منذ إطلاق عمليته العسكرية في أوكرانيا قبل أربع سنوات، وجد الكرملين نفسه في مواجهة غير مسبوقة مع منظومة العقوبات الغربية، ما فرض على الاقتصاد الروسي اختبار بقاء طويل الأمد.
بين ضغوط العزل المالي، وتقييد الصادرات التكنولوجية، وتقلبات أسواق الطاقة، أعادت موسكو هندسة أولوياتها الاقتصادية تحت النار؛ فوسّعت الإنفاق العسكري، وأعادت توجيه تجارتها نحو آسيا، وفعّلت أدوات الدعم النقدي والمالي لحماية الروبل واحتواء الصدمة.
تحوّلت الحرب من تحدٍ عسكري إلى معركة اقتصادية مفتوحة، أعاد خلالها صانع القرار الروسي صياغة نموذج النمو بما يتلاءم مع واقع المواجهة الممتدة.
دخل الاقتصاد الروسي عام 2026 مثقلاُ بأعباء تفرضها استمرار الحرب فى أوكرانيا، حيث يتواصل الانفاق فى القطاع العسكري بفضل ضخ السيولة الحكومية، بينما يئن القطاع المدني تحت وطأة تضخم متزايد وعزلة تكنولوجية دولية فرضتها أوروبا والولايات المتحدة فى أعقاب اندلاع الحرب.
ورغم حزم العقوبات الغربية التي تجاوزت 16,000 إجراء تقييدي متنوع على مختلف القطاعات الإنتاجية الروسية، أثبتت موسكو قدرة فائقة على المناورة، لكن تقارير البنك الدولي بدأت ترصد "تصدعات عميقة" في أساسات النمو المستدام، ما يهدد آفاق النمو الاقتصادي الروسي.
الإنفاق الحربي
تُشير بيانات البنك الدولي إلى أن انكماش عام 2022 بنسبة 2.1% قد تم استيعابه بالكامل بحلول 2024، حيث سجل الناتج المحلي نمواً قوياً بنحو 3.9%.
ومع ذلك، يؤكد المحللون أن هذا النمو "نمو استنزافي"؛ إذ يتم توجيه قرابة 40% من ميزانية الدولة (نحو 145 مليار دولار في ميزانية 2025-2026) نحو الدفاع والأمن.
وأعلن وزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف الأربعاء 17 ديسمبر/كانون الأول، أن الإنفاق الروسي على الحرب في أوكرانيا خلال عام 2025 سيبلغ 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي، في أول تقدير رسمي لحجم التكلفة التي تتحملها ميزانية الدولة هذا العام.
وبناءً على تقديرات وزارة الاقتصاد التي تضع الناتج المحلي الإجمالي لعام 2025 عند 217 تريليون روبل (نحو 2.70 تريليون دولار)، فإن نفقات الحرب ستصل إلى 11 تريليون روبل. (المزيد من التفاصيل)
هذا الإنفاق الهائل خلق طفرة في الطلب المحلي، لكنه أدى في المقابل إلى "سخونة مفرطة" في الاقتصاد، حيث عجزت المصانع المدنية عن تلبية الطلب بسبب نقص العمالة وتوجيه الموارد للجبهة.
نزيف الطاقة
تعتبر خسائر قطاع الغاز من أكثر النتائج الملموسة للعقوبات؛ فبعد عقود من الهيمنة على السوق الأوروبية، سجلت شركة "غازبروم" خسائر تاريخية في 2023 و2024 تجاوزت في مجموعها 20 مليار دولار.
ورغم نجاح روسيا في بناء ما تسميه الولايات المتحدة بـ"أسطول الظل" Shadow Fleet لنقل النفط والالتفاف على سقف السعر الغربي البالغ 60 دولاراً للبرميل، إلا أن تكاليف النقل والتأمين قفزت بنسبة 30%، مما قلص هوامش الربح الصافية للخزانة الروسية، وجعل الموازنة أكثر حساسية لتقلبات أسعار الخام العالمية.
التقارب مع الصين
تحولت الصين من شريك تجاري إلى حليف تجاري قوي؛ حيث قفز التبادل التجاري إلى مستويات قياسية متجاوزاً 240 مليار دولار.
وتوثق بيانات البنك الدولي أن اليوان الصيني بات يستحوذ على أكثر من 42% من تداولات العملات الأجنبية في روسيا، بدلاً من الدولار واليورو.
هذا التحول أنقذ التجارة الروسية من الشلل، لكنه فرض تحدياً جديداً يتمثل في "التبعية التكنولوجية"؛ فمعظم المعدات الصناعية والرقائق الإلكترونية باتت تأتي من مصدر واحد وهو الصين، مما يهدد بإضعاف القدرة التفاوضية لموسكو ويجعل مستقبل صناعاتها التكنولوجية رهينة للسياسات التجارية لبكين.
معدلات التضخم
يواجه المواطن الروسي ضغوطاً متزايدة؛ فقد اضطر البنك المركزي الروسي لرفع أسعار الفائدة إلى 21% بنهاية عام 2024 وبداية 2025، وهو أعلى مستوى منذ عقود، في محاولة منه لكبح جماح التضخم الذي تجاوز 9%.
هذه الفائدة المرتفعة تهدد بتقليل القروض التجارية والشخصية، مما أدى إلى ركود في قطاع العقارات والشركات الصغيرة، بينما استمرت الشركات العسكرية في الاقتراض بضمانات حكومية، مما عمق الفجوة بين طبقات المجتمع والاقتصاد، وفق مصادر صحفية غربية.
روسيا تحت الضغط
يؤكد مدير مركز العمليات الجيوسياسية الدولية (IGP) في موسكو، عمرو الديب، فى حديثه مع CNBC عربية، إن روسيا تواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة مع تباطؤ النمو وارتفاع أسعار الفائدة وتراجع عائدات النفط، إضافة إلى العقوبات الغربية والهجمات الأوكرانية على البنية التحتية للطاقة.
ورغم اعتمادها على الصين والهند لتصريف النفط وتأمين بعض المكونات الصناعية، فإن استمرار هذه الضغوط قد يدفعها إلى مراجعة موقفها.
كما يري الديب إن الحرب أحدثت خللاً واسعاً في الاقتصاد العالمي؛ إذ استفادت آسيا من الطاقة الروسية الرخيصة، بينما عانت أوروبا من ارتفاع أسعار الطاقة وتباطؤ النمو نتيجة زيادة تكلفة الواردات.
ويضيف أن القيود على الواردات وحظر التصدير يضعان أعباء إضافية على القطاعات غير العسكرية داخل روسيا، ما يجعل الاقتصاد أكثر هشاشة. كما يؤكد أن هذه التوازنات الاقتصادية تجعل الحرب عاملاً رئيسياً في إعادة تشكيل الأسواق الدولية.
تأثير العقوبات
ويعلق خبير العلاقات الدولية بمؤسسة الأهرام المصرية، أيمن سمير، فى حديثه لـ CNBC عربية، بالقول إن العقوبات الأميركية والأوروبية تضيق الخناق على صادرات موسكو، فيما يواجه العالم تضخماً واضطراباً في سلاسل الإمداد، وهو ما يضغط على الاقتصادات الناشئة ويهدد استقرار الأسواق. استمرار الأزمة قد يدفع روسيا إلى التفاوض لإنهاء الحرب.
في المقابل، يرى باحثون أن بعض الأطراف الدولية، مثل الصين والهند، استفادت من الأزمة عبر الحصول على الطاقة بأسعار منخفضة، بينما أوروبا تكافح تباطؤ النمو وضغوط التضخم.
ويرى خبراء البنك الدولي أن روسيا نجحت في "تجنب الانهيار"، لكنها قد تفشل في الحد من الآثار السلبية للمقاطعة الغربية التي تتمثل فى الجانب التكنولوجي. فالاعتماد على الهند والصين كبدائل لبيع الطاقة بخصومات سعرية، بالتزامن مع فقدان الكوادر البشرية، فى ظل تقديرات بمغادرة أكثر من 800 ألف متخصص البلاد منذ 2022، ما يضع الاقتصاد الروسي أمام عقد ضائع من النمو النوعي.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي