وداعاً للأموال الساخنة.. مصر تتجه للاعتماد على الاستثمارات الأجنبية المباشرة

نشر
آخر تحديث

تركز مصر حالياً على جذب استثمارات أجنبية مباشرة، في محاولة منها لتقليل الاعتماد على "الأموال الساخنة" بعدما أدت الاضطرابات العالمية والتوترات الجارية إلى خروج أكثر من 20 مليار دولار من استثمارات أدوات الدين من البلاد خلال أول 4 أشهر من العام الجاري.  

لماذا؟   

تأتي هذه التحركات في ظل تفاقم الضغوط الناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية والتي أثرت على اقتصاديات العالم كافة؛ وظهر التأثير جلياً على جميع الأسواق الناشئة؛ من بينها مصر.  

لم يظهر التأثير على مصر في خروج استثمارات المحافظ الأجنبية فحسب، بل أيضاً شمل الضغط على العملة المحلية والتي انخفضت بأكثر من 17% أمام الدولار منذ مارس آذار الماضي.  

الضغط على العملة المحلية كان حجر الزاوية الذي انطلقت منه التحركات المصرية نحو التركيز على الاعتماد على الاستثمارات الأجنبية المباشرة.  

هذا بالإضافة إلى وجود فجوات تمويلية بسبب ارتفاع تكاليف النفط والسلع الغذائية، خاصة وأن مصر تعد  أكبر مستورد للقمح في العالم، وتستورد ما يصل إلى 80% من احتياجاتها من القمح من روسيا وأوكرانيا- بحسب تقديرات سابقة-، كما أنها مستورداً صافياً للنفط.  

الفجوة التمويلية الناتجة عن استيراد القمح والنفط فقط تقدر بحوالي 10.2 مليار دولار، بحسب حديث وزير المالية المصري محمد معيط لـ CNBC عربية، منتصف الشهر الجاري.  

وعلى غرار ما سبق، أظهر تقرير الاستثمار العالمي الصادر عن الأمم المتحدة، تراجع نصيب مصر من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنحو 12%، إذ هبطت من 5.8 مليار دولار في عام الجائحة، إلى 5.1 مليار دولار في عام 2021.  

 

كيف تحركت الحكومة المصرية؟ 

دفعت هذه العوامل الحكومة المصرية إلى إعلان خطة واضحة نحو جلب استثمارات تقدر بنحو 40 مليار دولار خلال 4 سنوات، إضافة إلى تعهدات دول: السعودية والإمارات وقطر، بضخ مليارات الدولارات في مفاصل الاقتصاد المصري في صورة ودائع واستثمارات مباشرة.  

كما وتستعد في عامها المالي الجديد إلى تفعيل وثيقة سياسة ملكية الدولة عبر تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص بنحو 10 مليارات دولار سنوياً كجزء من الـ 40 مليار المستهدفة، هذا إلى جانب طرح بعض أصولها في البورصة المصرية، أو إما بيع حصص منها لمستثمرين.  

حتى في محادثاتها مع الصندوق النقد الدولي حالياً، تسعى لاجتذاب استثمارات أجنبية مباشرة.  

"البرنامج الجديد مع صندوق النقد الدولي قائم على إصلاحات هيكلية، ويختص بتنافسية الاستثمار وكيفية جذب مستثمرين جديد" قال وزير المالية في حديثه لـ CNBC عربية. 

خطوات جادة  

بالفعل، تُرجمت أولى خطوات مصر نحو جذب استثمارات في التوقيع مع السعودية 14 اتفاقية استثمارية بقيمة 7.7 مليار دولار خلال الأسبوع الماضي.  

شملت الاتفاقيات قطاعات رئيسية منها الطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية والزراعة والتكنولوجيا وصناعة الأدوية.  

وتعتزم المملكة العربية السعودية قيادة استثمارات بقيمة 30 مليار دولار في مصر، حسبما ذكر البلدان في بيان مشترك.  

كان لمجموعة عجلان وإخوانه القابضة النصيب الأكبر في هذه الاتفاقيات.  

"وقعنا 6 اتفاقيات بقيمة 5 مليارات دولار وهي كمرحلة أولى ومرشحة للزيادة بوتيرة أسرع في الفترة القادمة" قال رئيس اتحاد الغرف السعودية ورئيس مجموعة عجلان وإخوانه القابضة عجلان بن عبد العزيز العجلان في لقاء مع CNBC عربية، الأسبوع الماضي.  

كان للإمارات نصيب من الدعم وضخ حزمة من الأموال المباشرة في مصر، وذلك عبر استحواذ "القابضة الإماراتية ADQ" على حصص في 5 شركات مقيدة في البورصة المصرية بقيمة 1.82 مليار دولار في أبريل الماضي.  

هذا إلى جانب إطلاق كل من مصر والإمارات والأردن شراكة صناعية تكاملية لتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة في 5 مجالات صناعية واعدة تشمل الزراعة والأغذية والأسمدة، والأدوية، والمنسوجات، والمعادن، والبتروكيماويات. 

وتم تخصيص صندوق استثماري تديره شركة "القابضة" ADQ بقيمة 10 مليارات دولار للاستثمار في المشاريع المنبثقة عن هذه الشراكة في القطاعات المتفق عليها. 

وفي نفس الاتجاه، تقترب قطر من ضخ استثمارات بقيمة 5 مليارات دولار خلال الفترة القريبة المقبلة، بعدما تبادل مسئولون حكوميون الزيارات، وكان آخرها زيارة أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، إلى مصر، يومي الجمعة والسبت الماضيين.  

الفائدة والأموال الساخنة 

يسود حالياً داخل الوسط المصري تفاؤلات بشأن هذه التحركات والجهود، ورغم توقعات متباينة سابقة لبنوك الاستثمار – تحدثوا إلى CNBC عربية – حول تقديرات الأموال الساخنة المتدفقة إلى مصر بحلول 2022، التي تراوحت ما بين 2 إلى 10 مليارات دولار، مستندين على أن زيادة هذه القيم مرهون بزيادة أسعار الفائدة المحددة من قبل البنك المركزي.   

لكن جاء البنك المركزي المصري في الأسبوع الماضي، ليخالف التوقعات ويبتعد عن مضمار رفع الفائدة، ليثبت أسعار الفائدة كما هي دون أي تغيير في ثالث اجتماع للعام، بعدما رفع الفائدة 3% منذ بداية العام وحتى الآن، كانت الأولى في مارس الماضي بواقع 1% وفي اجتماع استثنائي، والثانية كانت في مايو وكانت بواقع 2% دفعة واحدة.   

إذا كان ما يشغل البنك المركزي الحفاظ على جاذبية الجنيه المصري فسيقوم برفع الفائدة، هكذا كان مبررات محللي بنوك استثمار، إذ تبحث الأموال الساخنة دائماً عن معدلات الفائدة المرتفعة، لكن على ما يبدو وتأكيداً على سياسة الحكومة المصرية نحو التركيز على الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ثبت البنك المركزي المصري الفائدة، رغم موجة رفع اتخذتها باقي البنوك المركزية.  

مناقشات حول آليات التخارج 

وعلى صعيد متصل، تُجري الحكومة المصرية سلسلة من المناقشات حالياً مع مجتمع الأعمال حول وثيقة "ملكية الدولة".  

تنوي مصر التخارج من عدة أنشطة أو خفض استثماراتها بها منها قطاع النقل والتعدين والطاقة، والاتصالات والأنشطة الزراعية والصناعات التحويلية وتجارة التجزئة والتشييد والبناء. 

تتضمن آليات التخارج طرح الأصول المملوكة للحكومة المصرية من خلال البورصة، إما عبر طرح كلي أو جزئي في البورصة، خلال مدى زمني قدرته الحكومة بنحو 3 سنوات. 

المشاركة مع القطاع الخاص ضمن أشكال التخارج، سواء كانت بعقود إدارة أو تمويل أو تشغيل.  

بالطبع كان لمجتمع الأعمال العديد من الملاحظات على إشكاليات تخارج الحكومة المصرية من بعض الأنشطة الاقتصادية، يقول أستاذ التمويل، وأحد المشاركين في مناقشات مراجعة وثيقة "ملكية الدولة"، مدحت نافع، إنه لابد من وجود آلية لمراجعتها أول بأول، مع وجود مجلس أو كيان منفصل عن الكيان الحكومي يختص بها.  

تحاول الحكومة المصرية اجتذاب استثمارات أجنبية مباشرة، ورفع نسبة مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي من 30% حالياً إلى 65% خلال 3 سنوات، إضافة إلى رفع معدل الاستثمار إلى ما يتراوح بين 25% و30%؛ وبما يسهم فى زيادة معدل النمو الاقتصادي إلى ما بين 7% إلى 9%.  

"هناك قطاعات لن تشهد تخارجًا من أعمالها بسهولة، نظرًا لارتباطها بعوامل مختلفة تتعلق بمناخ الأعمال ومدى إقبال المستثمرين على الانخراط فيها"، قال نائب رئيس مجلس إدارة شركة "دومتي"، محمد الدماطي، وفق أحد البيانات الرسمية الصادرة مسبقاً بشأن مناقشات الوثيقة. 

وبعودة إلى نافع، قال إن الخلط مازال قائما لدى البعض بين حيوية دور الدولة الداعم لنشاط ما وبين المساهمة فى ملكيته؛ الدولة لابد أن تكون منظم وليس مستثمر أو مساهم.  

يقول رئيس مجلس إدارة شركة القاهرة للزيوت، أيمن قرة – في بيان سابق-، إنه لابد من أهمية عملية تقييم الأصول باعتبارها محدداً رئيسيا لنجاح مشاركة القطاع الخاص في أصول الدولة، لذا لابد من أهمية الاعتماد على بيوت خبرة عالمية بما يضمن جاذبية وموضوعية الطرح وإقبال القطاع الخاص عليه. 

ولا يقتصر الأمر على تخارج الحكومة المصرية من العديد من الأنشطة فحسب، بل هناك عديد من الحوافز الاستثمارية، مثل تيسير إجراءات حصول المستثمرين على الأراضي اللازمة لتنفيذ  المشاريع، وتزويدها بكافة المرافق، هذا بالإضافة إلى منح الرخص الذهبية للمشروعات التنموية الكبيرة.    

بحسب آخر إحصائيات متوافرة للهيئة العامة للاستثمار، فقد بلغ عدد الشركات التي تم تأسيسها في مصر خلال أول 4 أشهر من العام الماضي، نحو 9434 شركة مقارنة بحوالي 6778 شركة خلال نفس الفترة من عام 2020 بنسبة زيادة تقدر بنحو 39.2%.

وعلى كلٍ، تنفذ مصر حالياً برنامج الإصلاح الهيكلي والذي انطلق شهر أبريل 2021، وهو يستهدف  وضع حزمة من السياسات التي سنعتمد عليها في إصلاح هيكل الاقتصاد، وتحرير التجارة، وإصلاح منظومة التدريب المهني، وتطوير أسواق المال، إلى جانب الإصلاحات التي ستتم في سوق العمل المصري.  

يركز هذا البرنامج على مجموعة من القطاعات هما: الصناعات التحويلية، والزراعة، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات،  وزيادة مساهمتهم في الناتج المحلي الإجمالي البالغة 26% في العام المالي 19/2020، إلى ما بين 30-35% في العام 23/2024. 

يتضمن البرنامج أيضاً زيادة الاستثمارات المتدفقة في هذه القطاعات، وزيادة استثماراتها وكذلك صادراتها، إذ تنوي الحكومة المصرية إلى زيادة حصة صادرات المنتجات الإلكترونية والأجهزة التكنولوجية الحديثة ومضاعفة صادرات قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، لتصل إلى 8 مليار دولار عام 2024. 

كما وتستهدف مضاعفة حصة صادرات القطاع الزراعي في الصادرات لتصل إلى 25% في 2024، وكذلك زيادة صادرات الصناعية ذات المكون التكنولوجي المرتفع من إجمالي الصادرات الصناعية بمعدل لا يقل عن 20% سنويًا، وزيادة نصيب الصادرات الصناعية ذات المكون التكنولوجي المتوسط من إجمالي الصادرات الصناعية بمعدل لا يقل عن 10% سنويًا، مع زيادة تنافسية صادرات القطاع الصناعي من خلال زيادة صادرات السلع الصناعية كمكون من إجمالي الصادرات بمعدل سنوي لا يقل عن 15%.

العلامات

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة