، ودرجات الحرارة القصوى تعمل على تآكل قدرة الانسان تدريجياً على كسب لقمة العيش وتدني مستويات القدرة على تحمل الصدمات الأخرى ، مما يزيد من مخاطر النزوح.

وتزايدت أعداد المناطق المتأثرة بالجفاف بشكل كبير منذ سبعينيات القرن المنصرم، مع تعرض المناطق الأكثر جفافاً بشكل خاص لفترات أطول من الحرارة مع هطول أمطار قليلة أو معدومة، وفي هذا السياق تقدر منظمة أوكسفام أنه في الأشهر التسعة الأولى من عام 2017، فر أكثر من 1.9 مليون شخص حول العالم من الجفاف في الداخل أو في الخارج.

 

الحروب والمناخ

 

هناك علاقة متبادلة بين الصراعات وأزمة المناخ، وتذهب كثير من الآراء إلى أن السبب الأساسي لنشوب الحروب هو الصراع على الموارد والبيئة.

بالمقابل تزيد عقابيل تغير المناخ من حالة من حالة عدم الاستقرار، ومن احتمالات نشوب النزاعات المسلحة نتيجة حالة الصراع على متطلبات الحياة الأساسية، ففي منطقة الساحل الإفريقي، على سبيل المثال، أدت نوبات الجفاف والفيضانات المتكررة إلى إجهاد الموارد المحدودة بالفعل مثل المراعي ومصادر المياه، مما يؤجج التوترات بين المجتمعات التي تستغل الجماعات المسلحة إحباطها، واستغلال حاجتها من خلال تطويع هذه المليشيات أبناء هذه المجتمعات المتضررة، مما يزيد من وطأة الصراعات المسلحة.

 

المجتمعات عالية الخطورة

 

تعتبر المجتمعات الزراعية أو الرعوية أو التي تعتمد على صيد الأسماك كمصدر للرزق رئيسي، هي الأكثر هشاشة جراء عقابيل تغير المناخ.

وتعيش هذه المجتمعات غالباً في مساكن مؤقتة في مناطق طرفية مهمشة، وتكون أكثر عرضة لظواهر الطقس المتطرفة مثل العواصف أو الفيضانات، وغالباً ما يتعين عليهم التعامل مع البنية التحتية البدائية التي يصعب الوصول فيها إلى الخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية أو التعليم بعد حالة الطوارئ، كما يعتمد غالبيتهم على الزراعة أو صيد الأسماك، وهي أنشطة تعتمد على أحوال الطقس التي لا يمكن التنبؤ بها بدقة، ومع زيادة وتيرة وشدة الأخطار المناخية، تتآكل تدريجياً المقاومة للصدمات التي يعاني منها الأشخاص الذين يعيشون في هذه المناطق، ما تزيد من حالة الفقر المدقع والجوع، والتي توصلهم لمرحلة لا يمتلكون فيها حلاً سوى النزوح الداخلي أو الهجرة الخارجية.

 

النساء الأكثر ضعفاً

 

غالباً ما تكون المجتمعات الأكثر فقراً وخاصة النساء الأكثر هشاشة وضعفاً أمام نتائج تغير المناخ، وتزيد الأعراف الثقافية والاجتماعية من ضعف المرأة أمام الصدمات المناخية، ففي أجزاء كثيرة من العالم ، لا تتعلم النساء السباحة أو لا يُسمح لهن بمغادرة منازلهن بمفردهن، مما يجعلهن أكثر عرضة للفيضانات والعواصف.

وبينما تصل نسبة النساء إلى 43% من المزارعين أصحاب المساحات الصغيرة في مناطق من إفريقيا، فإن النساء لا يتمتعن بنفس وصول الرجال إلى حالة الأمان الاجتماعي أو المساعدات الحكومية، ما  يجعل التكيف أو إعادة بناء حياتهم أكثر صعوبة بعد وقوع الكارثة.

كما تعتبر النساء غالباً آخر من يغادرون منازلهم، وعندما يغادرونها يكون مع الأطفال، أكثر عرضة للعنف وسوء المعاملة.

ونتيجة سوء وضع مخيمات النزوح وانعدام الأمن، يحرم الأطفال النازحون من الحصول على التعليم، مما يحاصرهم في حلقة من الفقر المتوارث بين الأجيال. كما تواجه النساء النازحات صعوبات أكبر في إعادة بناء حياتهن بسبب عدم المساواة بين المرأة والرجل.

 

 

بقلم مؤيد الشيخ حسن، عضو مجلس إدارة جمعية الطاقة والتنمية وحماية البيئة الفرنسية.

 

 

 

المراجع:

  https://www.adb.org/sites/default/files/publication/510651/ewp586-climate-change-disasters-migration-asia.pdf

 

www.worldbank.org

 

www.internal-displacement.org