23:22 25-06-2022

احتجاجات أوروبا.. عندما ينقلب السحر على الساحر!

طباعة

بقلم: مصطفى عبدالعزيز/ مُحرر في CNBC عربية

مع بداية الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير شباط الماضي، أخذت أوروبا على عاتقها دور المنقذ مع حليفتها أميركا، ظنًا منهما أن لديهما القدرة لوقف روسيا عن مهاجمة أوكرانيا والتوغل داخل أراضيها، في أجبر هجوم على دولة أوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

حيث قامت الدول الكبرى في الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات اقتصادية على الدب الروسي، بالإضافة لعقوبات من جانب الولايات المتحدة، ومع مرور الأيام والأسابيع تقوم الدول الكبرى في القارة العجوز بزيادة العقوبات والتي تحولت فيما بعد لما يسمى "حزمة العقوبات الأولى ثم الثانية ثم الثالثة..إلخ".

وكان الغرب يظن أن هذه العقوبات ستضر اقتصاد روسيا وستؤدي إلى كبح جماح الرئيس الروسي داخل الأراضي الأوكرانية، لكن حدث ما لم يحمد عقباه للغرب، والذي أمتد تأثيره على أغلب دول العالم، لتصبح عقوبات الغرب على روسيا بمثابة عقوبات على الغرب أنفسهم بل على العالم أجمع، لينقلب السحر على الساحر!

 

العقوبات الاقتصادية VS روسيا

قبل بداية الحرب الروسية الأوكرانية، كانت روسيا بمثابة شريان الحياة لإمدادات الغاز في أوروبا، وكانت أيضًا بمثابة شريان الحياة لإمدادات القمح والأسمدة للدول النامية.

لذلك تسببت العقوبات في ارتفاع كبير لأسعار القمح والذرة، الأمر الذي نتج عنه معاناة للدول النامية خاصًة التي تستورد القمح من روسيا مثل مصر ولبنان، مما زاد من أزمة الجوع عالميًا، وزاد الوضع سوءًا للدول النامية، لتعلن سريلانكا إفلاسها بعد الحرب بعدة أسابيع.

وبالعودة إلى الغرب الذي يحاول أن يجد حلًا للمأزق الذي وضعه بمعاقبة روسيا، قرر الاتحاد الأوروبي إعداد خطط عاجلة من أجل إنهاء اعتماده على الكرملين في مجال الطاقة.

حيث قررت أوروبا حظر واردات الفحم من روسيا بداية من شهر أغسطس المقبل، بالإضافة إلى خفض واردات الغاز الروسي بنحو الثلث بنهاية عام 2022.

لكن سرعان ما قررت روسيا أن تُضيق الخناق سريعًا على قادة الاتحاد الأوروبي، فقامت موسكو بتحذير أوروبا من أنها ستقوم بقطع إمدادات الغاز ما لم تُدفع بالروبل الروسي.

حيث أصدرت في مارس آذار، مرسوماً يقترح أن يفتح مشترو الطاقة حسابات في Gazprombank لتسديد المدفوعات باليورو أو الدولار، والتي سيتم تحويلها بعد ذلك إلى روبل.

لكن الاتحاد الأوروبي عارض ذلك، وقال متحدث باسم المفوضية "الشركات التي لديها عقود تنص على مدفوعات باليورو أو بالدولار يجب ألا تستجيب للمطالب الروسية، سيكون هذا مخالفاً للعقوبات المعمول بها".

لتبدأ حرب الطاقة والغاز في الاشتعال، وتقوم روسيا بوقف تدفق الغاز إلى فنلندا بسبب نزاع على المدفوعات، ثم أوقفت بعد ذلك تدفق الإمدادات إلى بولندا وبلغاريا.

وفي منتصف شهر يونيو الجاري، قررت شركة Gazprom الروسية تخفيض إمدادات الغاز إلى إيطاليا وألمانيا.

وتُعد ألمانيا أكبر اقتصاد في القارة العجوز.

 

اقتصاد أوروبا يُعاني

ربما لم يفكر قادة الاتحاد الأوروبي أنهم عند دفاعهم عن أوكرانيا بشن سلسلة من العقوبات الاقتصادية على الدب الروسي، سيؤدي ذلك في نهاية الأمر إلى ارتباك في اقتصاد بلدانهم أو ربما يصل الأمر إلى ركود اقتصادي.

فبعد قيام روسيا بخفض إمدادات الغاز إلى ألمانيا، قال وزير الاقتصاد الألماني روبرت هابيك  في بيان "يجب ألا نخدع أنفسنا، خفض إمدادات الغاز يعد هجوما اقتصاديًا علينا من جانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين".

وتابع "نأمل أن نتجنب تقنين الغاز لكن ذلك ليس أمرا مستبعدًا، من الآن فصاعدًا، الغاز سلعة نادرة في ألمانيا، وبالتالي نحن مضطرون لتقليل استهلاك الغاز كوننا بالفعل في الصيف حاليا".

ارتفعت الأسعار بقوة في أوروبا وأميركا أيضًا واللذان يُعتبران زعماء فرض عقوبات على روسيا، ارتفاع أسعار الطاقة "النفط والغاز" تسبب في زيادات كبيرة لأغلب المنتجات الحيوية.

وقفز معدل التضخم في القارة العجوز إلى مستوى قياسي بلغ 8.1% في شهر مايو أيار الماضي، متجاوزًا التوقعات عند 7.7%.

بالإضافة لارتفاع التضخم في أميركا إلى 8.6% وهو أعلى مستوى في نحو 40 عامًا، مما أدى إلى تسارع البنوك المركزية حول العالم لرفع أسعار الفائدة بهدف كبح جماح التضخم، وهو ما جعل عدد من المستثمرين حول العالم يتوقعون حدوث ركود تضخمي قريبًا في ظل سياسات البنوك المركزية الحالية وعلى رأسها الفدرالي الأميركي.

ارتفاع الأسعار في أوروبا أدى إلى انتشار الاحتجاجات في عدة مدن أوروبية بسبب غلاء الأسعار، بالإضافة إلى إضراب عدد من الصناعات الحيوية في بعض البلدان.

 

فرنسا

وجهت نقابات عمالية فرنسية دعوة مشتركة كي ينظم عمال السكك الحديدية إضرابًا وطنيًا في السادس من يوليو تموز، قائلة إنهم يريدون زيادة في الأجور في ظل ارتفاع التضخم.

 

بريطانيا

شلّت الإضرابات شبكة السكك الحديدية في بريطانيا، حيث يواجه رؤساء النقابات وشركات تشغيل القطارات والحكومة مطالب بزيادات في الأجور مع ارتفاع التضخم.

بالإضافة إلى تظاهرات حاشدة في العاصمة لندن احتجاجاً على ارتفاع تكاليف وتدهور الوضع الاقتصادي.

 

إيطاليا

شهدت العاصمة الإيطالية روما مظاهرات تسلط الضوء على المخاوف الكبيرة بشأن أسعار الطاقة في القارة الأوروبية، وذلك خلال شهر أبريل نيسان.

 

اليونان 

خرج آلاف العاملين اليونانيين في مظاهرات في أثينا للاحتجاج على ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء.

 

هل تجد أوروبا حلًا؟

حتى الآن، لا يوجد حل على السطح لأزمة التضخم في أوروبا، فطباعة أوروبا وأميركا للأموال من أجل اقتناص الغذاء والطاقة من الأسواق العالمية ليست الحل الأمثل، خاصًة في ظل شح الموارد المتاحة بسبب تداعيات التغير المناخي والتي أثرت على المحاصيل الزراعية في دول مختلفة حول العالم، فالإضافة إلى عدم قيام أوبك+ بزيادة الإنتاج.

لكن يبدو أن بعض الدول قررت أن تعود إلى الفحم مرة أخرى من أجل تجنب وقف المصانع عن العمل في بلادها بسبب نقص الغاز، الأمر الذي يضر بالعالم أجمع ويزيد من حدوث كوارث طبيعية بسبب تداعيات المناخ.

وربما تُغير أوروبا من استراتيجيتها مع الدب الروسي قريبًا، وتعود الأمور إلى طبيعتها ويتناسى زعماء أوروبا الحرب الروسية الأوكرانية من أجل استمرار الحياة في بلادهم، خاصًة بعد تصريح رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون من إنه يخشى أن تواجه أوكرانيا ضغوطاً للموافقة على اتفاق سلام مع روسيا لا يصب في مصلحتها، بسبب التداعيات الاقتصادية للحرب في أوروبا.