موجة تغيرات جيوسياسية جديدة يواجهها المستثمرون العالميون بعد اعتقال الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وهي خطوة قد تُطلق العنان لاحتياطيات النفط الهائلة في البلاد وتعزز الأصول عالية المخاطر على المدى الطويل، لكنها قد تدفع المستثمرين إلى اللجوء إلى الملاذات الآمنة عند استئناف التداول.
يوم السبت وفي تحول درامي في المشهد السياسي العالمي، قال الرئيس دونالد ترامب إن الولايات المتحدة ستسيطر على الدولة المنتجة للنفط، بينما كان مادورو، الذي اتهمته الولايات المتحدة مراراً بإدارة "دولة مخدرات" وتزوير الانتخابات، موقوفاً في مركز احتجاز بنيويورك يوم الأحد بانتظار توجيه الاتهامات إليه.
اقرأ أيضاً: العملية الأميركية في فنزويلا وأسعار النفط.. ما هي التداعيات المحتملة؟ (خاص CNBC عربية
لم تقم واشنطن بمثل هذا التدخل المباشر في أميركا اللاتينية منذ غزو بنما عام 1989.
"تُذكّرنا هذه الأحداث بأن التوترات الجيوسياسية لا تزال تهيمن على عناوين الأخبار وتؤثر على الأسواق"، كما قال مارشيل ألكساندروفيتش، الخبير الاقتصادي في شركة سالتمارش إيكونوميكس. من الواضح أن الأسواق تواجه مخاطر إعلامية أكبر بكثير مما اعتادت عليه في ظل الإدارات الأميركية السابقة.
بداية قوية للأسواق عام 2026
كانت الأسواق مغلقة وقت وقوع الإضرابات، لكنها بدأت أول يوم تداول في العام بداية قوية، حيث أغلقت مؤشرات وول ستريت على ارتفاع وارتفع الدولار مقابل سلة من العملات الرئيسية يوم الجمعة.
كذلك، أنهت الأسهم الأميركية والعالمية عام 2025 قرب مستويات قياسية، بعد أن حققت مكاسب برقمين في عام مضطرب هيمنت عليه حروب الرسوم الجمركية، وسياسة البنوك المركزية، والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة.
في هذا المجال، قال محمد العريان، الرئيس التنفيذي السابق لشركة بيمكو العملاقة لصناديق السندات، في منشور على منصة إكس X، إن رد الفعل الاقتصادي والمالي على الإطاحة بمادورو غير واضح.
وكتب قائلاً: "ربما كنا سنشهد انفصالاً فورياً بين أسعار النفط (انخفاضاً بسبب احتمال زيادة الصادرات الفنزويلية، تبعاً لخلافة القيادة هناك) والذهب (ارتفاعاً بسبب تدفقات الملاذ الآمن وسط حالة عدم اليقين المتزايدة)،" لو كانت الأسواق مفتوحة.
ارتفع سعر الذهب بأكبر قدر له منذ 46 عاماً مسجلاً مستويات قياسية العام الماضي، مدفوعاً بمجموعة من العوامل، من بينها خفض أسعار الفائدة الأميركية والتوترات الجيوسياسية.
اقرأ أيضاً: ترامب: أطحنا بمادورو وشركاتنا النفطية الكبيرة ستذهب إلى فنزويلا
وقال ترامب في مؤتمر صحفي يوم السبت إن الولايات المتحدة ستدير البلاد إلى حين تمكنها من إجراء انتقال آمن وسليم وحكيم للسلطة. ولم يقدم تفاصيل كثيرة حول كيفية حدوث ذلك، لكنه قال إنه لا يخشى إرسال القوات العسكرية الأميركية.
كما سلطت هذه الخطوة الضوء على أزمة ديون فنزويلا، التي تُعد واحدة من أكبر حالات التخلف عن سداد الديون السيادية غير المحسومة في العالم.
لا حلول سريعة لأزمة النفط الفنزويلية
بعد ساعات فقط من اعتقال الرئيس الفنزويلي، صرّح ترامب بأن شركات النفط الأميركية مستعدة لإنفاق مليارات الدولارات من أجل استعادة إنتاج النفط الخام في فنزويلا، وهو ما قد يُعطي دفعة للنمو العالمي مع انخفاض أسعار الطاقة نتيجة زيادة المعروض.
وقد تجاوز سعر النفط 62 دولاراً للبرميل في ديسمبر.
عندما منعت الولايات المتحدة ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات من دخول فنزويلا أو مغادرتها، استقر سعر النفط نسبياً عند حوالي 60-61 دولاراً أميركياً.
في هذا الإطار، قال برايان جاكوبسن، كبير الاستراتيجيين الاقتصاديين في شركة أنيكس لإدارة الثروات: "من منظور استثماري، قد يؤدي هذا إلى إطلاق كميات هائلة من احتياطيات النفط بمرور الوقت. فالأسواق تميل أحياناً إلى تجنب المخاطرة عند توقع نشوب صراع، ولكن بمجرد اندلاع الصراع، سرعان ما تتحول إلى الإقبال على المخاطرة".
ورأى ديفيد كوتوك، المؤسس المشارك لشركة كمبرلاند أدفايزرز ومقرها في ساراسوتا، فلوريدا، أن إمكانية إطلاق هذه الاحتياطيات - إذا أدى ذلك إلى انخفاض سعر النفط على المدى الطويل - قد يكون لها آثار إيجابية على الأسهم.
وأضاف كوتوك: "أما ما إذا كان ذلك سيحدث خلال العام أو العامين المقبلين، وما إذا كانت السوق ستستوعبه قبل حدوثه، فهذا سؤال آخر".
اقرأ أيضاً: الإطاحة برئيس فنزويلا.. هل تؤثر على أسعار النفط؟
أغلقت معظم أسواق الأسهم في الخليج على انخفاض يوم الأحد، استجابةً لانخفاض أسعار النفط يوم الجمعة، حيث قارن المستثمرون مخاوف فائض العرض بالمخاطر الجيوسياسية.
ومع ذلك، يتفق معظم المحللين الاستراتيجيين على أن الأمر قد يستغرق سنوات لتعزيز الإنتاج الفنزويلي بشكل ملموس، والذي انخفض بشكل حاد على مدى العقود الماضية بسبب سوء الإدارة ونقص الاستثمار من الشركات الأجنبية بعد أن أممت الحكومة عمليات النفط في العقد الأول من الألفية الثانية، بما في ذلك أصول إكسون موبيل وكونوكو فيليبس. وتُعد شيفرون الشركة الأميركية الكبرى الوحيدة التي تعمل حالياً في فنزويلا.
وأي شركات قد ترغب في الاستثمار هناك ستحتاج إلى التعامل مع المخاوف الأمنية، والبنية التحتية المتهالكة، والتساؤلات حول شرعية العملية الأميركية للإطاحة بمادورو، واحتمالية عدم الاستقرار السياسي على المدى الطويل، كما صرح محللون لوكالة رويترز.
الاستقرار السياسي والاستثمار الكبير
قال ستيفن دوفر، كبير استراتيجيي السوق ورئيس معهد فرانكلين تمبلتون في فرانكلين تمبلتون، في منشور على لينكدإن، إن الإدارة الأميركية أظهرت استعدادها للتصرف بشكل أحادي واستخدام القوة، مما قد يعزز اتجاه الدول نحو زيادة إنفاقها على أمنها القومي.
وأضاف أن ذلك سيزيد على الأرجح من حالة عدم اليقين بشأن دور الدولار كملاذ آمن، "مع إثارة المزيد من التساؤلات حول تدهور أركان المؤسسات الدولية".
وعلى المدى البعيد، يمكن لفنزويلا أكثر استقراراً وإنتاجية وازدهاراً أن توفر للعالم إمدادات كبيرة من النفط، على حد قوله. وتابع "سيكون لذلك أثر بالغ على النمو العالمي، لكنه سيتطلب استقراراً سياسياً واستثماراً كبيراً لإطلاق العنان لهذه الإمكانات".
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي